سامي زبيدة... الاصلاح الاسلامي؟

8:08:00 ص

  سامي زبيدة



دوماً ما نسمع دعوات لـ "الإصلاح الإسلامي"، والذي يفترض أن يكون العلاج للإسلام الأصولي الكامن خلف ماركة السلفي المحافظ وكذلك الجهادي. حيث أن الإسلام في ظل هذه الافتراضات، يولّد مشاكل لأنه لم "يُصلَح". والنموذج المفترض هو الإصلاح المسيحي في القرن السادس عشر، المصلحون البروتستانت، لوثر، كالفن وأتباعهما. وقد أشار الكتّاب الملمّون بالدين والتاريخ إلى الطبيعة الإشكالية لهذه الفرضيات، فيما يتعلق بتاريخ كل من المسيحية والإسلام.

أجادل هنا أن الإسلام خضع للعديد من الإصلاحات، لكن في اتجاهات مختلفة بشكل جذري: الوهابية، تشبه إلى حدٍ كبير الإصلاحات البروتستانتية، فقد حثّت على العودة إلى الكتب المقدسة، الأحاديث النبوية ورفض الممارسات "المحرّفة" والهرطقية كعبادة الأولياء وزيارة الأضرحة، التصوف والاحتفالات الصوفية والمذاهب الطائفية، لاسيما الشيعية.

 في المقابل، شكّلت الإصلاحات الحداثية والعقلانية جانباً قوياً في الحياة العامة، وفي السياسة والثقافة من القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، داخل العوالم العثمانية، والعربية والإيرانية. ولقد مُؤسِسَت هذه الأشكال المختلفة من "الإصلاح" بطرق متنوعة، سترد أدناه. فالإصلاحات الليبرالية/الحداثية متاحةٌ الآن في الفضاء العام، لكنّها ليست جذابةً لمعظم المسلمين المتدينين لأنها لا تتلاءم مع احتياجاتهم وتوقعاتهم الاجتماعية والنفسية.


لم يكن الإصلاح البروتستانتي مشروعاً ليبرالياً: بل كان "الأصولية" الأصلية، وهي مصدر تسمية "الأصولية" للإسلام. والمسيحية التي أُصلِحت كانت مسيحية الكنيسة الكاثوليكية، التي ارتكزت على سلطة الكنيسة وتراتبيتها الهرمية. حيث تتم العبادة من خلال طقوس ومراسم يحتفل بها من قبل كهنوتهم، وادعاء السلطة لتوزيع الخلاص. وكان الإصلاح لتحدي هذه المزاعم من السلطة، ولتأييد سلطة "الكلمة"(بدلاً عنها)، أي الإنجيل، الذي فُسّر حرفياً وبُشّر به.

فكانت الكلمة عوضاً عن آباء الكنيسة المصدر لكل سلطةٍ، والمؤمن الفرد كان سيقرأ الإنجيل ويتبعه وفقاً لضميره. أما الخلاص فكان بواسطة النعمة الإلهية وليس بواسطة توزيع رسمي من خلال كاهن. على هذا النحو، فقد وُزِّع باحتفالات وشعائر مستفيضة، وصور وألحان، مُعتبراً هرطقةً (لاحظ التوازي مع الإسلام السلفي)، لصالح عبادةٍ ووعظٍ متقشفٍ، مرتكزٍ على الحرفية في قراءة الكتب المقدسة باللغات المحلية. كانت جهنم العقاب ضد الخطيئة، والخلاص كان عبر السعي للنعمة الإلهية، وليس من خلال توزيعٍ كهنوتي. فعندما حكم البروتستانت، كما في جنيف كالفن أو في المقاطعات اللوثرية، استحدثوا عقوبات صارمة للخطيئة والبدع.

وقد لاحظ المعلقون المميّزون، لاسيما الراحل إرنست غلنر، منذ فترة طويلة التشابه بين البروتستانتية والإسلام الأرثودوكسي. حيث افترض غلنر صورةً مرآتيةً تعكس التناظر على ضفتي المتوسط: أوروبا المسيحية مبرزةً كنيسةً رسميةً مع أجراس وشموع، احتفالات وشعائر مستفيضة، هَرَمية كنسية باذخة، وبشكلٍ عام وسائل صوتية – مرئية للعبادة، كمقابل للإنجيلية الحرفية والمتقشفة للبروتستانت المتمردين. وعلى الجهة المقابلة، الإسلام الأرثودوكسي والذي كان حرفياً، مرتبطاً بالكتب المقدسة، متقشفاً، كمقابل للعبادة الصوتية - المرئية وطقوس الإسلام الصوفي والهرطقي، في هيئة عدة صوفية وطائفية.

أبرزت معظم الأراضي الإسلامي في أوقات عديدة من تاريخها وحتى الآونة الأخيرة مجموعة متنوعة من الطرق الصوفية، تشمل قطاعات واسعة إن لم تكن الغالبية من السكان، بمختلف الطبقات، بما فيها طبقات النخبة الفكرية، بالإضافة إلى التصوف الشعبي، لعامة الناس والعسكر.

بشكل حاسم، شكّلت الطرق الصوفية أنماطاً من تنظيم اجتماعي، متداخلة مع نقابات الحرف والتجارة، ووحدات عسكرية، وأحياء حضرية ومناطق ريفية/عشائرية.



وقد لاحظ غلنر فيما يتعلق بشمال إفريقيا، كيف تصرفت سلالات الأولياء الصوفية كوسطاء ومصلحين عابرين لوحدات عشائرية. وإن بعض الطرق الصوفية الكبرى تصرّفت بثروة جديرة بالاهتمام في شكل هبات وقفية، وتمتع قادتهم بقوة جديرة بالإعتبار وبارتباط بالنخبة العسكرية الحاكمة، لاسيما السلالة المملوكية في مصر وسورية، ولكن أيضاً تحت حكم عثماني في نقاط مختلفة.

وكونها جزءاً من النخبة الحاكمة، فإن مراتب الصوفية غالباً ما ضمت قضاة وعلماء بارزين، الأولياء على الإسلام الأرثوذوكسي. لكن هذا التواطؤ أثار استنكاراً دورياً من حُرّاس الطهارة العرضيين بين العلماء، الأكثر شهرة، أو المثيرين للجدل، كابن تيمية (1263-1328). حيث جابه العلماء المنافسين، شاملاً القضاة البارزين الذين صنّفوا كقادة صوفيين في نفس الوقت، ومستنكراً الممارسات الصوفية، بما في ذلك احتفالات الموسيقى والرقص، على اعتبارها هرطقية. وبالمثل فقد انفجر غضباً ضد السحر والتصوف الشعبي، لاسيما زيارة الأضرحة باعتبارها عبادة أولياء، وذلك لتعارضها مع وحدانية الله، أي أنها شرك، مشاركة آلهة أخرى مع الله الواحد.

لقد تقلبت حظوظ ابن تيمية في مواجهته مع الصوفيين، تبعاً لنزعة الحاكم المملوكي القائم. فأنهى أيامه مسجوناً بعد خسارته أمام مناوئيه. ومن المفارقات، فإن جنازته وضريحه كانا مطلوبين من قبل العامة من أجل البركة. وقد صاغت تعاليم ابن تيمية ومجادلاته الشريعة الأكثر تأثيراً على الركائز القانونية والعقائدية للدولة السعودية الحالية ورجال دينها. وتَحدثُ من وقتٍ إلى آخر طوال التاريخ الإسلامي، نوبات مماثلة لرجال دين صريحين يهاجمون الهرطقات الصوفية والطائفية، وتتقلب حظوظهم مع توازن القوى والتأييد المتاح من قبل الاقوياء.

ما هو "الإصلاح" في هذه السياقات؟
 
ما هو "الإصلاح" في هذه السياقات؟ إنه تأكيد الأرثوذوكسية الحرفية مقابل ما اعتُبر على أنه هرطقة وبدع: أي الأصولية، بالتوازي مع الأصوليين البروتستانت، لكن في سياقات مختلفة إلى حدٍ واسع. وهو لم يكن "إصلاحاً" واحداً حاسماً، ولكن دورات متكررة. أما تيارات السلفية والجهادية في الإسلام المعاصر، بما في ذلك الوهابيّة السعودية وانتشارها، فهي جزءٌ من ذاك التيار: لم يكن الإصلاح "المعتدل" والليبرالي هو ما يُسعى إليه. وبالتأكيد فقد ادُّعِيَ أن الحركة الوهابية وتأسيسها كانت إصلاحاً، واعترف بها على هذا النحو في بعض الأوساط.

لكن كان هناك نوع آخر من الإصلاح، بداية من القرن التاسع عشر: جزء من الإصلاحات العثمانية، والنهضة العربية، والثورة الإيرانية الدستورية في 1906. فالتجديدات في الشريعة والقانون كانت جزءاً من الحداثة الثقافية والسياسية، وكانت تسعى لجعل الإسلام متوافقاً مع التحولات الحديثة في المجتمع، والثقافة والسياسة. أما في إصلاحات العثمانيين، فالقانون، رغم أنه تضمّن الشريعة اسمياً، كان مصنّفاً كقانون مدني ومُأمماً كقانون دولة. وجاءت أكثر الصيغ تأثيراً في العقائد المجدّدة من الإصلاحيين الفكريين، ومن أبرزهم الإسلامي جلال الدين الأفغاني (1838-1897) وتلميذه محمد عبده (حتى 1905) الذي غدا مفتياً للديار المصرية.

لقد جُوبهوا من قبل الهيمنة الإمبراطورية للقوى الأوروبية على العالم الإسلامي، وكنظرائهم العلمانيين القوميين، التمسوا العلاج في الأمم الإسلامية متبعين الدرب التي أعطت أوروبا قوتها: العلم والعقلانية، والاقتصاد والإصلاحات العسكرية والتنظيم العقلاني للدولة والمجتمع. كانت هذه الخطوات على تناغمٍ مع الإسلام بشكل مثالي، ولم يناقش هؤلاء الإسلام المحرَّف للتاريخ الحالي (كما رؤوه)، وإنما الإسلام المبّكر للنبي والجيل الأول من المسلمين. وقرؤوا المفاهيم السياسية الحديثة من داخل الأصول الإسلامية: إذ أمر النبي بالشورى، أي التشاور بين المؤمنين على شؤون الجماعة، وهذه كانت ديمقراطية أوليّة. كما أخذ خليفة المسلمين شرعيته من البيعة، أي تعهّد بالولاء من أفراد المجتمع، وهو عنصرٌ آخر من موافقة مشروطة. أما المصلحة فهي مبدأ الصالح العام، والتي كان القانون المقدس سيفسّر وفقاً لها.


شكّل كلُّ هذا العمارة الايديولوجية للحداثة السياسية. أيّد النبي أيضاً العلم و المعرفة، مما سوّغَ تبني وتطوير المعرفة العلمية والتكنولوجيا العقلانية. وشكّلت هذه العناصر مكونات النهضة القومية، للحضارة والدين الصحيح: تقدمٌ ضد "التخلف" والتشوه في الدين والثقافة الناشئة عن تراكم قرون من سوء الحكم.

وفي الواقع، فقد تمثّل هؤلاء المصلحون النظرة الأوروبية للمجتمع المسلم فوجدوه استبدادي، مشوهّ، قدري وشهواني. وتقاسموا في هذا الصدد مع الوهابيين والعلمانيين العدائية للدين الشعبي، والصوفية، وزيارة القبور، وعبادة الأولياء، والسحر و"الخرافة"، (على الرغم من أن الوهابيين لديهم نصيبهم من الأخيرة: السحر يُعرف كجريمة جنائية، كما حرَق البروتستانت الساحرات). علمانية أتاتورك، أيضاً، كانت تستهدف الدين الشعبي: مُنِعت وجُرِّمّت الممارسات والطرق الصوفية، بينما وُضِع الدين "الأرثوذوكسي" تحت مراقبة الدولة. هكذا اتفق الإصلاحيون المسلمون والعلمانيون الحديثون أن الدين الشعبي كان عدواً للـ"التقدم" والحضارة،  وشجبه السلفيون/الوهابيون كشرك، ووثنية.

ماذا كان الإصلاحيون يصلحون؟ سعى الإصلاح المسيحي إلى إصلاح المؤسسات، (الكنيسة)، أو خلق كنائس بديلة. ولكن في حالة الإسلام لم تكن هناك كنيسة ليجري إصلاحها. فالإصلاح الوهابي كان سيفرض عقائده وضوابطه من خلال إكراه السلطة السياسية، أي الدولة السعودية وحاشيتها الدينية. كان هناك تشابهات مع المصلحين البروتستانت، بما في ذلك لوثر وكالفن، الذي استحضر القوة القهرية "للحاكم المدني" لفرض السلوك والعقيدة الصحيحة، وهذا ما لا يهدف له النداء الحالي للإصلاح الإسلامي..

معتقلين من الحركة الدستورية الإيرانية 1906
بالنسبة للإصلاحيين الحديثين، شملت الإصلاحات المؤسسات بنقاط متعددة، القانون والتعليم في المقام الأول. لقد كان المحامون ورجال الدين الإصلاحيون مهندسي الإصلاحات القانونية العثمانية في القرن التاسع عشر، أي تأميم وتقنين الشريعة لتتناغم مع عصرنة الدولة، على الرغم من مقاومةٍ غاضبة من مؤسسات وعلماء محافظين. وتواصلت في مصر وأجزاء أخرى من العالم العربي في القرن العشرين موجات مشابهة من الإصلاح القانوني، مصدّق عليها من قبل رجال الدين الإصلاحيين، لاسيما محمد عبده، مفتي مصر. وفي نفس الوقت، كانت المدارس والتعليم العالي مُعلمنةً بشكل جزئي، بعيداً عن سيطرة المؤسسات الدينية، فيما عدا التعليم الديني. أما مشروع عبده الأساسي فقد كان إصلاح الأزهر، الجامعة السنية الأهم، بسلطة وامتداد كبير. ولقد واجه مقاومة كبيرة ولم تكن محاولته ناجحةً كلياً. لكن الأزهر كان سيتم إصلاحه بشكل جذري تحت الحكم الاستبدادي لناصر في الخمسينات من القرن العشرين، عندما أصبح تابعاً بإحكام أكبر لسلطة الدولة، وتحول إلى جامعة حديثة وكليات علوم دينية.

تمثّل الأثر الأعظم للإصلاح الحديث في الخطابات والجدالات في المجال العام. كانت الجدالات على جبهات متعددة، في الصحافة، والنزاعات السياسية، والثقافة والتعليم، ومشاريع الإصلاحات القانونية والإجتماعية. كان الكثير من هذه القضايا متصلاً، بدوره، بنزاعات ضد الكولونيالية، مع الاحتلال البريطاني لمصر وتفكك الدولة العثمانية وخلافتها. وقد كان الدفع الإصلاحي لجعل الإسلام، عقيدةً وقانوناً وثيق الصلة بالدولة الحديثة، والتعليم والثقافة، وبالتالي مقاومة المسحة العلمانية للحداثة.

أما فيما يتعلق بالنزاعات ضد الإمبريالية، فقد قُدِّم الإسلام المُصلَح كطريقٍ لنهضة قومية، يسلّح الدول المسلمة بقوى الحداثة، وعلوم وإدارة عقلانية، بما في ذلك القوة العسكرية. على هذا النحو، تم دفعه في مواجهة الإبعاد العلماني الصريح للدين إلى المجال الخاص، وعلى قدم المساواة في مواجهة المحافظين والأصوليين المجادلين أن ضعف الدول المسلمة مقارنةً مع أوروبا أتى من الخروج عن الطريق الصحيح والحقائق الأبدية للإسلام والمثال على السلف الصالح الذي حكم خلال أمجاد الإسلام الماضية.

حلقة بارزة في هذه الجدالات كانت حول كتاب، "الإسلام وأصول الحكم 1925" المكتوب من قبل واحد من أوائل دعاة الإصلاح، علي عبد الرازق (1888-1966). والذي كان، جزئياً، رداً على الدعوة إلى خلافة عربية، بعد أن ألغى أتاتورك الخلافة العثمانية. حيث جادل بأن الخلافة أو أي شكل من أشكال الحكم الديني لم تكن مطلوبة من قبل المصادر الروحية (الإلهية)، وأن الخلافة التاريخية كانت إلى حد كبير حكماً دنيوياً من قبل الأسر الحاكمة التي ادّعت شرعية دينية. كما جادل بأن محمد كان نبياً ولم يكن سياسياً، وأن المسلمين يمكن أن يختاروا أي نظام حكم أو قانون قد يناسبهم. كان عبد الرازق "عالماً" يحمل إجازة، خريج الأزهر (وجامعة اوكسفورد) وكان قاضياً، (قاضياً دينياً). وقد أثار كتابه عاصفة استنكار من العلماء الكبار، (مدفوعين جزئياً بطموحات ملك   ذلك الوقت، فؤاد، بأن يتم اختياره لمنصب الخليفة العربي).  تم تجريده من إجازة الأزهر ومن منصب القاضي، لكنه تلقى دعماً واسعاً من شخصيات عامة، مفكرين وسياسيين، وتابع ليصبح وزير أوقاف. وقد استمرت جِدالاته تُطّور من قبل المسلمين الليبراليين والعلمانيين.

إيران والعالم الشيعي


الإشكالية المركزية للسلطة الدينية في الإسلام الشيعي هي المتعلقة بالإمامة. فالإمام الغائب هو المصدر المطلق والمعصوم للسلطة، لذلك فإن غيابه يطرح معضلة. كانت الأصولية هي العقيدة السائدة في أواخر القرن التاسع عشر، التي وطّدت سلطة رجال الدين الكبار، والمراجع (مراجع التقليد)، لتمثيل الإمام بأفضل ما يمكنهم، مع تلميحات من خلال تواصل باطني معه. ولكن طُعِن بهذه الادعاءات من قبل جماعة الإخباريين المنافسة، التي بحثت عن الحكمة في التقاليد وسلوك الأئمة، مع تلميحات أقوى من التواصل الباطني.

ثم جاء تحدٍ أكثر ثورية من حركة تبشيرية (1844-1852) متمثلة بـ "البابيّة"، التي ادّعى زعيمها أنه الباب، البوابة، إلى الإمام، متوقعاً وحيه الكامل. وقد وجد دعماً كبيراً في أوساط مختلفة، بما في ذلك بعض رجال دين واتباعهم. قُمِعت الحركة في نهاية المطاف وأُعدِم الباب. لكنه ترك إرثاً من مجتمعات سريةٍ، ومن ثم أسفر عن دين جديد، هو البهائية. وللمفارقة، فإن الأطر الفكرية لهذه المجتمعات السرية جمعت بين باطنيتها مع انجذابٍ لفلسفات عقلانية حديثة. ربما كانت الألفة بسبب ذلك الجهد الفلسفي، والرفض لما كان ينظر إليه على أنه الظلامي والعقائد الرجعية للعلماء. وقد غذّت هذه الميول في نهاية الأمر الحركة الدستورية والثورة الدستورية في 1906.

شُخّصت عادةً القوى التي شكّلت الحركة الدستورية بثالوث: علماني حداثي أو مثقف هرطقي، رجال الدين، وتجار البازار. وقد عارض جميعهم، بطرق مختلفة، الهيمنة المتزايدة وتدخل القوى الأوروبية (بريطانيا وروسيا) في البلد. كان لدى المثقفين أهداف حداثية وقومية: تقدم، إصلاح قانوني، إدارة عقلانية، ونزعة قومية. تجار البازار مهدّدين من قبل تضخّم وامتياز التجارة والمالية الأجنبية، منتفعين من القوى التحكُّمية لنظام ملكي مفلس.. أما رجال الدين فقد كانوا في المقام الأول قلقين من الهيمنة الأوروبية والأفكار التي جاءت معها، مهدّدة ضوابطهم على القانون، والتعليم والحياة العامة.

 


ليس من الواضح إذا ما كان معظمهم قد فهم الفكرة من الدستور، سوى أنه يمكن أن يحدّ من السلطة الملكية عبر هيئة منتخبة، توقعوا أنهم سيهيمنون عليها. على أية حال، وبشكل حاسم، أقرَّ بعض العلماء البارزين الدستور بحجج مرتكزة على الاجتهاد الشيعي: في غياب الإمام، استمرت الحجة، وشكّل إجماع المؤمنين الموجهين من قبل رجال الدين مصدر  سلطة، وبالتالي الدستور والهيئات المنتخبة. كانت قوة السلطة الملكية في هذه الحجة تابعةً ومشروطة. وقد كانت هذه التيارات الفكرية والنزاعات مُشتَركةً عبر الحدود بين العلماء في مدن العراق المقدسة من النجف، وكربلاء والكاظمية (ضاحية في بغداد). كما اشترك أيضاً بعض المفكرين الشيعة في العراق، بما في ذلك رجال الدين، في النقاشات والأفكار الإصلاحية في العالم العربي. لكن الدستور الإيراني والمؤسسات التي دشنها كانت هشّة وتابعة للعواصف العسكرية والسياسية التي غمرت البلاد في القرن العشرين. أي كان في الغالب حبراً على ورق، ملازماً للقوى الاستبدادية.

مع ذلك فقد بقيت الفكرة الدستورية، أو الذاكرة الدستورية، قوة أيديولوجية فعّالة تُبعث عند كل تقاطعٍ عاصف من ذلك التاريخ. حتى الجمهورية الإسلامية، في ظل الخميني ومن خَلَفَه، وضعت دستوراً، لم يكن الشريعة بحد ذاته، ولكنه كرّس الشريعة بوصفها المصدر للتشريع. وفي حقيقة الأمر، يشمل دستور الجمهورية الإسلامية مزيجاً غير مستقر من السلطة الدينية والسيادة الشعبية: الأوليّة للقائد (الفقيه الحاكم، الخميني ومن ثم خامنئي)، ولكن جنباً إلى جنب مؤسسات البرلمان المنتخبة والرئيس.

نرى، إذاً، أن الإسلام لا يعوزه الإصلاح، بل مرّ بالعديد من الإصلاحات، سواء السني أو الشيعي، لكن بآثار مختلفة. فالإصلاحات الوهابية/السلفية هي أصولية وسلطوية، تفرض الامتثال للحاكم المسلم، مكلفة بتطبيق ضوابط أخلاقية وشعائرية. وكان لديهم، في هذه النقاط، بعض التقاربات مع الإصلاح البروتستانتي وبعض الأنظمة التي أقامها، بما فيها الإمارات اللوثرية في ألمانيا وسويسرا والبيوريتانيون (المتشدّدون) في انكلترا وسويسرا. على أية حال، كانت هذه الاتجاهات محجوبة في مسارٍ تاريخي مختلف في أوروبا.

كانت الإصلاحات الحداثية في القرنين التاسع عشر والعشرين منسجمةً مع الدولة القومية ومؤسساتها. فقد طوروا أسباباً تاريخية وثيولوجية لتوافق الإسلام الأصلي مع العلم، والعقلانية والحكم الدستوري. وماتزال هذه الصيغ الايديولوجية هي ملامح الخطاب العام، مطوّرةً من قبل قوى وأحزاب متنوعة، سواء التأييد العلماني لفصل الدين والسياسة، أو الأحزاب الإسلامية التي تناقش توافق الإسلام والديمقراطية، كالتجسيدات الأخيرة للإخوان المسلمين وحزب العدالة والتنمية التركي (AKP) (على الأقل نظرياً!)...

متن العقائد المسلمة


مواجهين بالتحديات السياسية للجهادية من جهة و"الإسلاموفوبيا" من جهة أخرى، صدرت عن السياسيين والمعلقين تصريحات تتعلق بالإسلام: وتيرة الجهادية العنيفة، نسمع تأكيدات أن الإسلام هو "دين السلام". أو على العكس، نسمع تصريحات يمينيين أن الإسلام توسعي وعدواني بطبيعته. كما نسمع توصيفات متنوعة لماهية الدين من قبل مناصريه.

لكن كطلاب، ومؤرخين ومحللين للدين وسياقاته السياسية والاجتماعية فلا يمكننا أن نؤيد أياً من هذه الماهيويّات (essentialisms).

يشمل الإسلام مكونات عديدة، طبقات أيديولوجية وتاريخية. ويمكن للمؤمن الحديث والملتزم بالدين أن يفيد من عناصر مختلفة من المتن الإسلامي: الكتب (النصوص المقدّسة)، القرآن، والأحاديث النبوية. السنة والحديث، إذ يحوي كلاهما رسائل متباينة ومختلفة، كما الإنجيل؛ ومعظم مسارات ومدارس الفقه. وعلى قدم المساواة المسارات المختلفة للتصوف؛ الأساطير والأمثلة التاريخية (أساسية بشكل كبير لتكوينات الجهادية)؛ ومتن الإصلاحيين الحديثين المُشيّد لتوافقٍ ديني مع نماذج الحكومة والمجتمع الحديث.

حظي الإسلام الليبرالي الإصلاحي بتأييد شعبي واسع في أوائل القرن العشرين، وحتى السبعينات منه، مع الايديولوجيات والمشاريع التقدمية والقومية السائدة والمتصلة غالباً مع الأفكار اليسارية. لكن انهيار مصداقية هذه المشاريع والأيديولوجيات اليسارية أسفر عن ظهور سياسات الهوية في العديد من أجزاء العالم، التي تكون فيها الانتماءات الدينية والإثنية مركزية.



كما تقتضي سياسات الهوية التشديد على الاختلاف عن الآخر الغربي. وعادةً ما يرتكز التمسك بالدين بين المسلمين في بلدانهم التي يشكلون غالبيتها وفي الشتات الغربي على انتماءات وأحاسيس لا تساند الإصلاحية الليبرالية. وتدفع الظروف المتأزمة للأمن والمعيشة الناس، في كثير من بلدان العالم المسلم، إلى التماس الحماية في شبكات جماعية من الأقارب، القبيلة والزبائنية، التي تلعب فيها السلطة الدينية دوراً مهماً. السلطوية الجماعية والأبوية مدعومةً بضوابط وقواعد دينية. تعزّز هذه التشكيلات المشاعية، العديد من الجوامع، والمدارس الإسلامية والجمعيات الخيرية، المموّلة من  مِلاك وهبات سعودية. وفي حين أن العديد من السلفيين ليسوا متشددين عنيفين، فإن هذه الأفكار والمؤسسات تنجز تحولاً إلى الجهادية: كانت طالبان في بادئ الأمر نتاج المدارس الإسلامية ذات التمويل السعودي في باكستان.

يضم المسلمون في الغرب العديد من التجمعات الاجتماعية، الإثنية والفئوية، مع دين يلعب أدواراً متفاوتةً في حياتهم. تُغري مفردات الإصلاحية الليبرالية العديد من متعلمي الطبقة الوسطى والمسلمين المهنيين، إلى جانب العلمانية الصلبة.

بينما يشمل الدين الأصولي والمحافظ جماهير مختلفةً.  العناصر الأبوية والاجتماعية  حريصة على الحفاظ على ضوابط أخلاقية واجتماعية، وهي قلقة بخصوص التلويث الناجم عن الحريات الفردية الغربية لنسائهم وأطفالهم، وتلتمس العلاجات في تأكيد الضوابط الدينية. أما سياسات الهوية، والتي يمكن أن تسمى "القومية الأمة"، أي فكرة مجتمع إسلامي عالمي في مواجهة العدوانية أو التحدي الغربي/المسيحي واليهودي، فتغذي أيضاً توجهاً أصولياً أكبر.عززت هذه الأحاسيس وتعزز زيادة العنصرية والحركات والأفكار المعادية للمسلمين في الغرب. وجاذبية الجهادية لبعض الشباب المسلم هي جزء من هذه النزعة.

إذاً، كان الإسلام عُرضةً للعديد من "الإصلاحات"، بما في ذلك الإصلاحات العقلانية والليبرالية.  فقط، في ظل الشروط المبينة أعلاه، تملك هذه الأفكار جاذبية قليلة للعديد من الجماهير المسلمة في الوقت الحاضر. أما أولئك الميالون إلى الأفكار الليبرالية، فعلى الأكثر هم مسلمون اسميون أو علمانيون.

المصدر الأصلي للمادة: Open Democracy

سامي زبيدة


عالم اجتماع عراقي، يعمل أستاذاً لعلم الاجتماع السياسي في كلية بيركبك، جامعة لندن. صدر له عدد من الكتب منها: "السلطة والشريعة في العالم الاسلامي"، "مذاق الزعتر: تاريخ الطعام في الشرق الأوسط"، "ما وراء الإسلام: نحو فهم جديد للشرق الأوسط".

 ترجمة: يسرى مرعي
مترجمة من سوريا، تترجم عن اللغتين الإنجليزية والروسية. تركز في ترجماتها على الدراسات التي ترصد علاقة الحداثة بالعمارة في الشرق الأوسط. إضافة إلى الاهتمام بالدراسات حول الإسلام اليومي والاستشراق.

عن معهد العالم للدراسات

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا