الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

سركون وجان دمو... الصور بكاميرا خالد المعالي في عمان

لا وصول. كل مدينة هي مدينة "أين". ترحال في الجغرافيا، ترحال في الذات، ترحال في الحياة، ترحال في الشعر... فما يهمّ هو الرحلة وليس الوصول.

"حفيفُ ثوبٍ عابر"، "قطار من النبضات"، "سافرْ حتى يتصاعد الدخان من البوصلة"... كلمات لسركون بولص، أستعيرها كي أصف الشاعر، كي أصف سركون بولص.

شاعر اللامكان سركون بولص، الذي عبر أمكنة كثيرة (العراق، لبنان، الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا...)، لم يكن يعبر في الجغرافيا. كان يعبر في ذاته، عمودياً في الأعماق، وفي الغور هناك يحاول هدم الحدود بين الحلم والواقع.
كانت اللغة هي وطنه الافتراضي الوحيد، فحفر فيها عميقاً علّه يجد نفسه في وطن... لكن، هل للشعراء وطن، حتى في اللغة؟
يُجمع الشعراء والنقاد العرب على أن سركون، وقلّة من مجايليه، نقلوا الشعر العربي من مرحلة التأسيس للحداثة، والتنظير للحداثة، إلى الحداثة كتابةً ومفهوماً، وأنهم جعلوا القصيدة توأماً للحياة بنقلها من الرمز والتجريد إلى المحسوس والواقع... وكان سركون أحد أبرز هؤلاء الذين عاشوا حياتهم شعراً لا كتابةً فقط.

يُجمع الشعراء والنقاد العرب على أن سركون بولص صوت شديد الخصوصية في الشعر العربي ومن أبرز شعراء القصيدة الجديدة. أصغر تفاصيل الحياة اليومية تتحول في قصيدته إلى شعر متوهج. يختار جملته بإتقان، مزوّجاً الشعر بالفكر بالتراث بالتفاصيل اليومية. لغته نثرية بامتياز لكنها تحمل طاقة شعرية كبيرة. لغة مسكونة بالقلق الوجودي، بالتجربة الروحية، متراصّة كبناء لكنها في الوقت نفسه مشرّعة على الإيحاء والرؤى.

الإنسان ترحال دائم، ترحال في ذاته على الأخص، وكذا الشعر. وفي هذا الترحال كان سركون يبحث في ذاته عن مكان، عن خلاص، وعن عشبة الأبدية ربما، مثل سلفه غلغامش.

إلا أن الأمكنة كلها، في الذات وخارج الذات، هي منافي. ويستمرّ الشاعر يرحل فيها، من منفى إلى منفى، أعزل ومعزولاً.

عقد سركون بولص صداقة مع آلام شارل بودلير. بودلير، الذي أبحر في باخرة نحو آسيا حاملاً آلامه وكادت الباخرة تغرق به وبمن فيها، وصلت آلامه إلى سركون باكراً (من أوائل قصائد سركون قصيدة بعنوان "آلام بودلير وصلت"). إلا أن باخرة سركون لم تكن في البحر بل في أحشائه: "هناك باخرة ضائعة ترعى بين أحشائي".

أعتقد أن شعر سركون كله مسكون بهذه الباخرة الضائعة بين الأحشاء. وأعتقد أن هذه الباخرة تبحر بين أحشاء كل شاعر، ولا ميناء لها.

العلن يكمن في السر. وما يكتبه الشاعر، وما كتبه سركون، من تفاصيل حياة يومية، إنما كي يقول السر وليس العلن. وبحثاً عن هذا السر تبقى باخرة الأحشاء في سفر دائم. فكل ميناء هو ميناء " أين "، وكل بحر هو بحر "أين" أيضاً.

لكن، مهما أبحر الشاعر في باخرة أحشائه، مهما ابتعد، يقول سركون: "سيصل إلى قلبه في النهاية / حيث يتدلّى الجرح من النوافذ / حيث الجرح يحترم الرصاصة ".
وديع سعادة

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top