أرق... بقلم لبنى الراوي

10:07:00 ص


  ما ان انطلقت الرحلة حتى شعرتُ بالمقعد المهترئ ينبو بي في المركب، فعدّلتُ وضعية جسدي إلى الأعلى بما يتيح لي التحديق في صفحة السماء ملءَ عينيّ الواسعتيْن. وبعد أن عبرنا في البحر شوطاً، شرعتُ أبتدع أسئلة مربكة من صميم فلسفتي الطفوليّة، وأنا ألوك ضفائري المعقودة بشرائط حريرية حول إصبعي :" أبي، لماذا لا تقع السماء على رؤوسنا؟! وغيره الكثير من التساؤلات الفضولية ،لكنّ والدي لم ينبس ببنت شفه، وظلّتْ سحنته مكفهرة يخترقها حاجبان معقودان تكاد ترى وميضاً منهما وتسمع رعوداً لهما، مكتفياً بين الحين والآخر بابتسامات لا تقول شيئاً، في ألمعيّتها  كما في أثاث المنازل الفاخرة، ما يُشعر المرء بعدم الارتياح. ثمّ رحتُ أشارك الغيوم شقاوتها، وأغني في غمرة استياءات والدي أنشودة لا أحظى بغيرها في حصّالة رأسي، وقد عصرتها خلال سفرنا حتى آخر قطرة، تمتمةً  حيناً، جهورةً حيناً أخرى، ملحّنةً  دون كلماتها تارةً ، ومبعثرةً  لحناً وكلماتٍ تارةً أخرى... وكلّما توغّلنا في البحر أكثر، كان الافق يبتعد عنّا أكثر، ويشتدّ السواد في الأعماق. وهناك ... رماني أبي ... في عرض البحر... ورحل .




  وما ان وصلتُ في الحلم آخرَه حتى أطلقتُ صرخةً نفضَتْنا  أنا ونور زوجي من النوم مضطربيْن .حاولتُ استنهاض نفسي فلم أفلح .كنت كغريق ما فتئ  يعافرُ في كابوسه، وكل ما في جسمي مشمئزّ من طعم الملح  في فمي. وبرويّته المعهودة، مرّر نور يده اليمنى على عنقي، متحسّساً بالإصبعين: السبابة والوسطى نبضاتِ القلب خلف أذني . فإذا هو نبضٌ دخيلٌ يتغلغل ويشقّ طريقاً له بين نبضاتي، رافعاً صوته،منبّهاً إيّانا :"هأنذا". ابتسم نور ابتسامة خافتة لا مرئية. علم بفراسته انها بوادر حملي الأول . قدّم لي بعض الماء، دون أيّ تلميح أو تصريح بظنّه، وتلا "المعوّذتيْن" محاولاً تهدئتي  وانقاذي من غرقي الكابوسيّ، وهو يمسح بيده العرق عن جبيني وكأنّها الإسفنجة المغموسة في ماء الرحمة، تلك الاسفنجة التي يمررها الله على جبين المخطئين. كانت يده دافئة، ونظراته، والفراش أيضاً، غير أنّ  في جوف أنفي عتمة  وبرداً، شعرت بهما يتمدّدان إلى أطرافي، فلم أدفأ ولم استكنْ لحظة..


  تقدّم الليل ببطء، وما كنت أظنّ أنّ الفجر سيلقاني غافية لولا علاج "نور" الناجع، بحيث غمر حوض الاستحمام بالماء الساخن، وراح يسكب بأناةِ بحّارٍ ينتظر هدوء النّوى "طاسات" من الماء الساخن الممجوج  برغوة الصابون المعطّر على جسدي، وهو يجلس القرفصاء على الأرض– خارج الحوض- محدّثاً إياي، عن اعتقاد قديم في بلاد فارس يتيح للمرأة التي ستغدو أمّاً مشاطرة أي انسان غريب يروقها شكلُه طعامَه ، وبذلك يغدو الولد في مثل ملامحه المليحة وقامته الممشوقة، دون أن يجد ضيراً في مقاطعة حديثه ليمازحني قائلاً: "لا تشاطري احداً طعامه سواي.أريد طفلي جميلاً مثلك وظريفاً مثلي". (نضحك).. ولا أنكر أنّ ثمّة ارتياحاً خالجني مصحوباً بسعادة مؤنسة حين فرد أنامله على رقبتي لتليين عضلاتها المتصلبة ، ودلّكها حتى الكتفيْن لتخفيف حدة توتري، فكان  الأمر أشبه بنسائم ربيعيّة تروّح على جباه يُلهبها القيظ. أمّا رجلاي فوجدتا في الماء فسحة للّعب وفكّ رباط تشنّجها، ثم تبعتهما يداي اللتان لم تتركا فرصةً لفقاعة تنجو من فقئها، وفي غمرة عبثي خاطبني "نور" بصوت هادئ محاولاً إظهار أحرفه بنعومة، ونبرة متحكّمة بفكرته: " انتِ امرأة وصلت إلى آخر مراحل الإستواء ولم تنضج بعد. فتاة شهيّة في كل مراحلها" (أبتسم خجلاً)، إلى أن استسلم أرقنا لنعاسنا وعواطفنا، ملقياً بأسلحته أرضاً منصاعاً لا متمرّداً، حينها قبّلني "نور" على جبيني وقرّبني إلى صدره على عجلٍ، حتى إذا ما قدِم الفجر وجدَنا في الفراش غافييْن كطفليْن معاً . 




   لقد كاد الكابوس  ينمحي من ذاكرتي  لولا أنّ القدر أبَى ذلك. لطالما لقّبتُ هذا الاخير ب "بابا نويل"، إذ يحمل لنا في ساعة غفلةٍ مفاجأةً من كيس هداياه الذي يضجّ بها. وكم كان كريماً معي!

ففي ليلة أخرى، لا يفصلها  سوى ساعات معدودات عن تلك الليلة، ليلة الكابوس، عاد نور باكراً من مكتبه الرابض في وسط المدينة. وحين دلف البيت، لم يجدني ماثلةً أمامه في الرواق كما العادة، فَهَمَّ يبحث عني، قبل أن يخلع معطفه  وحذاءه، متنقّلاً بين الغرف بخطى إنسان آليّ يطلب الإذن من إحدى الساقيْن كي يحرّك الساق الأخرى. فلم يلمح لي طيفاً في الأرجاء، ولم يسمع سوى حشرجة أنفاسه. 




كان الطقس عاصفاً آنذاك لا يبخل بخيره على الأرض، وثمّة عاصفة ثلجية تتهيّأ لتكلّل ذرى الجبال البادية من النافذة، حيث وقف نور مراقباً انتحار الأمطار لا هطولها، وهو يدخّن سيجارته، دون الاكتراث لرمادها الذي يتكسّر شيئاً فشيئاً ويتناثر على البلاط، وكلما طال الوقت، كان يعتصر نفسه ليطلق تنهيدة عميقة ممجوجة بدخان أنفاسه على الزجاج النديّ... وبعد قليل، فتحتُ الباب مسرعةً لاتّقاء الزمهرير في الخارج، فإذا بها صفعة غير محسوبة على وجهي أسقطتني أرضاً. 




بحسْبِه ضربة جزاء واحدة لا تكفي لإزعاجي بما يكفي، لذا استتبعها بضربة ثانية عنيفة على خدي الأيسر، فثالثة عشوائية بين أذني وعنقي، فرابعة صوّبها بدقة على ساقي، ثم أخيرة اختلطت بنزيف من أنفي. في البداية، كان وقع الصدمة أقوى من وقع الألم، فلم أصرخ ولم انتحب، وإنما سقطْتُ  تائهةً بين جداريّ الحلم والواقع، إلاً أنّ  اللكمة التالية كانت دليلي إلى اليقين ودفعي للصراخ:
" لمَ تضربني ؟  ماذا فعلت؟!!" 
أين كنتِ؟ يردّ غاضباً.
في زيارة لوالدتي. 
-دون اذني !! يكرّر: دون اذني !!
الأمر لا يستحق!!  فكانت اللكمة الثالثة . 



 بكيتُ بحرقة. ذاك البكاء الأشدّ مرارةً من بكاء الجوع الطفوليّ والشوق الخفيّ، وفاضت عيناي بدموعٍ أخذت لون اصابع "نور" على جبهتي، إلاّ انّ دموعي لم تكن اسطورية كنهر ابراهيم الذي اصطبغ بدماء أدونيس، بل كانتْ ألماً ساخناً ذائباً على جسدي... اقترب مني فيما يأخذ صوته نبرة فظّة، مشيراً إليّ بالخَرَس وهو يضغط بكفّه على فمي لطالما كان يتقن على نحو مدهش اختصار كلماته بإشارات معبّرة، فقاومتُ يده الثقيلة، وهربتُ إلى غرفتي التي أمسَتْ بعيدة .. بعيدة جداً..

 وهناك قضيْتُ الليلة قابعةً أرضاً، خلف الباب، كطفلة أضاعتْ أمّها، أتَنَهْنه بصوت خافت ونزيف الدم يحدّد خطى صفعاته الملتهبة ... إلى أن غفوت . 
-"أبي... ضربني!"
-مَن؟
-"نور" ... (يصمت).



في الصباح، استشعرتُ بحاجةٍ للإتصال بوالدي،فلا بدٌّ ممّا ليس منه بدٌّ. والدي الملقّب بـ"الشيوعي العتيق"، والذي يستحوذ من الكلمة الاولى على مستمعيه، ويرتجل كلامه بصيغ واضحة مرنة، سقطت الكلمات منه هذه المرّة، كما سقطتْ الشيوعية التي اتّخذها حبيبةً يُكمل حلمَه بحلمها، وعاهدها بالوفاء حتى آخر رمق، ثمّ ردّ مستهجناً: 
- "أما آن الوقت لتكفّي عن تصرفاتك الطائشة ؟!
- "لم افعل !". أردّ. 



ولم يترك لي هواءً أوضّح  به الأمر، بل قاطعني  ليحدّثني عن "القوامة"، وحوّاء التي خُلقت من ضلع آدم، مستدللاً بآية قرآنية حيناً، وقول شعبي حيناً آخر، وحادثة أحياناً... كان الحديث معه كممرات جبليّة غير مفضية، فما يلبث أن يرشدني إلى طريق، حتى يعدل بي إلى طريق أخرى، ثمّ لا يلبث أن يردّني إلى الطريق الأولى، فيعدل بي إلى طريق ثالثة... قال الكثير ولم أتفوّه سوى بتنهّداتي المضاهية  لزفرات الغرق في كابوس الأمس. أنهيتُ الإتّصال معه، ومذّاك الحين داخلني شعورٌ أني كبرت.

   مضت أيام لازم خلالها "نور"غرفة الضيوف. لم يحتقب غضبه إليها، لم يتحرّش بي،ولم يحرّك ساكناً. في النهار كان يغوص في ضجيج المدينة، وفي الليل يكتفي بالصمت وحده. فما كان أمامي إلاّ خياريْن احلاهما مرّ. إمّا الاستلقاء على حصى الخصام بيننا، وإمّا الإعتذار له لعلّي أُخمد احتكاكاً كهربائيّاً غير مرئي بدأ يسري في أخشاب علاقتنا. إلا أنني وقعت على الخيار الثاني، فكان لا بدّ من التماس الأعذار لغيرته، لا سيّما أننا عروسان جديدان، ومازال التسامح بيننا قائماً .

  وقفت في بابه، وكرامتي تصيح بي ألاّ أفعل، فأنا امرأة معتدّة بنفسها رغم كلّ التنازلات. توجّهتُ صوبه، وكم كانت الدرب إليه موجعة تشترط عليّ: "إن شئتِ المرور إليه، فلتعبري عبر هذه السكين".جلستُ قربه برويّة، ثمّ أطلقتُ اعتذاري على مضض. لم يبدأني بابتسامة ولم ينتظرني أن أردّها إليه، وإنّما رمقني بهدوء رجل انكليزيّ، وفتح فاهه ليُفصح لي بأنّ خلاصة نفسه مملوءة بي، منصرفة إليّ تملؤها صورتي وتمتزج بها دائماً، وأنّني لا أعرف من أمره سوى القليل، وأنّه لا يفوته من أمري سوى أقلّه. كانت عباراته غامضة عصيّة على فهمي، كما كان مضطرباً كثير الإستطراد، لا يذكر شيئاً إلاّ أثار لي أشياء، دون الاكتراث لِكَمّ الحزن في نفسي، وكأنّ مبرّراته  تتوالد إلى غير أمد، حتى جعلني أشعرُ بوَهَني، وكأنني في قميص "نيسوس" الملوّث بالدماء السامة، وسأسقط كما "هيراقليس" صريعة الحب والغيرة... وحين قرر تعليق الجلسة، قبض على يدي اليمنى وضغط عليها ليسألني: " أفهمتِ؟"، فكان ردّي بهزّة من رأسي إلى الاسفل لا تُشير إلى الإيجاب، بقدر ما تنمّ عن عدم رضى، ثمّ قرّبني إلى صدره، حيث كنتُ أشتهي أن أغفو دائماً، ورفع غطاءً فوقنا كان يتدثّر به بحجّة اخباري قصةً قبل النوم، وبعدها شرع  يروي لي حكاية "الحمامة" (قبّلني على جبيني).."والثعلب" (قبّلني على شفتيّ)..."ومالك الحزين" ... 


(*) فصل من رواية تصدر قريبا

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا