في مقابلةٍ مع وليد جنبلاط، طلب هذا الأخير من الولايات المتحدة المزيد من التدخّل في الشرق الأوسط ورأى أن بشار الأسد باقٍ في السلطة.

6:25:00 ص
مايكل يونغ(مركز كارنيغي)

 15 أيلول/سبتمبر 2016

 وليد جنبلاط ليس في أفضل حالاته لجملةٍ من الأسباب: فالنظام السياسي اللبناني يعاني جموداً، ولايزال بشار الأسد متربّعاً على الحكم، وتشهد المنطقة تحوّلات كُبرى. وبانتظار وصول إدارة أميركية جديدة العام المقبل، أجرى وليد جنبلاط حواراً مع "ديوان" ليشاطرنا أفكاره حول لبنان والمنطقة والصراع السوري. والمُلفت أنه مُعتكفٌ في قصره في المُختارة بسبب تعرّضه إلى تهديدات، يُزعم أنها موجَّهة من تنظيم الدولة الإسلامية، لكن غالب الظن أنها صادرة عن جهة أقرب. لمّا حان وقت المغادرة، ودّع جنبلاط ضيوفه متهكّماً: "تعالوا لزيارتي في قفصي الذهبي".
مايكل يونغ: بعد بضعة أشهر، يصبح للولايات المتحدة رئيس جديد. ماتقييمكم للإرث الذي ستتركه إدارة أوباما في الشرق الأوسط، وماالذي ترغبون في رؤيته يتحقق في المنطقة في ظل إدارة أميركية جديدة؟
وليد جنبلاط: إذا دقّقنا بتأنٍّ في مايُسمّى "عقيدة أوباما"، يتضح لنا منذ البداية أن أوباما غير مستعدّ للتدخل عسكرياً في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، توجّه إلى شعوب المنطقة في خطابه الشهير في القاهرة قائلاً إنكم تحتاجون إلى نوع من الثورة الثقافية. أنا أدعم هذه الفكرة، لأننا نطلب دائماً من الأميركيين التدخل، لكن عندما يفعلون، نشتمهم ونحمل عليهم. إننا في حاجة إلى ثورة ثقافية، مشابهة لما عرفته أوروبا في العصور الوسطى. وعندما ذهب أوباما إلى تل أبيب وخاطب الشباب الإسرائيلي، قال لهم إنه سيكون عليهم ذات يوم القبول بتسوية مع جيرانهم، فهذا أمرٌ لابدّ منه، ولايمكن الاستمرار في حالة حرب دائمة. كانت هاتان النقطتان، من وجهة نظر فكرية، لافتتَين جدّاً، وسجاليّتَين للغاية في الوقت نفسه.
لكن على المستوى العملي، كان في وسع أوباما أن يُغيّر، منذ البداية، ميزان القوى في سورية، عندما قال إن على الأسد "أن يتنحّى". في ذلك الوقت [2011]، كانت الفرصة سانحة أمامه لتقديم المساعدة اللازمة إلى الجيش السوري الحر، لكنه لم يفعل. وما أقصده بتعبير "المساعدة اللازمة" هو أنه فشل في تزويد الجيش السوري الحر، أو رفض تزويده، بالأسلحة التي يحتاج إليها. وأعني بذلك صواريخ "ستينغر" الشهيرة [المضادة للطائرات] التي أرسلها الأميركيون في مرحلة معيّنة إلى المجاهدين في أفغانستان، ما أتاح لهم إلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفياتي. إنه سلاح فتّاك، ولأسباب عدّة مُبهَمة، رفض أوباما إرسال "ستنيغر" إلى الجيش السوري الحر.
مايكل يونغ: قد يُجيب الأميركيون بأنه لو وصل مثل هذا السلاح إلى أيدي تنظيم "داعش"، لاستخدمه لنشر الدمار.
وليد جنبلاط: أتحدّث عن مرحلة 2011-2012، في أوج معركة حمص. في ذلك الوقت، لم يكن هناك وجود لتنظيم "داعش"، ولا لجبهة النصرة، ولا لأيٍ من هذه التنظيمات. كان هناك الجيش السوري الحر وثوّار آخرون. لم يكن هناك متطرّفون آنذاك.
مايكل يونغ: ماذا تودّون من الإدارة الأميركية الجديدة فعله؟ مزيد من التدخل؛ مزيد من الاهتمام بالمنطقة؟
وليد جنبلاط: أجل، بالطبع. مزيد من الاهتمام بالمنطقة، ومزيد من التدخّل. علينا العودة إلى المسألة الأساسية في المنطقة التي لايمكننا تجنّب الكلام عنها، والتي نُسيت تماماً بسبب الأحداث في العراق وسورية وليبيا، وهي فلسطين والصراع العربي-الإسرائيلي. لكنني أتساءل ما إذا كانت الإدارة الجديدة ستولي حقّاً اهتماماً إلى هذه المسألة.
مايكل يونغ: هل نحن أمام نهاية الحقبة الأميركية في الشرق الأوسط؟
وليد جنبلاط: هذه ليست النهاية، بل ثمة نوع من تقاسم السلطة بين الولايات المتحدة وبين القوّتَين الصاعدتين الجديدتين: إيران وروسيا. بالطبع، لطالما كان للروس حضورهم، غير أن سياسة فلاديمير بوتين وتوجّهاته العدوانية من أوكرانيا إلى القرم فسورية، قد ترسي نظاماً جديداً، وحدوداً جديدة، بالتشارُك مع الأميركيين وبتقاسم النفوذ معهم.
مايكل يونغ: توجّهون انتقادات شديدة إلى الروس في سورية، لكنكم تكلمتم للتو عن الجهود الروسية الناجحة للدخول من جديد إلى المنطقة، وإرغام الأميركيين على القبول بتقاسم للنفوذ، كما قلتم.
وليد جنبلاط: هذا تمّ على حساب الشعب السوري، والمدن السورية، ودمار سورية، لأنهم دعموا بشار بالكامل وبصورة مباشرة وغير مباشرة منذ البداية بالأسلحة والذخائر، فضلاً عن الدعم السياسي. وعندما كان بشار على وشك التعثُّر بسبب الخسائر التي تكبّدها جيشه، تدخّلوا إلى جانب الإيرانيين. وكان دعمهم حاسماً.
مايكل يونغ: على حساب الشعب السوري، نعم، لكن ألم ينجح بوتين في استراتيجيته اللاأخلاقية؟
وليد جنبلاط: نجح، نعم، لأنه اكتشف أن الإرادة الأميركية والحضور الأميركي كانا ضعيفين، أو أن الأميركيين لايكترثون. بالنظر إلى الوراء، عندما هدّد أوباما بالتدخل في العام 2013 في حال استخدم النظام السوري الأسلحة الكيميائية، لاأظن أنه كان مستعداً فعلاً للتدخّل. لكن في الوقت نفسه، الروس هم من قدّموا له التبرير الأفضل لعدم التدخّل عندما اقترحوا اتفاقاً للتخلّص من ترسانة الأسد الكيميائية تحت إشراف الأمم المتحدة. وهكذا وجد أوباما ذريعة لعدم التدخل. بوتين أنقذ أوباما من التدخل. هذا هو أسلوبه اللاأخلاقي. لكن كما ترَوْن، دُمِّرت مدن بكاملها، وحصل الترحيل الجماعي أو التطهير العرقي بمساعدة الروس والإيرانيين، وبفعل اللامبالاة الأميركية، وأحدث مثال على ذلك داريا. 
مايكل يونغ: كان التدخل الروسي حاسماً بالفعل. هل يعني ذلك أن بشار الأسد سيتمكّن من البقاء سياسياً؟
وليد جنبلاط: أجل، لسوء الحظ، وبشكل وقح، وبطريقة لاأخلاقية. وذلك بفضل الروس، ولامبالاة الأميركيين، وبالتحديد أوباما، وبالطبع بفضل إيران. ونحن نستشفّ مؤخراً مؤشرات جديدة عن تحوّلٍ تركي مثير للقلق للغاية. إذ يتردّد أنه قد يُعقَد اجتماع بين بشار الأسد و[الرئيس التركي رجب طيب] أردوغان في موسكو. بالنسبة إلى الأتراك، الهمّ الأساسي هو التهديد الكردي، وهم الآن يتعاطون مع الأكراد، ويتناسون معاناة الشعب السوري. يا له من مصير رهيب يتلظى به الشعب السوري. إنه متروك لمصيره في لعبة النفوذ الكبرى هذه، وهو عرضة إلى التدمير والترحيل في هذه اللعبة اللاأخلاقية.
مايكل يونغ: ماذا يعني بقاء الأسد بالنسبة إلى سورية أولاً؟ هل يمكنه أن يحكم كما كان يفعل في السابق؟ وماذا ستكون تداعيات ذلك على الدول المجاورة؟
وليد جنبلاط: إنه يحكم بالدم والنار. ماذا يعني الأمر عملياً على الأرض عند رؤية المناطق المدمّرة في حمص؟ لقد شهدت تلك المناطق تطهيراً طائفياً للسنّة في الغالب. وفي دمشق، بدأ التطهير في داريا ومعضمية الشام. إذن، معظم عمليات الترحيل تستهدف الآن السنّة، حتى في حلب. وهذا التوجُّه سيتواصل. لانزال في بداية تغيير ديموغرافي كبير في سورية، على حساب السنّة الذين يُطرَدون إلى لبنان والأردن وتركيا وأوروبا. أما الباقون فقد يصبحون محاصَرين داخل سورية، إنما وفقاً لمخططات بشار التي يسعى من خلالها إلى الحد من نفوذ السنّة.
مايكل يونغ: هل تعتقدون أن وجود اللاجئين السوريين في البلدان العربية وتركيا سيتحوّل إلى وجود دائم؟
وليد جنبلاط: أظنّ أن مانراه في سورية أسوأ مما حلّ بالفلسطينيين في العام 1948. إنه مشابه له. لكن إذا ما أردنا المقارنة بين معاناة الفلسطينيين في العام 1948 وبين معاناة السوريين اليوم، كانت معاناة الفلسطينيين، نسبياً، أقل مما يعانيه السوريون اليوم.
مايكل يونغ: ومامعنى ذلك بالنسبة إلى لبنان، وبالنسبة إليكم على وجه الخصوص؟
وليد جنبلاط: بالنسبة إلي؟ ماذا تقصد؟
مايكل يونغ: بالنسبة إلى جميع مَن عارضوا نظام الأسد.
وليد جنبلاط: سأتمسّك بمعارضتي السياسية والأخلاقية [لممارسات النظام السوري]. لكن ماذا يعني ذلك؟ أشعر بضيق وكرب شديدين لأنه بعد خمسة أعوام، لايزال الأسد في السلطة، ولايزال النظام قائماً، لأنه أفاد من التحالفات الشيطانية والمتبدِّلة، ومؤخراً من مواقف الأمم المتحدة. الفضيحة التي ظهرت مؤخراً حول مساعدات الأمم المتحدة إلى سورية تتنافى مع ادّعاءات المنظمة بأنها تعمل من أجل حماية حقوق الإنسان. لقد قدّمت الأمم المتحدة ملايين الدولارات لمساعدة سورية، لكن الأموال أُرسِلت إلى عائلة الأسد، وفي شكل أساسي إلى عقيلة بشار الأسد. الأمم المتحدة أقرّت بهذا الأمر، مشيرةً إلى أنها كانت تحاول إنقاذ الناس، لكنها قدّمت في الواقع حقنة في عضل النظام والأسرة الحاكمة. إنها كارثة أخلاقية، ووصمة عار على جبين الأمم المتحدة.
مايكل يونغ: ستضع الحرب في سورية أوزارها في خاتمة المطاف. كيف ترون نهايتها؟
وليد جنبلاط: عندما تنتهي سأجيبك عن هذا السؤال. الآن لا أرى نهايةً لها.
مايكل يونغ: لكن منطق ديناميكيات النزاع يؤشّر إلى أننا نتّجه نحو خواتيم عسكرية.
وليد جنبلاط: خواتيم عسكرية لمصلحة النظام، وعلى حساب الشعب السوري، مايعني دمار سورية القديمة كما عرفناها في مامضى. لايستطيع أحد أن يتكهّن كيف ستبدو سورية الجديدة. لكنني أستطيع أن أرى المشهد داخل سورية الجديدة. سيبقى اسمها سورية، إنما مع تغييرات ديموغرافية كبيرة ونزوح للأشخاص. وهذه العملية لمّا تكتمل فصولها بعد.
مايكل يونغ: لنلقِ نظرة على المنطقة الأوسع، حيث يمكننا أن نرى أيضاً تبدّلات كبرى في الاصطفافات مع صعود إيران، والضعف النسبي لدول الخليج، واللامبالاة المتزايدة التي تظهرها الولايات المتحدة مقارنةً مع أدوارها السابقة. إلى أين تقود هذه الديناميكيات؟ وكيف ستتعامل معها الإدارة الأميركية الجديدة، مع العلم بأنها قد تنتهج مقاربة مختلفة في التعاطي مع إيران؟
وليد جنبلاط: إنها الحصيلة التي أسفرت عنها المفاوضات النووية بين الأميركيين والغرب وإيران. ثمة مقاربتان هنا. الأول منهج العمل الذي دعمه بعض العرب في ذلك الحين وكان يدعو إلى قيام الولايات المتحدة بضرب إيران. لم يكن هذا النهج ليقود إلى أي مكان عدا الكارثة والدمار، وكان ليؤدّي فقط إلى إرجاء المسألة النووية. غير أن المفاوضات السلمية أدّت أيضاً إلى إرجاء المسألة النووية، لأنه بعد بضع سنوات، ربما عشر سنوات أو اثنتَي عشرة سنة، سيمتلك الإيرانيون الإمكانيات التقنية لتصنيع القنبلة. كانت هذه ولاتزال رغبتهم منذ البداية، أي الانضمام إلى النادي النووي، عبر السير بركب اليابان وألمانيا، من خلال امتلاك المعرفة التكنولوجية التي تتيح لهم تصنيع سلاح نووي في فترة زمنية قصيرة. إذن، جرى إرجاء المسألة لأن أوباما على وشك الرحيل وستتشكّل إدارة جديدة. لكنني أعتقد أنهم يملكون المعرفة التكنولوجية، وهذا كافٍ. أما بالنسبة إلى العرب، فلم تكن لديهم قط خطة موحّدة. والآن هم عالقون في مستنقع الحرب اليمنية التي لا ولن تنتهي فصولها في القريب العاجل. وعندما أقول العرب، أقصد السعودية ودول الخليج. اللاعب الكبير هو الفرس، الإيرانيون.
مايكل يونغ: تنخرطون في السياسة الشرق أوسطية منذ وقت طويل، وفي العام المقبل سيكون قد مضى أربعة عقود على دخولكم مضمار السياسة. يبدو أن منظومة الدول العربية قد انهارت. هل تعتقدون أنه يمكن إعادة إحيائها أو إنعاشها بطريقة ما؟
وليد جنبلاط: ماذا كان النظام الإقليمي العربي؟ كان عبارة عن مجموعة من الطغاة، بعضهم طغاة على رأس نظام جمهوري، وبعضهم الآخر طغاة على رأس نظام ملَكي. بعضهم سقط، وبعضهم الآخر لايزال متربّعاً على الحكم. الثورة الشعبية الناجحة الوحيدة حتى تاريخه هي تلك التي اندلعت في تونس. في مصر، كان مؤسفاً جدّاً أن نرى الثورة تُسحَق مجدّداً على أيدي الجيش الصلف، غداة شبه الانقلاب الذي شهدته البلاد في الثالث من تموز/يوليو 2013 – أقول شبه انقلاب لأنه كان انقلاباً شعبياً وعسكرياً على السواء – بعد إطاحة حسني مبارك في كانون الثاني/يناير 2011. هذا مؤسف للغاية. لم يعد هناك وجود للشرق الأوسط القديم. انتهى الشرق الأوسط القديم الموروث من حقبة سايكس-بيكو. لا أرى تغييراً في حدود الدول في الوقت الراهن، بل ربما تغيير في خريطة البلدان الداخلية في العراق وسورية.
مايكل يونغ: إذن، يجدر بنا أن نشعر بالحنين إلى حقبة مابعد سايكس-بيكو؟
وليد جنبلاط: عندما تبلغ سنّاً معينة، تفضّل ألا تنتظر الكثير من المستقبل. أفضّل أن أمتلك بعض الرومانسية، إذا صح التعبير. أن أعود إلى حقبة رومانسية ما، أو إلى محطات من الماضي، إلى ماضٍ ما، سمِّها سايكس-بيكو. هذا أكثر مدعاة للاطمئنان. لاتشعر بالتعب الجسدي، بل الفكري.
مايكل يونغ: بالعودة إلى لبنان، مامستقبل شخص مثلكم في بلد يخضع، حتى مستقبل منظور، إلى سيطرة حزب الله؟
وليد جنبلاط: لامستقبل لدي، فهدفي الوحيد هو الحفاظ على البقاء. وآمل بأن أكون قد نقلت هذه الرسالة إلى نجلي. عندما تنتمي إلى طائفة صغيرة، يكون هدفك الوحيد هو حمايتها والحفاظ على البقاء. والبقاء هنا يعني إقامة علاقات جيّدة مع مختلف مكوّنات البلاد، وعلى رأسها حزب الله. هذا هو السبيل الأسلم ليتمكّن الدروز من البقاء والحفاظ على ماتبقّى لهم سياسياً وديموغرافياً.
مايكل يونغ: لكن الطائفة في تضاؤل مستمر.
وليد جنبلاط: أجل، هذا واقعٌ علينا القبول به. الطائفة في تضاؤل مستمر. علينا القبول بهذا الواقع الديموغرافي، في حين أن طوائف أخرى تزداد حجماً باطّراد. لكن مسيحيي لبنان ليسوا أفضل حالاً منّا.
مايكل يونغ: لكنهم أكثر تفاؤلاً.
وليد جنبلاط: [يضحك] هنيئاً لهم. الأحلام القديمة التي راودت والدي كمال جنبلاط بتغيير النظام، وإرساء نظام علماني غير طائفي، أحلام القومية العربية، وأحلام النضال المشترك الذي سعينا نحن والفلسطينيون من خلاله إلى تحرير فلسطين، كلها انهارت. 
مايكل يونغ: لكن ألايمكن القول، بمعنى ما، إنها انهارت قبل 40 عاماً عند انطلاق مسيرتكم السياسية؟
وليد جنبلاط: بلى، انهارت في أواخر ستينيات القرن العشرين.
مايكل يونغ: إذن، بدأتم مسيرتكم السياسية على وقع انهيار الأحلام؟
وليد جنبلاط: في تلك المرحلة، لم تكن الأحلام في صدد الانهيار. اعتقدنا أن بإمكاننا الصمود والنضال. حتى خلال الحرب الأهلية، في مرحلة معيّنة خلالها، اعتقدنا أن بإمكاننا تحقيق شيء ما. ثم جاءت الوصاية السورية التي فرضت علينا أن نستكين، وفرضت على الجميع التقيّد بالقواعد السورية. وكانت الانتكاسة الكبرى الأولى مع إرغام [ياسر] عرفات على مغادرة لبنان. كان يوماً رهيباً. كنت من الأشخاص الذين أجهشوا بالبكاء بسبب رحيل الفلسطينيين، لأنه كان الحلم، حلم النضال المشترك الذي يوحّدنا نحن والفلسطينيين. رحل عرفات. وانهار حلمٌ آخر. كان عرفات يعتقد أنه يستطيع تحقيق الاستقلال عن طريق [اتفاقات] أوسلو. لكنه فشل لأنه لم يتفاوض منذ البداية على المرحلة النهائية مما يُعرَف بإدارة أوسلو. فشل في التفاوض حول المستوطنات. لقد أرجأ التفاوض في هذه المسألة، ووقع في الفخ. لكنه كان عالقاً بين المطرقة العربية، ولاسيما المطرقة السورية إنما أيضاً مطارق أخرى، والسندان الإسرائيلي. اعتقد أن السندان قد يكون أكثر ليونة. لم يكن كذلك. كانت مأساة كبرى، لأنني أعتقد أن أيّاً من الأنظمة العربية – ربما كان عبد الناصر استثناء على المستوى العاطفي – لم يرغب في قيام كيان فلسطيني مستقل. لاأظن أن أيّاً من الأنظمة العربية أراد قيام فلسطين مستقلة. لا أعتقد ذلك.
مايكل يونغ: لكن حتى عبد الناصر بدا مستعدّاً للقبول بخطة روجرز التي كان يمكن أن تؤدّي إلى تسويات سلمية بين العرب والإسرائيليين.
وليد جنبلاط: وقد اعتبره النظامان الرافضان في سورية والعراق خائناً. وقبل خطة روجرز، قدّم [الرئيس التونسي حبيب] بورقيبة اقتراحاً في العام 1965 لحل المشكلة الفلسطينية. لم يجرؤ عبد الناصر على قول ذلك بنفسه. أما بورقيبة فقال آنذاك: لنقبل بتسويةٍ مع إسرائيل ونقدّم مطالب بأنفسنا. لقد جرى تخوينه بالطبع. وفي ذلك الوقت، كان من الأسهل بكثير طلب شيء من الإسرائيليين، أو الضغط عليهم سياسياً. كان هذا قبل العام 1967، ولم تكن هناك مستوطنات في الضفة الغربية.
مايكل يونغ: بالعودة قليلاً إلى لبنان، وبصورة مختصرة، كنتم في العام 2005 جزءاً من فريق 14 آذار الذي ساهم في إخراج السوريين من لبنان. ثم كنتم أول من خرج من التحالف في العام 2009. ماذا يبقى من هذا كلّه؟
وليد جنبلاط: كان هذا التحالف حلماً جميلاً، لكن لم يكن يملك أي برنامج سياسي عدا إخراج السوريين من لبنان. لقد شعر بشار، ربما لأول مرة في تاريخه - وقد تكون المرة الأخيرة – بالخوف، وأقدم على سحب قواته في نيسان/أبريل 2005. انقسمت البلاد لأننا أصبحنا أسرى الأحلام بأننا قادرون على إضعاف حلفاء بشار في لبنان، أي حزب الله. لكننا كنّا نأمل أيضاً بأن يُبادر مايُسمّى المجتمع الدولي – هذا المفهوم هو أيضاً وهمٌ كبير، كذبة كبيرة – إلى التحرّك لإضعاف النظام السوري. لكنه لم يحرّك ساكناً آنذاك، ولايحرّك ساكناً الآن. في آذار/مارس 2008، وقعت صدامات في بيروت والجبل [بين حزب الله وحلفائه من جهة والمجموعات الموالية لفريق 14 آذار من جهة ثانية]. قرّرتُ الخروج من فريق 14 آذار صوناً لطائفتي. ثمة أولويات، ولم أستطع الاعتماد على أيٍّ كان أو أي شيء عدا حكمة الناس في طائفتي. لقد أقنعتهم، وقد استغرق الأمر بضع سنوات لأتمكّن من إقناعهم، بأن المواجهة العسكرية ستكون بمثابة انتحار للطائفة الدرزية. والآن أُواصل هذا المسار.
مايكل يونغ: حتى حليفكم الأقوى، سعد الحريري، يواجه على مايبدو صعوبات كبيرة اليوم. 
وليد جنبلاط: لسوء الحظ. لا أعرف أسباب ذلك، لكن حليفي الأقوى يزداد ضعفاً باطّراد. وهذا محزنٌ. محزنٌ جدّاً.
مايكل يونغ: يعاني لبنان من الشغور الرئاسي منذ أكثر من عامَين، هل سيصبح للبلاد رئيس؟ وفي أي ظروف؟
وليد جنبلاط: لاأرى أن ذلك سيحدث في المستقبل المنظور. بالطبع، مَن يبتّ في الموضوع الرئاسي هما القوّتان الإقليميتان، إيران وسورية. لاينبغي التقليل من شأن النفوذ الذي يتمتع به بشار وقدرته على إفساد الأمور. هدفهم هو إخضاع المناطق التي يسيطر عليها الثوار في سورية. فعندما ينجحون في تحقيق ذلك، وهم يعملون على تحقيقه بصورة تدريجية إنما مقابل ثمن باهظ جدّاً، يمكنهم أن يفرضوا على لبنان وصاية جديدة، ربما مع شروط جديدة. في هذا الصدد، بعض المسيحيين أو بعض الزعماء في الطائفة المارونية غافلون عن أنه قد يتم تعديل الدستور بما يتعارض مع مصالحهم. ربما البعض مستعدّون للقبول بهذا الأمر، على غرار ميشال عون. لكن ذلك يتوقّف على المكاسب العسكرية للجيش السوري وحلفائه.
مايكل يونغ: وهل تعتقدون أنه يمكن تأمين غالبية الثلثين في مجلس النواب لتعديل الدستور؟ فحتى لو توفّرت النيّة لذلك، من الصعب جدّاً تعديل الدستور.
وليد جنبلاط: نحن في مأزق، إنها حرب استنزاف. وفي حرب الاستنزاف هذه، هم أقوى منّا وأكثر قدرة على الصمود. نحن لسنا موحّدين؛ على المستوى الاقتصادي، تشهد البلاد تراجعاً كبيراً، وتعاني من هشاشة شديدة. من يدري ماقد يحدث بعد سنة؟ في الوقت الراهن، نحن قادرون على الاستمرار، لكن من يدري ماقد يطرأ بعد عام من الآن؟ والطرف الآخر لايأبه، ويملك سيطرة مطلقة داخل طوائف بكاملها. أقصد، لاتقولوا لي إنهم لايفيدون من الانقسامات في صفوف المسيحيين. بلى يفيدون. حتى في صفوف السنّة، لديهم ميليشياتهم ونفوذهم. وفي صفوف الدروز أيضاً.
مايكل يونغ: لطالما كنتم زعيماً سياسياً شديد الواقعية. هل ستضطرون، عاجلاً أم آجلاً، إلى عقد مصالحة مع بشار الأسد، في حال بقائه؟
وليد جنبلاط: كلا، لن أفعل ذلك. فهذا يعني نهايتي السياسية. أفضّل الانتحار بشروطي أنا بدلاً من الذهاب إلى سوريا ومصافحة بشار.
مايكل يونغ: هل التقاعد أمرٌ صعب، مع العلم بأنكم لم تتقاعدوا فعلاً؟
وليد جنبلاط: لم أتقاعد. [نجلي] تيمور تسلّم الجزء الأكبر من العمل، وأصبح لدي بعض أوقات الفراغ للسفر ومشاهدة بعض الأماكن في هذا العالم. أرغب في السفر إلى مزيدٍ من البلدان، لكنني لم أعد أقوى على ذلك جسدياً. إلا أنني أشعر بالرضى لأنني أرى تيمور يتقدّم بثبات نحو الأفضل، وآمل بأن يتمكّن من حماية طائفته وتأمين بقائها. بالطبع الظروف اليوم أصعب بكثير من تلك التي واجهتها أنا. هذه هي أمنيتي وإرادتي قبل الرحيل.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا

بين جلسة في الحديقة وإعدام شاعر: حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر