الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة




  حسام الدين درويش(جرمون)
يمكن لسؤال “هل انتهت الثورة السورية؟” أن يثير استهجان فريقين رئيسين، يرى كلاهما أن هذا السؤال خطابيٌّ لا استفهاميٌّ، لأن الإجابة معروفةٌ سلفًا: “نعم، انتهت الثورة!”؛ فثمة من يرى أن الثورة السورية، بوصفها ثورةً من أجل الحرية والكرامة، قد انتهت بعد بضعة أشهرٍ فقط من انطلاقتها؛ ويذهب بعضهم إلى حدِّ القول: إن تلك الثورة المزعومة لم تبدأ أصلًا، وأن ما حصل ليس أكثر من مؤامرةٍ خارجيةٍ، نُفذت بأيادٍ أو بيادق (غير) وطنيةٍ. في المقابل، ثمة من يرى أن الثورة السورية قد انتهت فعلًا منذ اختطافها أو محاربتها من قوى إسلاميةٍ وغير إسلاميةٍ، محليةٍ وأجنبيةٍ، أسهمت في تحويلها إلى صراعٍ بين قوى محليةٍ و/أو إقليميةٍ و/أو عالميةٍ، لا يهمها لا حرية السوريين، ولا كرامتهم، ولا استبدال النظام الديمقراطي بالتنظيم الأسدي القائم؛ إذ إن معظم هذه القوى أو جلها أعلن، صراحةً أو ضمنًا، معاداته لهذه الحرية والكرامة وذلك الاستبدال.

يبني الفريقان كلاهما رؤيته عن نهاية الثورة انطلاقًا من فهمه للثورة، بوصفها حدثًا أو فعلًا تنتهي الثورة بانتهائه أو بتوقفه، والحدث المحِّدد لقيام الثورة أو بدئها هو المظاهرات الشعبية التي بدأت في آذار 2011، ويرى الفريقان أن انتقال مركز الثقل من المظاهرات الشعبية إلى المقاومة المسلحة، فالجهاد الديني؛ قد أفضى إلى نهاية الثورة، بوصفها ثورةً من أجل الحرية والكرامة؛ فالحدث المؤسس للثورة قد انتهى، ولم تعد هناك قوى وازنة على الأرض، تتبنى قيم الحرية والكرامة والديمقراطية التي أعلنت الثورة تبنيها في البداية؛ وهذا يعني، منطقيًّا وواقعيًّا، أن الثورة قد انتهت فعلًا، بغض النظر عن الخلاف القائم حول الموعد الدقيق لهذه النهاية المفترضة.

في مقابل هذه الرؤية الواحدة للفريقين المختلفين، (على الرغم من اتفاقي مع جوانب من رؤية الطرفين المذكورين)، إلا أنني لا أعتقد بصواب إعلانهم أو تبنيهم فكرة نهاية الثورة؛ لأسبابٍ عديدةٍ، يرتبط أهمها بفكرة أو بميدان تأريخ الحاضر؛ فالثورة حدثٌ تاريخيٌّ، ولا ينتهي الحدث التاريخي بانتهاء وقوعه، بل تكمن نهايته الحقيقية، بوصفه حدثًا تاريخيًّا، في نهاية تأثيره الكبير، أو في توقف قوة الدفع التي أطلقها، أو في نهاية السلسلة المتفرعة والمتشابكة، من الأسباب والأحداث والنتائج التي أفضى إليها، أو أسهم كثيرًا في وجودها؛ تكمن المشكلة أو الإشكالية، في تأريخ الحاضر، في اختزال التاريخ إلى أحداث حاضرٍ معزولٍ عن تأثيراته المستقبلية، على الرغم من أن الحدث التاريخي ليس حدثًا تاريخيًّا، ولا يستحق أن يؤرَّخ أو أن يكتسب صفة التاريخية أصلًا، إذا عُزل عن تأثيراته في الحاضر والمستقبل، القريب والبعيد، الذي يليه أو ينتجه؛ فالثورة السورية، بوصفها فعلًا أو حدثًا منفردًا، قد انتهت بالتأكيد، انتهاءًا موقَّتًا على الأقل، لكن هذا لا ينفي إمكانية استمرارها حاليًّا ومستقبلًا، عبر إعادة القيام بالفعل نفسه، عندما تسمح الأحوال بذلك مجدَّدًا، أو عبر حصول مستجداتٍ ونتائج وأفعالٍ وإنجازاتٍ، لم يكن بالإمكان حصولها لولا قيام هذه الثورة.

الثورة مستمرةٌ بقدر استمرار تأثيرها، وهي مستمرةٌ من خلال اعتراف الجميع -تقريبًا- بأن سورية بعد الثورة، لا يمكن -مطلقًا- أن تعود إلى الوضع الذي كانت عليه قبل الثورة؛ وعلى هذا الأساس، يمكن القول: إن بناء أو قيام أي سورية الوطن، مكان سورية الأسد، في المستقبل، سيكون مدينًا للثورة بمعظم إيجابياته وربما كلها. الثورة مستمرةٌ بقدر استمرار قيمها في خطابات السوريين وقيمهم وتطلعاتهم السياسية، ويظهر تأثير الثورة؛ وبالتالي، استمرارها، حتى في خطاب تنظيم الأسد وشبيحته؛ فمن الواضح تجنب هذا التنظيم، وأدواته الإعلامية، وموالاته التشبيحية وغير التشبيحية، لأي كلامٍ إيجابيٍّ، أو تبنٍ لقيم الثورة المتمثلة في الحرية والكرامة والديمقراطية، وقد يفضي هذا التجنب إلى الاعتقاد بأن الثورة قد عجزت عن فرض قيمها المذكورة على خطاب النظام، وبذلك لم يبلغ تأثيرها المدى المرغوب. لكن، يمكن لأي تفكيرٍ مدقِّقٍ أن يبيِّن أن تجنب تنظيم الأسد وأدواته وموالاته لأي حديثٍ إيجابيٍّ عن الحرية والكرامة والديمقراطية، ناتجٌ عن إدراكه العميق لمدى ارتباط هذه القيم بالثورة، وارتباط هذه الثورة بتلك القيم، حتى الآن، وهذا الارتباط وثيقٌ لدرجة أنه يصعب أو يستحيل فصمه، حاليًّا على الأقل. ولو استطاع النظام الفصل بين الثورة والقيم المذكورة، لما تردد مطلقًا عن فعل ذلك؛ لكي يقوم -لاحقًا- بتوظيف هذه القيم لصالحه. وينطبق الأمر نفسه على مصطلح الثورة، فقد ارتبط هذا المصطلح بثورة السوريين الحالية، لدرجة أن معظم الموالين يتجنبون -غالبًا- استخدامه؛ لأن هذا الاستخدام يعني الإحالة على ثورة السوريين الحالية، وهو أمر يحاولون نكرانه والتعامي عنه. لقد أدرك “الجميع” أن لا حرية ولا كرامة ولا ديمقراطية، في سورية، بدون هذه الثورة.

لكن حتى إذا بدا لنا -الآن- أن تأثير الثورة قد انتهى فعلًا حاليًّا (وهو أمرٌ يصعب كثيرًا التصديق بأن ثمة من يعتقد به حقًّا)، فينبغي أن نتحلى بقدرٍ من التواضع المعرفي، ولا نجزم بنهايتها المؤكدة؛ لأنه إذا كان بإمكاننا تأريخ الحاضر، تأريخًا جزئيًّا ونسبيًّا في أحسن الأحوال، فإن تأريخ المستقبل بالطريقة الجازمة أو حتى المرجِّحة، هو، في أغلب الأحايين، أمرٌ أقرب إلى التنبؤ (يحتاج إلى نبيٍّ)، والضرب بالمندل، منه إلى رؤيةٍ معرفيةٍ، تتحلى بالحد الأدنى من الصدقية والموثوقية المعقولة. بعض الناعين للثورة السورية، والقائلين بموتها المزعوم، يعلنون هذا الموت بشماتةٍ وتعالمٍ، يتجسد -غالبًا- في منطق (ما قلنالكم؟)، ولا فائدةً ترجى من محاولة إقناع هؤلاء “الناس”؛ لأن من يسوِّغ لحكم البوط العسكري المذِل والمهين، يصعب إقناعه، في هذه الأمور والأسيقة، بغير هذا الأسلوب. القارئ المفترض لهذا النص هو شخصٌ يعلن نهاية الثورة والألم يعتصر قلبه، بحيث لا يكون هذا الإعلان عقلنةً لرغبة، كما هو الحال عند الفريق الأول، وإنما يكون عقلانيةً أخلاقيةً، تحاول الاتسام بالموضوعية، حتى لو تناقض مضمون الإعلان مع رغبتها.

الثورة بوصفها حدثًا تاريخيًّا لم تنتهٍ بعد، ومازال تأثيرها فينا، نحن السوريين، أكبر من تأثيرنا فيها؛ ومهما زاد على تأثيرنا فيها، فسيظل ذلك -عمومًا- نتيجةً لتأثيرها فينا؛ صحيحٌ أن الماضي يقود إلى الحاضر الذي يفضي -بدوره- إلى المستقبل، وفقًا لمنطق التعاقب أو التسلسل التاريخي، لكن عمليات التأريخ وإسباغ الدلالة ومنح المعنى تتم، غالبًا على الأقل، من خلال اتجاهٍ معاكسٍ؛ وعلى هذا الأساس، يمكن القول بأن مصير الثورة لم يتحدد بعد؛ ولن يتحدد هذا المصير نهائيًّا إلا في المستقبل، عندما تكتمل تأثيرات قبلة الحياة التي منحتها هذه الثورة لسورية، بوصفها وطنًا وشعبًا، في الوقت نفسه. ما زال بإمكان كل مؤيدٍ للثورة، وكل من يشعر بانتمائه إليها، أن يمنح هذه الثورة معنىً وقيمةً، وأن يحافظ على كرامتها أو يسترد هذه الكرامة المهدورة، بقدر الاعتقاد بأن هذه الثورة، بوصفها ثورة حريةٍ وكرامةٍ، قد أعادت إلينا بعضًا من إنسانيتنا ووطنيتنا، وأحيت إمكانية أن تكون سورية وطنًا لا سجنًا للسوريين.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top