الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش

خاص 

من العبارات التي لاقت الكثير من التعليقات في خطاب حسن نصرالله أمين عام حزب الله قبل أيام قوله بأن الجيش اللبناني قادر على إنهاء أزمة الجرود ولكن القرار السياسي يمنعه.
يعيد هذا إلى الذهن ما كان قد قاله إثر تفجيرات بلدة القاع قبل مدّة وإشارته إلى أن الانتحاريين قد جاؤوا من جرود عرسال. 
رغم أن من يعرف جغرافية المنطقة يعرف بأن جرود عرسال تبعد عشرات الكيلومترات عن المنطقة التي تمت فيها عملية التفجيرات، وأن جرود رأس بعلبك تقع بين جرود عرسال وجرود القاع، وذلك ما تجاهله نصرالله بالكامل.
وقد ذهب البعض يومها إلى اعتبار كلام نصرالله مؤشراً على نواياه بالتمهيد لعمل عسكري ضد مدينة عرسال.
السؤال، هل من رابط بين كلامه الأول والثاني عن جرود عرسال، أم هي الصدفة المحض؟
إني أستبعد ما ذهب إليه البعض من أن نصرالله يحضر عملاً ما ضد مدينة عرسال، في هذه المرحلة على الأقل، رغم أن ذلك كان مطروحاً على ما أعتقد على جدول أعماله، وقد يكون مطروحاً في مرحلةٍ لاحقة. هذا الأمر مرتبط بمآلات الحرب في سورية.
من الأمور المعروفة إن حزب الله يسيطر على الجزء الأكبر من جرود عرسال الجنوبية الشرقية والتي تضم أكبر عدد من الأشجار المثمرة التي تعدّ بالملايين، والتي حرم أصحابها من الذهاب إليها، ولما حاول أحد المزارعين الذهاب إلى بستانه لقطف موسم الكرز، تم قتله في المكان.
ومن المعروف أيضاً بأن حزب الله الذي سيطر على كل هذه المساحات من الجرود في مواجهة جبهة النصرة وبعض فصائل الجيش الحر، كان باستطاعته أن يستكمل معركته وإخراجهم بشكل كامل من تلك الجرود.
أما مناطق تواجد داعش فلم تكن لحزب الله أية معارك حقيقية، وهي المناطق الممتدة على مسافة عشرات الكيلومترات، بدءاً من جرود القاع، مروراً بجرود بلدة رأس بعلبك، وصولاً إلى جرود عرسال الشمالية الشرقية.
لماذا اقتصرت معارك حزب الله على النصرة وفصائل الجيش الحر، ولم تتعدَّها إلى داعش؟ لن أجيب عن هذا السؤال، لكن أريد أن أطرح سؤالاً آخر: لماذا لم يُنهِ حزب الله المعركة مع النصرة والحرّ في الجرود الجنوبية الشرقية؟
لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال، يمكن أن نتصور الواقع الجديد في هذه الحالة: من ناحية ستكون الجرود الجنوبية قد أصبحت تحت سيطرته بالكامل دون أي تواجد للفصائل السورية، ولن يكون لديه حجة للبقاء في الجرود ومنع أهالي عرسال من الذهاب إلى ممتلكاتهم المتمثلة بملايين الأشجار المثمرة ومئات مقالع الحجارة.
هل يمكن القول بأن حزب الله لا يريد هذه النتيجة؟
النتيجة الثانية التي كانت ستترتب على السيطرة الكاملة على الجرود الجنوبية، أنها كانت ستضع حزب الله على تماس مع مناطق تواجد داعش في جرود عرسال الشمالية.
هل يمكن القول بأن حزب الله لا يريد هذه النتيجة أيضاً؟
للتذكير المتكرر، إن حزب الله يوم تعرض مركز له إلى هجوم من قبل داعش في جرود رأس بعلبك، ووقع له العديد من القتلى، ثم تدخل الجيش اللبناني في المعركة. يومها قال نصرالله بما معناه بأن المعركة قد فُتحت مع داعش، وحسناً أنها قد حصلت بأن بدأتها داعش.. لكن تلك المعركة ابتدأت مع هجوم داعش وانتهت مع تصريح نصرالله.
لنعد إلى السؤال الأول: هل من علاقة بين تصريح نصرالله إثر اعتداءات القاع عن حضور الانتحاريين من جرود عرسال، وتصريحه الأخير بأن الجيش قادر على حسم الأمور في الجرود لكن يمنعه عدم توفر القرار السياسي؟
أرجح أن يكون التصريحان يكشفان ما يفكر فيه نصرالله. وهو ليس مهاجمة مدينة عرسال كما ذهب البعض، بل أظن أن ما يخطط له نصرالله هو جرود عرسال بالذات.
هو يريد أن ينتشر الجيش في منطقة الجرود، وبالمناسبة هي ليست بالمهمة السهلة .. لكن ما يهمنا هنا هو توصيف الحالة في ما يتعلق بتواجد حزب الله.
من المعلوم أن حزب الله بعد نشر عناصره في كافة المناطق الساخنة في سورية، وبالتحديد في ضواحي وأرياف دمشق، وفي مدينة حلب ومحيطها، لم يعد لديه القدرة على تغطية كل هذه المناطق بشكل كافٍ. هناك أولويات. وأظن بأن تواجده في منطقة جرود عرسال هو في حدوده الدنيا في هذه المرحلة، وهو، حالياً أيضاً، ليس في مرمى الخطر، لأنه لا يوجد من يشكل عليه خطراً، بسبب قلة وضعف تواجد الفصائل السورية في هذه المنطقة، وبسبب الحصار والملاحقة النارية لهم بشكل شبه دائم من مدفعية الجيش اللبناني.
لكن لا ننسَ بأن هذه المنطقة تحوي عشرات آلاف اللاجئين السوريين.. ولا ننسَ بأنها محاذية لبضع عشرة قرية سورية محاذية. وأي تغير في المعطيات الحالية سيكون الوضع مختلفاً.
إن إخلاء حزب الله هذه المنطقة يعني تلقائياً أن تعود منطقة تواجد الفصائل السورية بتواصل مع المائة ألف مهجر سوري وبتواصل مع بضع عشرة بلدة سورية محاذية، وهي بالتالي ستجعل حزب الله يشعر وكأنه كان يحرث في الماء. إضافة إلى ما قد تشكله من خطر على القرى الحاضنة لحزب الله من الجانب اللبناني، بخاصة بعد الجرح الذي خلقه تدخل حزب الله وتنادي العشائر البقاعية المؤيدة إلى دق النفير عوناً للحزب.
أما إذا تغيرت المعطيات، وكان حزب الله متواجداً في الجرود، فهذا يعني أن عليه أن يحشد المزيد من القوات في حرب ستكون مريره.
باختصار، أظن بأن حزب الله يرغب جاداً في نقل عبء الجرود عن كاهله إلى كاهل الجيش اللبناني.
هل سيكون ذلك ممكناً؟
لا أظن ذلك. فتواجد الجيش في مراكز محصنة وموصولة ببعضها، يختلف عن تواجده في مساحة شاسعة مكشوفة. وغياب الغطاء السياسي لا يرتبط فقط بموقف سياسي بقدر ما يرتبط بصعوبة أو باستحالة المهمة على ما أظن.
الوضع الخاطئ كان أساساً أن يضع حزب الله نفسه في موقع المعادي لفئة أغلبية في سورية، وما نتج عن ذلك أن أصبح الجيش اللبناني في نفس الموقع بالنتيجة. لأن الحياد والنأي بالنفس يستدعي بداهةً أن تمنع الدولة اللبنانية فصيلاً لبنانياً من الاشتراك في الحرب السورية بناءً على جدول أعمال وقرارات لا علاقة لهذه الدولة بها من قريبٍ أو بعيد.
إنه الحضيض الذي أوقع حزب الله نفسه وأوقع الجميع فيه.
23 آب 2016

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top