تقرير لـ«منظمة العفو الدولية» يرصد انتهاكات فظيعة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية روايات مرعبة عن التعذيب والمرض والموت في سجون النظام السوري

10:06:00 م



كُشف تقرير لمنظمة العفو الدولية (امنستي انترناشيونال) نشر أمس، النقاب عن تجارب مروِّعة لمعتقلين تعرضوا للتعذيب المتفشي وغيره من ضروب المعاملة السيئة في سجون نظام بشار الأسد، ويشير التقرير إلى أن 17723 شخصاً تقريباً قد تُوفوا أثناء احتجازهم في سجون ومعتقلات النظام منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، أي بمعدل أكثر من 300 شخص كل شهر.

ويوثِّق التقرير، الصادر بعنوان «إنه يحطّم إنسانيتك: التعذيب والمرض والموت في سجون سوريا»، جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها القوات الحكومية السورية. 

ويستعيد التقرير تجارب آلاف المعتقلين من خلال استعراض حالات 65 ناجيا من التعذيب، الذين وصفوا انتهاكات مروِّعة وظروف غير إنسانية في الفروع الأمنية التي تشرف عليها أجهزة المخابرات السورية، وفي سجن صيدنايا العسكري، الواقع على أطراف العاصمة دمشق. وقال معظم المعتقلين إنهم شاهدوا سجناء يموتون في الحجز، وذكر آخرون أنهم احتُجزوا في زنازين الى جانب جثث المعتقلين.

روايات مرعبة

وقال فيليب لوثر، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن «سجل الروايات المرعبة الوارد في هذا التقرير يصوِّر التفاصيل الفظيعة للانتهاكات البشعة التي يعانيها المعتقلون عادةً منذ لحظة القبض عليهم، وأثناء التحقيق معهم واحتجازهم خلف أبواب مغلقة في معتقلات المخابرات ذات السمعة السيئة في سوريا. وكثيراً ما تكون هذه الرحلة مميتة، حيث يكون المعتقل عرضةً للموت في كل مرحلة من مراحل الاحتجاز«.

واستطرد فيليب لوثر قائلاً: «على مدى عقود، دأبت قوات الحكومة السورية على استخدام التعذيب لقمع معارضيها. وفي الوقت الراهن، يُستخدم التعذيب في إطار حملة منظمة وواسعة النطاق ضد كل من يُشتبه في معارضته للحكومة من السكان المدنيين، وهو يُعد بمثابة جريمة ضد الإنسانية. وينبغي أن يُقدم المسؤولون عن هذه الجرائم البشعة إلى ساحة العدالة«.

وأضاف فيليب لوثر قائلاً: «يجب على المجتمع الدولي، ولاسيما روسيا والولايات المتحدة الأميركية اللتين تشرفان على مفاوضات السلام في سوريا، وضع هذه الانتهاكات في صدارة المناقشات مع السلطات والجماعات المسلحة، والضغط عليهما، لإنهاء استخدام التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة«.

ودعت منظمة العفو الدولية إلى إطلاق سراح جميع سجناء الرأي، والإفراج عن جميع السجناء الآخرين أو تقديمهم للمحاكمة على وجه السرعة بما يتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وإلى السماح لمراقبين مستقلين بزيارة جميع أماكن الاحتجاز فوراً ودون قيود.

أكثر من 300 وفاة شهرياً

ويسلِّط التقرير الضوء على إحصاءات جديدة صادرة عن «مجموعة تحليل بيانات حقوق الإنسان»، وهي منظمة تستعين بمناهج علمية لتحليل البيانات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. وتشير هذه الإحصاءات إلى أن ما يزيد على 17723 شخصاً قد لقوا حتفهم أثناء احتجازهم في شتى أنحاء سوريا، خلال الفترة من آذار 2011، عندما اندلعت الأزمة، وحتى كانون الأول 2015، أي بمعدل 300 حالة وفاة كل شهر. وخلال السنوات العشر التي سبقت عام 2011، سجلت منظمة العفو الدولية وقوع حالات وفاة بمعدل نحو 45 حالة وفاة في الحجز في سوريا سنوياً بمعدل ما بين ثلاثة إلى أربعة أشخاص في الشهر.

إلا إن هذا العدد يعكس تقديراً متحفظاً، وترى «مجموعة تحليل بيانات حقوق الإنسان» ومنظمة العفو الدولية إن العدد الحقيقي من المرجح أن يكون أكثر من ذلك، بالنظر إلى أن عشرات الآلاف من الأشخاص قد اختفوا قسراً في مراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء سوريا.

وفي سياق إعداد التقرير الحالي، تعاونت منظمة العفو الدولية مع فريق من المختصين في «مشروع علم العمارة الجنائية» من أجل «وضع نموذج افتراضي ثلاثي الأبعاد لسجن صيدنايا»، وهو واحد من أسوأ السجون سمعةً في سوريا. إن هذا النموذج، الذي يستند إلى أساليب بناء نماذج معمارية وصوتية، وإلى تفاصيل وصفها معتقلون سابقون، يهدف إلى تقديم صورة حية للفظائع ولظروف الاحتجاز المروِّعة التي شهدها هؤلاء المعتقلون.

وقال فيليب لوثر: «بفضل استخدام تقنيات لبناء نماذج ثلاثية الأبعاد والاستعانة بذكريات من عانوا ونجوا من انتهاكات بشعة في ذلك السجن، أصبح بوسعنا الآن للمرة الأولى، أن نحصل على صورة حقيقية من داخل أحد أسوء سجون التعذيب في سوريا«.

الانتهاكات في كل مرحلة

وقال أغلب الضحايا لمنظمة العفو الدولية إن الانتهاكات كانت تبدأ بمجرد القبض عليهم، وأثناء نقلهم، بل حتى قبل أن تطأ أقدامهم مركز الاحتجاز.

فقد وصف المعتقلون ما يُسمى «حفلة الترحيب» لدى وصولهم إلى مركز الاحتجاز، وهو تقليد يشمل ضربهم ضرباً مبرحاً، وكثيراً ما يكون ذلك بهراوات من السيلكون أو بقضبان معدنية أو بأسلاك كهربائية غليظة. وقال «سامر»، وهو محام قُبض عليه بالقرب من مدينة حماة: «كانوا يعاملوننا كالحيوانات. هم يريدون تجريد الأشخاص من إنسانيتهم قدر الإمكان... كنتُ أرى الدماء تسيل بغزارة كالنهر... لم أتخيل مطلقاً أن تنحط الإنسانية إلى ذلك الدرك... لم تكن لديهم أية مشكلة في أن يقتلونا هناك آنذاك«.

وفي كثير من الأحيان، ذكر المعتقلون أن «حفلات الترحيب» هذه كانت تعقبها «عمليات التفتيش الأمني»، وخلالها أفادت بعض المعتقلات على وجه الخصوص بتعرضهن للاغتصاب والاعتداء الجنسي على أيدي حراس ذكور.

وفي فروع المخابرات، يعاني المعتقلون من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة بشكل مستمر أثناء الاستجواب، وعادةً ما يكون ذلك بغرض انتزاع «اعترافات» أو معلومات أخرى أو كشكل من أشكال العقاب. ومن بين الأساليب الشائعة الأسلوب المعروف باسم «الدولاب» (وفيها يُكبل المعتقل من يديه وساقيه خلف ظهره ويحشر في إطار سيارة ليبدأ الضرب بالهراوات والسياط وغيره)، و»الفلقة» (أي الضرب على باطن القدمين). كما تعرض معتقلون للصعق بالصدمات الكهربائية، أو للاغتصاب والعنف الجنسي، أو لنزع أظافر أيديهم أو أرجلهم، أو غمرهم بالماء الساخن، أو تحريقهم بالسجائر.

وقد ذكر «علي»، الذي كان معتقلاً في فرع المخابرات العسكرية في حمص، أنه أُبقي في وضع «الشَبْح» المؤلم، وعُلق من رسغيه لعدة ساعات وتعرض للضرب مراراً.

وتُعد ظروف الاحتجاز السيئة في فروع المخابرات، بما في ذلك الاكتظاظ ونقص الطعام والرعاية الطبية، والافتقار الى المرافق الصحية الملائمة، بمثابة نوع من المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة التي يحظرها القانون الدولي. فقد ذكر بعض المعتقلين السابقين أنهم احتُجزوا في زنازين شديدة الاكتظاظ، لدرجة أنهم كانوا يُضطرون إلى النوم بالتناوب أو إلى النوم وهم يجلسون القرفصاء.

ويقول جلال، وهو معتقل سابق: «كان الأمر أشبه بالتواجد في غرفة الموتى«. 

وذكر معتقل آخر، يُشار إليه باسم «زياد» (وقد حُجب اسمه الحقيقي حفاظاً على سلامته)، أن أجهزة التهوية في فرع المخابرات العسكرية 235 في دمشق توقفت عن العمل في أحد الأيام، مما أدى إلى وفاة سبعة أشخاص من الاختناق.

وأضاف زياد قائلاً: «بدأوا يركلوننا ليروا من منّا لا يزال على قيد الحياة ومن قد توفي. وطلبوا مني ومن الناجين الآخرين أن نقف... وعندئذ أدركت أن هناك... سبعة أشخاص قد تُوفوا، وأنني كنتُ أنام بجوار سبع جثث... وبعد ذلك رأيتُ باقي الجثث في الممر، كانت هناك حوالى 25 جثة أخرى«.

كما أفاد بعض المعتقلين أنه كثيراً ما كانت تُفرض قيود على الحصول على الغذاء والمياه واستعمال المرافق الصحية. وقال معظمهم إنهم كانوا يُمنعون من الاستحمام على النحو المناسب. وفي مثل هذه الظروف، تتفشى العدوى بالجرب والقمل والأمراض. ولما كان معظم المعتقلين محرومين من الحصول على الرعاية الطبية الملائمة، فقد كانوا يُضطرون في أحيان كثيرة إلى علاج بعضهم البعض بما لديهم من المواد البدائية، مما أدى إلى التزايد الكبير في أعداد الوفيات أثناء الاحتجاز منذ عام 2011.

وعموماً، لا يُسمح للمعتقلين بالاتصال بأطبائهم أو أهاليهم أو محاميهم أثناء احتجازهم في تلك الفروع، ويُعد هذا الوضع في كثير من الأحيان بمثابة اختفاء قسري.

سجن صيدنايا العسكري

كثيراً ما يمضي المعتقلون شهوراً، بل سنوات، في الفروع التابعة لأجهزة المخابرات المختلفة. وفي نهاية المطاف، قد يواجه بعضهم محاكمات فادحة الجور أمام محاكم عسكرية، لا تستغرق في كثير من الأحيان سوى بضع دقائق، وبعدها يُنقلون إلى سجن صيدنايا العسكري، حيث الأوضاع فظيعة على وجه الخصوص.

وقال معتقل سابق يُدعى «عمر س.»: «في فرع المخابرات يكون الهدف من التعذيب والضرب هو إجبارنا على «الاعتراف». أما في صيدنايا، فيبدو أن الهدف هو الموت، فيما يُعتبر نوعاً من الانتقاء الطبيعي، أي التخلص من الضعفاء بمجرد وصوله«.

ويُعد التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في صيدنايا، على ما يبدو، جزءاً من محاولة مستمرة بلا هوادة لإهانة السجناء ومعاقبتهم وإذلالهم. فقد قال معتقلون سابقون إنه من المعتاد أن يُضرب بعض السجناء هناك حتى الموت.

وقال «سلام»، وهو محامٍ من حلب أمضى أكثر من سنتين معتقلاً في صيدنايا: «عندما أخذوني إلى داخل السجن، كان بوسعي أن أشم رائحة التعذيب. هي رائحة خاصة تمتزج فيها روائح الرطوبة والدم والعرق. هذه هي رائحة التعذيب«.

وروى «سلام» واقعةً حدثت في ذلك السجن، حيث انهال الحراس على مدرب لرياضة «كونغ فو» بالضرب حتى الموت، بعد أن اكتشفوا أنه كان يدرب آخرين في زنزانته. وقال «سلام»: «ظلوا يضربون المدرب وخمسة آخرين حتى فارقوا الحياة، ثم واصلوا ضرب السجناء الآخرين، وعددهم 14، وقد ماتوا كلهم في غضون أسبوع. كنا نرى الدماء وهي تسيل من الزنزانة«.

في البداية، يُوضع المعتقلون في صيدنايا، لبضعة أسابيع في زنازين تحت الأرض، وهي تتسم بالبرد القارس في الشتاء، ولا تُقدم لهم أية أغطية. وفيما بعد، يُنقل المعتقلون إلى زنازين فوق الأرض، حيث تستمر معاناتهم.

وقال بعض المعتقلين إنهم كانوا يُحرمون من الغذاء الكافي، ومن ثم كانوا يُضطرون إلى أكل قشر البرتقال ونوى الزيتون لكي يتجنبوا الموت جوعاً. ويُحظر على المعتقلين التحدث مع الحراس أو حتى النظر لهم، بينما لا يكف الحراس عادة عن إهانة المعتقلين والتهكم عليهم، لمجرد إذلالهم، على ما يبدو.

وذكر «عمر س.» أنه حدث ذات مرة أن أجبر أحد الحراس اثنين من المعتقلين على خلع ملابسهما، وأمر أحدهما باغتصاب الآخر، وهدده بالموت إن لم يفعل.

وقال فيليب لوثر: «إن الطابع المتعمد والمنظم للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في سجن صيدنايا يمثل أحط أشكال القسوة وانعدام الإنسانية». وأضاف قائلاً، «يجب على المجتمع الدولي أن يضع في مقدمة أولوياته إنهاء هذا النوع من الانتهاكات المروِّعة والراسخة. فعلى مدى سنوات، استخدمت روسيا حق النقض في مجلس الأمن الدولي من أجل حماية حليفتها، أي الحكومة السورية، والحيلولة دون مثول مرتكبي الانتهاكات من مسؤولي الحكومة والجيش أمام المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبتهم عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ويجب أن يتوقف الآن هذا الخذلان المشين للإنسانية أمام هذه المعاناة الجماعية«.

وقد خلَّفت هذه المعاناة آثاراً جسدية ونفسية هائلة على معظم ضحايا التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وفرَّ أغلب المعتقلين بعد الإفراج عنهم، وهم من بين 11 مليون سوري شُردوا من ديارهم.

وتهيب منظمة العفو الدولية بالمجتمع الدولي أن يضمن حصول ضحايا التعذيب على العلاج الطبي والنفسي، وكذلك على الدعم الاجتماعي اللازم لإعادة تأهيلهم.


شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا