الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش

الانتروبولوجيا إزاء الصراع السوري: إعادة المجتمع إلى صميم التحليل


ترجمها عن الفرنسية : وحدة الترجمة في معهد العالم للدراسات.

لقد خلّفت الحرب الدائرة في سوريا أكثر من 250 ألف ضحية وملايين المهجّرين واللاجئين والنازحين، كما دمّرت مئات التجمعات السكانية. ولم تسفر هذه الأزمة غير المسبوقة إلى الدمار المادي لسوريا وتجزئة ترابها فقط، بل أسفرت أيضا الى اضطراب وتدمير مجتمعها وكل ما له صلة بمفهوم المجتمع.واجهت هذه الحالة الإنسانية المأسوية علم الأنتروبولوجيا بشكل مباشر عبر التساؤلات التالية:
كيف يمكننا أن نفهم التحول الجذري سواء للظروف اليومية للوجود أو في آلية عمل المجتمع السوري؟
كيف يمكن الاستمرار في تطبيق علم الأنتروبولوجيا على الحالة السورية بالرغم من كونه يعتمد أساساً على وجود الخبراء والمختصين في الميدان لفترات طويلة؟
وما هو الدور الذي يمكن للأنتروبولوجيا أن تلعبه في هذا السياق المتكاثر والمتزايد من التحليلات، وخطابات الخبراء في وسائل الإعلام؟
تحاول هذه المقالة الإجابة عن هذه التساؤلات المنهجية والأخلاقية، وذلك باقتراح الإعتماد على مقاربة منهجية تجريبية وعلى بعد من الصراع السوري، مع التأكيد في الوقت نفسه على الحاجة الملحة لإعادة المجتمع السوري إلى صميم هذا التحليل.
  • منذ آذار 2011، تشهد سوريا أزمة إنسانية وسياسية واقتصادية لا مثيل لها، نتيجة صراع شامل. حيث ستعاني من آثاره المدمرة سواء بالنسبة للسكان، أو التراث الوطني، أو البنى التحتية لعهود طويلة جدا بعد أن تضع الحرب أوزارها. إننا نشهد منذ اكثر من أربعة أعوام ليس فقط دماراً ماديا للبلد وتجزئة لترابه، بل أيضا انقلابا شديدا للمجتمع الذي كنا الى عهد قريب نعرفه.
وقد وجدت الأنتروبولوجيا نفسها، شأنها شأن كافة العلوم الإنسانية والإجتماعية، مضطرة للتصدي بالتحليل والفهم لهذه الحالة الغريبة والفردية:
كيف يمكننا أن نفهم التحول الجذري سواء للظروف اليومية لوجود الناس أو في آلية عمل المجتمع السوري؟

بماذا تفيدنا الأنتروبولوجيا في مثل هذه الحالة، في حين أن جزءاً كبيرا من أسسها المنهجية والعلمية تقوم على وجود وبناء علاقات طويلة الأمد على الميدان، كما تقوم على اهتمام خاص ينصبُّ أساساً على ممارسات وأفكار وتخيلات الأفراد والجماعات؟
وما هي المكانة التي مازال يمكن للأنتروبولوجيا أن تشغلها في هذا المحيط المتكاثر والمزدحم بخطابات الخبراء وتحليلاتهم، حول بلد تستمر الأزمة في تدميره يوماً بعد يوم؟
أنتروبولوجيا حضرية واقتصادية في دولة البعث:
  • بغية محاولتي تقديم بعض الاجابات الأولية عن هذه الأسئلة، فإنني آمل أن انطلق من تجربتي الشخصية بصفتي أحد علماء الأنتروبولوجيا، حيث كانت سوريا بالنسبة له ولمدة ربع قرن ميدان تدريبه وأبحاثه وحياته أيضا.
ففي أحد الايام من شهر شباط من عام 1990 أقلّتني سيارة عمومية من عمّان الى دمشق وكانت تلك زيارتي الأولى لها. واستقبلني المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق (IFEAD)، حيث كنت أعدّ رسالة دكتوراة تحت اشراف الأستاذ جان ميترال Jean Métral وكانت حول المزارعين الحضريين لوادي العاصي الأوسط. فدمشق في ذلك الحين والبالغ عدد سكانها مليون ونصف نسمة كانت لها مظاهر العواصم المناطقية: والتي تتميز بأبنيتها منخفضة الإرتفاع، وقلة حركة المرور فيها، بالإضافة إلى حركة تجارية محدودة الحجم تعكس واقع الإجراءات والقيود المفروضة على الواردات والتي طُبّقت من قبل نظام البعث منذ حوالي ثلاثين عاماً.
ثم حلّ اقتصاد السوق الاجتماعي محلّ الاقتصاد الموجّه بعد أن استنفذ هذا الأخير كل إمكانياته في الإستمرار. فاستفادت مراكز المدن كثيراً من هذا التحول وكان ذلك على حساب الريف وأطراف المدينة، الأمر الذي ساهم في نشوء الأزمة السياسية الحالية.
  • ومع ذلك فقد كان المجتمع السوري في عام 1990 مايزال يتمتع نسبياً بالعدالة الإجتماعية. هذا المجتمع الذي كان مطوّقاً بأجهزة المخابرات، قد تم تنظيمه سواء من قبل بعض المؤسسات والأدوات التابعة للدولة (النقابات، التعاونيات السكنية، المؤسسات التعاونية الاستهلاكية والسلع المدعومة الخ...) أو من قبل بعض الأطر والأشكال القديمة أو المجددة من الحماية الأسرية أو القبلية أو الفئوية أو المذهبية.
وما عزّز من هذه الأشكال والأطر هو تعسّف وقمع النظام، وتسلّطه عن طريق استغلال مؤسساته، وإعادة توزيع الثروات بشكل زبائني، الأمر الذي دفع بالسوريين الى التماس الحماية في الانغلاق على الذات. وقد كان لتعزيز تلك الإنتماءات الإجتماعية دورٌ معاكس لمشروع البعث الأصلي، وهو خلق مواطن عربي جديد متحرر من كافة أشكال الإنتماءات التقليدية، وخصوصاً أن نظام الاسد نفسه كان يلعب على النعرة الطائفية حين أعطى للطائفة العلوية هيمنةً وحظوة على باقي الطوائف والفئات، هذه الحظوة التي أصبحت شبه معتدلة منذ أعوام التسعينات بسبب الإنفتاح على البرجوازية السنية.
  • إن المسوحات الميدانية التي أجريتها خلال هذه المرحلة الانتقالية لسوريا، أي لغاية تشرين الاول من عام 1995، في بلدة القصير (Boissière, 1995, 2007) وفي مناطق البساتين التابعة للمدن الرئيسية لنهر العاصي (Boissière, 2205)، إن كافة هذه المسوحات تندرج في سياق الأعمال التي قام بها الجغرافي أنور نعمان (Naaman, 19951) وعالمي الأنتروبولوجيا فرانسواز وجان ميترال (Métral 1989, 1990). ولكننا نلحظ ندرة الدراسات التي تناولت بشكل مباشر مسألة العلاقة بين المدينة وضواحيها ذات الطبيعة الزراعية[1]. بالرغم من ذلك، ومنذ فترة طويلة، استطاعت مدن سوريا الوسطى، شأنها شأن باقي المدن السورية والشرق أوسطية، أن تضمن حاجتها من الفواكه والخضروات عن طريق رعايتها واستثمارها لمناطق البساتين القريبة منها. كان ذلك هو شأن بساتين حمص وحماة الواقعة على ضفاف العاصي والتي كان يمتلكها وجهاء أهل المدينة. وهذه البساتين كان يقوم بزراعتها والإهتمام بها مزارعون يعملون في البستنة ويقيمون في المدن حيث شكلوا مجموعات مهنية حضرية معترف بوجودها ومنظمة.
وكما كانت البساتين أمكنة للإنتاج الزراعي، فقد شكّلت أيضا فضاءات للحياة العائلية وعلاقات الجوار وحسن العشرة. فقد كانت قواعد السلوك المتّبعة مشابهة الى حدّ ما للقواعد المتبعة في العلاقات بين الجوار في المدن.
ونشأت في هذه البساتين-الضواحي زراعة يدوية لعدة أنواع من المزروعات الموافقة لمتطلبات السوق في المدينة، لذلك استمرت هذه الزراعة لفترة زمنية طويلة. وهكذا شكّلت بساتين حمص وحماة مع المدينة القديمة وأسواقها أحد العناصر الثلاثة الأساسية للهوية الحضرية خلال الفترة الواقعة بين 1950-1960 .
ولكن هذه المكانة التي احتلتها تلك البساتين تراجعت بشكل ملحوظ في وظيفتها بتزويد المدن، والتي تضخم عدد سكانها لدرجة أنهم وجدوا أنفسهم مهددين بهذا النمو الهائل.
  • إن اخفاق سياسات الاقتصاد الموجّه قد دفعت النظام منذ عام 1986 لتشجيع اللجوء لرأس المال الخاص وإجراء بعض الإصلاحات الهيكلية والدفع باتجاه الإنفتاح الاقتصادي. وكان من نتائج هذه الإجراءات مجتمعة، تعميق الفوارق الإجتماعية والمناطقية والإخلال بالتوازن بين المدينة والريف وبين المراكز والأطراف.
وقد طبّقت سياسات جديدة "نيوليبرالية متسلّطة" وفقا لدراسة (O .Dahi, Y. Munif, 2011) أو "رأسمالية المحاسيب" كما في دراسة (F. Balanche, 2006)، وذلك خلال الاعوام 1990 – 2000. وهكذا أصبح زبانية النظام، والذين يشكلون 5% من السكان، يمتلكون 50% من الثروة السورية.
وفي هذا السياق من تنامي الفوارق الاجتماعية واللامساواة، بدأ الاهتمام بالإستراتيجيات الإجتماعية التي طبقها الأفراد لإيجاد وتنويع فرص حصولهم على الموارد الاقتصادية (Boissière, 2005b).
ونتيجة للبعثات التي قمت بها في الأعوام بين 2000-2003، وخاصة في دمشق مع العاملين في القطاع العام وعمال البناء، كل ذلك أتاح لي أن أصف أساليب التحرك والتنظيم التي كانت تنمو وتنتشر ، فتستدعي أشكالاً قديمة بل و جديدة أيضا من التعاضد والتعاون: تعدد الأنشطة الفردية والاسرية، صندوق تكافل الاسرة، جمعيات ربحية، مؤسسات التأمين التكافلي، عائدات زراعية إضافية الخ...
وقد عكست هذه الإستراتيجيات القدرة الابداعية للفعاليات الاجتماعية واستقلالها الذاتي (R. Castel, 2003)، كما عكست أشكالاً جماعية من التعاضد والتعاون والعديد من مظاهر التلاحم الاجتماعي، والتي اعتمدت عليها الدولة للتخفيف من الآثار المترتبة من تطبيق سياسات الإصلاحات الهيكلية التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
  • وقد كان من أبرز الآثار المترتبة على سياسات الانفتاح الاقتصادي خلال الأعوام 1990- 2010 هو التوسّع في أماكن التجارة. فأصبحت التجارة خلال خمسة عشر عاماً إحدى دعائم الإقتصاد الحضري. والأبحاث التي قمت بها حول هذا الموضوع في الفترة الممتدة بين 2006 – 2010 سواء بمفردي أو ضمن فريق قد انصبّت على دمشق وحلب حصراً (Boissière & Anderson, 2014 b; Boissière, 2014 b).
إن هذه التجارة بصفتها نشاطاً محدودا لكسب العيش أو بصفتها نشاطاً استثماريا هاما، يمكن اعتبارها من الأنشطة التي تندرج في الإطار المناطقي كما في إطار عولمة المبادلات ذات التأثير الكبير في تغيير أنماط الاستهلاك والذهنيات أيضا.
ولكن، وبعكس ما جرى في أوروبا في الأعوام 1960 – 1970م، فإن تطّور الأشكال الجديدة للنشاط التجاري: كسلسلة المتاجر الكبرى ومراكز التسوق، لم يتمكّن من التقليل من أهمية الأسواق القديمة والأحياء التجارية التقليدية في مراكز المدن. إن نمو النشاط التجاري قد تزامن، في الواقع، مع تنوع العرض الذي كان انعكاسا للفروقات واللامساواة الإجتماعية والتي أصابت المجتمع السوري بشدة.
7-إن هذا المسار الفريد في البحث يلائم بعض التطورات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية لسوريا خلال الأعوام العشرين الأخيرة. فقد توصّل أيضا، شأنه شأن باقي المسارات، الى إثبات وجود أزمة عميقة للنظام كان من أهم معالمها: فقدان الشرعية، الإستيلاء على الدولة وخصخصة مواردها من قبل أقلية، ازدياد الفجوة بين النظام والمجتمع الذي أصبح الآن اكثر انفتاحاً واستقلالية وذو تطلعات سياسية واجتماعية جديدة.
فإن كان من الصحيح استحالة التنبؤ بالثورة الحالية التي اندلعت في آذار من عام 2011، فإنها بالتأكيد كانت النتيجة الطبيعية لتفكك العلاقة بين النظام من جهة وبين جزءٍ كبير من المجتمع من الجهة المقابلة.
الانتروبولوجيا واختبار الحرب:
8-من الأسس المنهجية لعلم الأنتروبولوجيا هو الاستثمار الشخصي للباحث في الميدان، بحيث يتيح له هذا الاستثمار طويل الأمد معرفةً وثيقة وملموسة للمجموعات محل الدراسة.
من بساتين العاصي إلى الأحياء والمراكز التجارية في دمشق وحلب، مروراً بدراسة الإستراتيجيات الاجتماعية المعيشية في دمشق، أتاحت لي الإثنوغرافيا[2] الوصول لبعض جوانب الحياة اليومية للمجموعات السكانية المعنية بالدراسة، وخصوصاً ما يتعلق بسلوكهم اليومي. إن ملاحظة نشاط معيّن (زراعي، معيشي، تجاري) لوسط ما أو مجموعة مهنية، كان لها دور المؤشر للأسلوب الذي تنتظم فيه بعض القطاعات من المجتمع السوري والتي يجعلها تُشكّل مجتمعاً بحدّ ذاته. أي، مجتمع تفاعلي، سريع في وضع الاستراتيجيات والتعبير عن مختلف مستويات الفعل سواء في علاقته بالدولة أو على هامشها؛ مجتمع يتحدّد في إطار الأماكن والأراضي، بل أيضا في كثير من الفضاءات المتحركة من النطاق المحلي الضيق (بساتين، محلات، جوامع، كنائس، أحياء) إلى نطاق أوسع (البلد، المدن، المنطقة).
حتى أن هذا المجتمع السوري، والذي هو أبعد ما ينسب الى الجمود، شهد انطلاقاً من مطلع القرن الحادي والعشرين وتَسارعاً في وتيرة التحولات الاجتماعية التي لوحظت في العقد السابق، كما على سبيل المثال ظهور جيل من الشباب الحضري: مثقف، يتّبع النمط الاستهلاكي، منفتح على العالم، غير مستقر، يعرف كيفية المواءمة بين انتماءاته التقليدية وبين المظاهر الجديدة من تحقيق الذات؛ ولكن أيضا من ناحية أخرى، جيل من الشباب محكوم عليه بالعمالة الناقصة أو البطالة، كما أن مستقبله مرهون بقدرته على قبول او رفض اساليب النظام ومنطقه (Vignal, 2012).
في إطار هذا السياق من التحولات الاجتماعية-الاقتصادية والثقافية، وفي هذا الإطار من الجمود السياسي، انفجرت في آذار من عام 2011 موجة عارمة من الإحتجاجات الشعبية، والتي يجب تحليلها كحالةٍ مطلبية من رفض الخضوع لنظام سياسي قديم لم يعد صالحا للاستمرار بنظر مجتمع امتلك روح التغيير. وبالمقابل فقد كانت استجابة النظام المدمرة لهذه المطالب تشكّل من جهته محاولة لاستبدال المجتمع الذي لم يعد يوافقه، بمجتمع آخر متوافق مع آلياته وذهنيته السياسية: أي مجتمع الزبانية والمرغمين والمحكومين بدلاً من مجتمع الفاعلين والمواطنين.
9-إن الحرب الشاملة التي فرضها النظام على جزء كبير من المجتمع السوري منذ أربعة أعوام ونصف (فترة إعداد البحث / المترجم)، شكّلت بالنسبة لهذه الفئة من المجتمع صدمةً كبيرة لدرجة أثارت معها مسألة بقائها وقدرتها على الاستمرار. فالرقم المرتفع جداً في أعداد الضحايا (أكثر من 250 الف قتيل من المدنيين والعسكريين ومئات الالاف من الجرحى) واللاجئين (أكثر من أربعة ملايين) والنازحين في الداخل (حوالي سبعة ملايين)[3]، بالإضافة الى فقدان واختفاء عائلات ومجموعات بأكملها، وتدمير كامل للأحياء، خراب أجزاء واسعة من التراث العمراني، ضراوة المعارك، الوحشية المفرطة للقمع وبعض ردود الفعل على هذا القمع، صعوبة وقساوة الظروف المعيشية، إن كل ذلك يبدو قد ساهم ودفع باتجاه، ليس فقط تفكك النظام الإجتماعي والسياسي القائم منذ عقود وتجزئة الأرض السورية[4]، بل دفع أيضا الى خطر الإنهيار الكامل للمجتمع كما كان قائما قبل آذار من عام 2011.
10- إزاء كل هذه الاضطرابات، فإن عالم الأنتروبولوجيا معرّض لخطر فقدان بعض المعايير الرئيسية التي ساعدته إلى الآن في "قراءة" المجتمع السورية، وكذلك في فهم محرّكاته وتحولاته. فالصراع بصفته انقطاعاً وشرخاً كبيراً في المجتمع يجعل غريبا ما كان في الأمس مألوفا، كما يولّد التشتت والإنقسام والإنشقاق والدمار والتحولات في علاقات الجوار والمجموعات والأماكن والفضاءات والنصب التذكارية الفردية والجماعية. إنه يهدم الماضي وذاكرته (مشكّلا ذاكرته الخاصة)، ويدمّر الحاضر تماما ويجعل المستقبل مشكوكاً فيه ومن دون ملامح واضحة. وينسحب كل ذلك على التوازن القديم بين المكان والمجتمع، فيضطرب بشدة هذا التوازن ويصبح مهددا بسبب النزوح الجماعي للسكان وفقدان أماكن معيشتهم.
إن الأشخاص الذين سبق أن استجوبهم عالم الأنتروبولوجيا وأجرى مقابلات معهم، أولئك الذين عقد معهم علاقات خلال تلك المقابلات وعلى مرّ السنين، هؤلاء جميعا لم يعودوا متوفرين الآن، أو أنهم قد اختفوا تماماً. والعديد من الأماكن التي أجريت عليها استقصاءات خلال الدراسات البحثية السابقة، قد دمّرت او تهدّمت بفعل المعارك أو أصبح الوصول اليها متعذرا في هذه الظروف. حتى الحدود الخاصة بسوريا أصبحت متلاشية ومن دون معالم، شأنها شأن جزء كبير من التراث الوطني العمراني الذي تم توارثه منذ عهود الإنتداب والفترات اللاحقة له.
إن جزءاً كبيرا من المعرفة المتراكمة عن المجتمع السوري أصبحت محل تساؤل بسبب الحرب بل مهددةً ببطلانها. مع ذلك يحق لنا أن نتساءل فيما إذا كانت هذه المعرفة مازالت تساعدنا على فهم ما يجري في سوريا، بل أيضا أن نتساءل كيف يمكننا إعادة تفعيلها أو تحديثها وإدخال التغييرات الطارئة عليها التي فرضها العنف والموت واختفاء أجزاء بأكملها من المجتمع؟
كيف يمكننا تأسيس معرفة أنتروبولوجية جديدة لهذا المجتمع المدمّر، وبالتالي إعادة ربط هذه المعرفة المتجددة بتلك التي قامت في مرحلة ما قبل الحرب؟

إعادة المجتمع الى صلب تحليل الصراع:
11- إن مسألة موت المجتمعات، والتي تعتبر من صلب موضوعات الأنتروبولوجيا، كانت حاضرة منذ فترة طويلة في هذا العلم، الذي قام جزئيا على فرضية حتمية زوال المجتمعات التي يدرسها، وكان ذلك منذ القرن التاسع عشر.
إذاً، وفي مواجهة النظريات العرقية- المعاصرة لها- حول المجتمعات، أكّدت الانتروبولوجيا على وحدة الجنس البشري وتنوع الثقافات، كما أعلنت في نفس الوقت إمكانية زوال ذلك التنوع، وبالتالي انتهاء أو زوال موضوع دراستها نفسه. وهكذا فقد اتخذت على عاتقها ولفترات طويلة، مهمة ملاحظة ودراسة وتجميع وحفظ (من النسيان) المجتمعات الصغيرة في إفريقيا وأوقيانوسيا والأمازون التي كان يبدو محكوماً عليها بالاندثار أمام الاجتياحات الهدّامة للحضارة الغربية.
إذا فقد كانت مسألة موت هذه المجتمعات في صلب مشروع الانتروبولوجيا في بداياته.
ومع ذلك ففي القرن العشرين، تم تركيز الانتباه وبشكل متزايد على الديناميات الإجتماعية والثقافية التي سمحت بتجاوز هذه التشاؤمية الأولية، وجعلت من التغيرات الاجتماعية والثقافية أحد الدعامات الأساسية للتحليل الأنتروبولوجي، بدلا من النظر إلى ذلك بكونه أعراضا لزوال قريب للمجتمعات.
ففي هذا العالم الشامل الذي تتكيف فيه الأشكال الاجتماعية والثقافية وتتغير وتتحول وتتجدد باستمرار، لم تعد تُطرح مسألة موت المجتمعات والثقافات بنفس الطريقة التي طُرحت فيها في القرن التاسع عشر. فقد أصبح الآن راسخا في التحليل ذلك التمييز بين التغيرات الاجتماعية – الثقافية والزوال المادي للمجتمعات.
12- لقد واجه علماء الانتروبولوجيا المعاصرين[5] وبشكل متزايد في ميادين أبحاثهم (في أوروبا الشرقية وأفريقيا وأمريكا الجنوبية والعالم العربي)، واجهوا العنف السياسي والصراعات المسلحة وحالات الفوضى.
كل هذه الامور تطرح مسألة التأثير العنيف لهذه الصراعات على المجتمعات قيد الدراسة، وعلى هياكلها وأشكال تنظيمها وتاريخها وذاكرتها وقدرتها على التكيّف وإمكانية استمرارها على البقاء في المدى المنظور، بل أيضا تطرح مشكلة تأثير كل ذلك على الممارسة الأنتروبولوجية ذاتها: كيف يمكننا تأسيس ميدان للبحث في المجتمعات التي تواجهها أعمال العنف ودمار الحروب؟ بماذا تفيدنا الأنتروبولوجيا في واقع الحروب والموت والابادة العرقية؟ وأخيرا تُطرح مسألة الحضور الذاتي والانفعالي والسياسي والموقف الأخلاقي للباحث نفسه والآثار المترتبة على هذا الحضور.
13- إن الصعوبات أو الإستحالة التي تواجه الباحث الغربي بالوصول إلى الأراضي السورية وممارسة اثنوغرافيا (طبيعية)، تجعل من الضروري البحث عن طرائق جديدة في البحث الميداني، مختلفة عن تلك الطرائق المعتادة في علم الأنتروبولوجيا. طرائق تلزم عالم الأنتروبولوجيا على التمييز بين الحضور الميداني والمعرفة، على إعادة التقييم واعتماد بل وابتكار أشكال جديدة من التحقيق والاستقصاء والتقارير الميدانية.
14- لقد أجريت إقامات قصيرة الأجل على الميدان، بدرجة أقل أو أكثر من الأمان، وعلى هامش المعارك[6]. مع ذلك فهي بعثات في غاية الخطورة ويصعب تنفيذها، وخاضعة للكثير من التلاعب، وهي مماثلة لتلك التي يقوم بها المراسلون الحربيون وبالتالي هي أبعد ما تكون عن شروط ومتطلبات البحث الانتروبولوجي الاعتيادي، والتي تتطلب بهذا الخصوص الحضور لمدد طويلة في الميدان[7].
15- وبالمقابل يمكن طرح مسألة أهمية وجود "انتروبولوجيا عن بعد"، وذلك باستخدام السكايب وباقي شبكات التواصل الإجتماعي، كما تُطرح أيضا مسألة الحجم الهائل للوثائق والبيانات (فيديو، صور، نصوص) التي توضع على شبكة الانترنت يوميا. هذه "الأنتروبولوجيا عن بعد" التي لا تخلو من إثارة مشكلة التحقق من صحة المعلومات التي تم الحصول عليها عبر تلك الوسائل. فالإمكانية التي يتيحها السكايب للوصول الى "أقوال" مصدر سوري على الأرض، لا يمكن أن تخلو من التحيز والتلاعب وعدم الدقة، بل واختلاق المعلومة، كما يستحيل علينا في الوقت نفسه التحقق والتأكد منها. فشهادة شخص مهما كان جديرا بالثقة، لا تتيح لنا سوى الوصول الى وجهة نظره ليس أكثر ، والتي يتعذر علينا وضعها في سياقها عن بعد: ماذا ومن تمثل في الحقيقة؟ في حين أن أي "أقوال" لمصدر المعلومات من الميدان في الظروف الطبيعية من التحقيق، يمكن نسبتها دائما الى سياقها الاجتماعي القابل للملاحظة، بينما تلك الأقوال العائدة لمصدر عبر السكايب عن طريق كاميرا النت تبقى معزولة ويتعذر التحقق منها ونسبتها الى سياقها. إن هذه الأقوال فقيرةٌ للغاية، ومجرّدة من أية خلفية اجتماعية تمنحها الدلالة والأهمية.
كما تواجه عالم الأنتروبولوجيا أيضا كثرة وتنوع المعلومات على الشبكة، من صور وافلام وشهادات، متوفرة بشكل هائل على مواقع التواصل الاجتماعي، مما تضاعف التفسيرات والتحليلات والتي تساهم بصناعة الروايات بل أيضا بتقديم دلالات متباينة للغاية وأحيانا متناقضة.
كيف يمكننا التعامل مع هذه البيانات؟ وما هي الطرائق التي يمكن تطبيقها بحيث تساعدنا للوصول إلى مصادر المعلومات والبيانات الموثوقة[8]؟
16- وأخيرا فإننا نشهد "بلداً" يتشكلّ من جديد على هامش الصراع، في مخيمات اللاجئين بتركيا والأردن ولبنان، بل أيضا على طول الطرق المتبعة نحو المنفى إلى أوروبا. إن مشكلة المخيمات والهجرات تدرج المقاربة الأنتروبولوجية في بعدها الإقليمي والمعولم أكثر فأكثر، مما تتيح لها تطوير نظرة غير متمحورة بالنسبة للأحداث التي تجري في سوريا. "سوريا" هذه في منفاها القسري تشكّل من الان فصاعداً حقلاً جديداً في غاية الاهمية وسيكون موضوعا للابحاث[9]. كذلك نجد في البلدان المجاورة "سوريا صغيرة"، ولكن معزولة عن أرضها وعن تنوعها الإجتماعي. تساعدنا دراسة هذه الوضعية الجديدة لـ"سوريا الصغيرة" للوصول إلى أنماط الوجود والتنظيم الخاصة بمجتمع اللاجئين، والذين بدؤوا يشكلون شيئا فشيئا مجتمعا خاصا كلّما دامت حالتهم تلك بشكلٍ أطول؛ كما تساعدنا أيضا للوصول إلى شهادات قيّمة حول الأحداث التي تجري في سوريا سواء بخصوص المعارك الدائرة أو بخصوص ظروف الحياة.
17-  سواء باعتماد منهجية عن بعد، أو مقاربة محفوفة بالمخاطر، فإنه ليس هناك من طريقة وحيدة للاستقصاء بالنسبة لعالم الانتروبولوجيا الغربي الذي يأمل بمتابعة عمله حول سوريا في فترة الحرب: فيلزمه مضاعفة طرائق وتقنيات الوصول إلى البيانات، والاقتراب أكثر ما يمكن من سوريا، والتشبيك مع باقي العلوم وخصوصا العلوم السياسية أو الجغرافيا، بل حتى مع بعض الأعمال الصحفية[10].
ففي الحالة السورية على سبيل المثال، فإن أسلوب المقابلة والأقوال والإصغاء  يبدو طاغيا، ولو بشكل مؤقت، على كل من الملاحظة والمشاركة المباشرتين. فهل يتوجب علينا إزاء ذلك العودة الى المقابلات "البعيدة عن الميدان" التي ينظمها بعض الأنتروبولوجيين الأوائل، انطلاقا من فنادقهم، مع بعض الشخصيات المحلية التي يدعونها؟
إذاً يمكن القول بأنه في سياق الحروب والعنف المفرط، سيكون الأنتروبولوجي، وفي كافة الحالات، هو أقل شخصٍ شاهد وسمع بنفسه ما يرويه ويردده ويحلله. وقد أصبح من المتعذر الحصول على شاهدٍ مباشرٍ  ومميز لمجتمع يحاول أن يقدّم عنه الأنتروبولوجي حتى الآن دراسة مؤكدة وتجريبية، بل مميزة ومبررة بالتجربة المباشرة على الأرض. إزاء هذا التضييق والإغلاق المأسوي لكافة الطرق والوسائل للوصول الى المعلومات عن سوريا، فإن كافة العلوم الإنسانية والاجتماعية تتعرض لنوع من التعميم وفقدان خصوصيتها في كافة طرائق البحث والتحقيق. إن تقييد الوصول الى الميادين في هذا "الثقب الأسود" الحقيقي الذي ستصبح عليه قريباً سوريا، ينتج توحيداً لتقنيات الاستقصاء والبحث، بحيث لم يعد يتمايز فيها كل من الصحفي وعالم الاجتماع والسياسي وعالم الأنتروبولوجيا.
18- وعلى الرغم من كل ذلك، فإنه يبدو لي أن المساهمة المنهجية للأنتروبولوجيا مازالت أساسية وفريدة من نوعها، في إطار كونها الوحيدة التي سعت إلى إعادة المجتمع الى صلب تحليل الصراع السوري. إننا نشهد في الواقع ومنذ آذار 2011 انتشاراً إعلاميا لخطابات الخبراء حول سوريا. هذه الخطابات التي أنتجها أساتذة الجامعات والخبراء الإستشاريون والصحفيون ممن لم تكن لديهم الخبرة الكافية عن المجتمع السوري، فكانت خطاباتهم وتحليلاتهم تعبّر قبل كل شيء عن ردود أفعال مباشرة وعفوية عن الصراع. وهي ردود أفعال وتحليلات سياسية وجيوستراتيجية بشكل أساسي، تتناول الصراع على المستوى الإقليمي بحيث يُستبعد فيها المجتمع السوري بشكل عام. وحين يتم تناول هذا المجتمع فإنه يظهر كخلفية للمشهد، مختزل في حالة العجز التي يعانيها بسبب القصف والتشريد والمجازر، وبالرغم من صحة ذلك كله، لكنه نادراً ما يظهر بصفته أحد عناصر الأحداث (بدءاً من المظاهرات السلمية الكبيرة من الأشهر الاولى للثورة، إلى أشكال التنظيم المدني والتي تم تطبيقها منذ ذلك الحين كي تملأ الفراغ الذي نشأ عن انسحاب الدولة من بعض المناطق)، أو كطرفٍ فاعل في استمرار بقائه اليومي.
19- بالرغم من الصعوبات التي يصادفها الأنتروبولوجي لتحديث بياناته الميدانية، فلا يزال بإمكانه الاعتماد على درايته بالمجتمع السوري وآلية سيره لإضفاء دلالة على الأحداث الجارية، وبالتالي اقتراح إطار تفسيري يتجاوز الأخبار الآنية، ليغوص في العمق الثقافي والاجتماعي والتاريخي للمجتمع. وهذا ما ينطبق على المقاربة الأنتروبولوجية للهويات المذهبية والعرقية التي وُضعت بسرعة في صميم الجدل والتغطية الإعلامية لأعمال العنف في سوريا. إن الأنتروبولوجيا، رافضة كل الخطابات العنصرية، تؤكد بدلاً من ذلك على البعدين السياسي والتاريخي. ومن خلال تحليلها للطائفية كأداة التعبئة والهيمنة والتلاعب أكثر مما هي حقيقة ثابتة خارج الزمان[11]، فإنها تؤكد على أن الانتماءات العرقية أو الطائفية لا تعتبر سوى أحد العناصر المكوّنة للهويات الفردية والجماعية، ولكونها متعددة لذلك فهي تندرج ضمن أنساق اجتماعية وسياسية وعلائقية معقّدة. وتتكوّن هذه الأنساق، وفقا للمكان، من الفترة الطويلة لعلاقات الجوار، سواء كانت جيدة أم سيئة، ومن الأحداث المعاشة جماعياً، من الأخبار القديمة المليئة بالكراهية أو الصداقة، من الغيرة والأحقاد، من استراتيجيات التمايز والإختلاف أو الإنسجام والتوافق، كذلك نتيجة التفاعلات التي تحدث يومياً في الإطار السكني أو المهني أو العام.
فالهويات هي قبل كل شيء ذات صفة علائقية، ولا يمكن اختزالها إلى مجرد أُطُر طائفية أو عرقية، وبالتالي يجب تحليلها في آن واحد في السياق الراهن للواقع،  وفي سياق أعمق وأوسع، أي في التاريخ الاجتماعي سواء المحلي أوالوطني. هذا الاتجاه التحليلي الذي يجمع بين الواقع الملموس والسياق العام، يسمح للأنتروبولوجي بتسليط الضوء على التضامن العرقي وعلاقات الجوار في استمرار الحياة بين السكان المدنيين وفي الانتشار والتعبئة والانقسام الشديد في كتائب الثوار، أولاً في إطار الجيش السوري الحر، ومن ثم في باقي الفصائل المتنافسة المنشقة عنه.
وهكذا يساهم الأنتروبولوجي على الكشف عن قدرة المؤسسات الاجتماعية على الاحتفاظ بحيويتها وتماسكها، مفرّقاً الحالات التي تُسبب تفتيت المجتمع في الحروب ونتيجة لها. إن الحرب في الواقع تصيب المجتمعات وتحوّلها، ولكن ليس إلى درجة فقدان معالمها والقضاء على كفاءة بناها ومؤسساتها الاجتماعية. ومع ذلك فالحرب تساهم في تكوين هويات جديدة، نمت من خلال حركة الاحتجاجات، وحملها جيلٌ كامل من الشباب السوريين لا يزال مصيره معلقاً في معاركهم بصفوف المعارضة.
20- استطاعت الأنتروبولوجيا أن تُظهر تلك العلاقة القائمة بين واقع المجتمع قبل عام 2011 وبين حاضره المأسوي. إنها تشير الى ما كان عليه هذا المجتمع وما أصبح عليه الآن وما هو قابل للاستمرار رغماً عن الدمار. في مواجهة هذه "الواقعية الحالية" لبعض المحللين، تؤكد الأنتروبولوجيا على أهمية اللجوء إلى التاريخ الاجتماعي في دراسة هذا الواقع الراهن المضطرب للغاية والمتجدد باستمرار. في فترة الدراسة، يبدو الحاضر أيضاً كزمن ومكان اتصال وتراكم وتقارب الفترات والإنقطاعات المختلفة. إن هذا "المنهج التاريخي المعاصر" F. Hartog 2003))  يدعم فرضية التعايش لمختلف الأنظمة الزمانية في الحاضر، معارضاً بذلك الفكرة القائلة بوجود انقطاع في النظام الرمزي للمجتمع وعلاقته بالماضي. إنه يسمح لنا بتجاوز حدود قراءة أحادية الإتجاه وأحادية البعد للصراع السوري، تتمحور فقط على العمليات العسكرية والتدمير وتطور علاقات القوة على الأرض، أي تلك القراءة التي لا تأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية والاجتماعية والرمزية والتاريخية في إنتاج "واقع ثوري".
21- كذلك لفت الأنتروبولوجي الانتباه إلى قدرة المجتمع السوري على المقاومة في الوقت الحالي ضد الدمار والتجزئة والتقسيم، وأيضا إلى قدرته على تحديث وتطوير البنى الإجتماعية القديمة وابتكار أخرى جديدة، ليس فقط من أجل الاستمرار والبقاء اقتصادياً، بل أيضاً لبناء حياة يومية قادرة على الاستمرار اجتماعيا وسياسيا ومقبولة بالرغم من العنف على المستوى المحلي ، أي على مستوى الأسرة، أو مجموعة صغيرة من الجيران و الأصدقاء، أو بناية، أو شارع، أو حي، ولكن نادرا ما يكون ذلك على مستوى المدينة أو المنطقة. إن مسألة أشكال الاغاثة والتعاون والتنظيم كالتي تم تطبيقها، بدرجة متفاوتة من الكفاءة وبكثير من الصعوبات، في المناطق المحررة من قوات النظام أو من جهاديي الدولة الإسلامية "داعش"، كل ذلك يثير التساؤلات حول قدرة المجتمع على التماسك، والذي ساعده الصراع على أن ينكشف على نفسه في الوقت الذي يهدد بزواله.
22- هكذا يستطيع الأنتروبولوجي أن يعيد المجتمع السوري إلى صلب تحليل الصراع، مقترحا قراءةً جديدةً بنّاءةً للأشكال التقليدية من الانتماء (الأنساب، مجموعات التضامن، القبيلة، الطائفة، العرق)، مع الأخذ بعين الاعتبار الأشكال الجديدة للحركة والعمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي (شبكات المناضلين والناشطين، لجان التنسيق المحلية، مجموعات الاغاثة، الخ...) والتي انطلاقاً منها يمكن أن تتشكّل مجتمعات سياسية جديدة ونوع جديد من المواطنة السورية.
كما يمكن للأنتروبولوجيا أن تلتقط عدداً من القضايا التي لم يتم تناولها إلا نادراً من قبل العلوم الأخرى كالآليات، على سبيل المثال، التي تشرف على أعمال العنف، سواء كانت فردية أم جماعية: كيف يمكن للمرء أن يقتل، فضلاً عن الأشخاص الغرباء، جيرانَهُ أو مواطنين من أهل قريته الذين يعرفهم منذ سنوات؟ ما هي الآليات الاجتماعية والثقافية التي شكّلت الدافع وراء هذه الجرائم وأعطتها دلالتها؟ كيف تم عمليا تطبيق سياسة رعب خالصة في ميادين المواجهة المسلحة؟ كيف يتشكّل "الوهم التبريري" من قبل الجلادين ووفقا لأية أحكام (سياسية، دينية، أيديولوجية، خرافية)؟
على الأنتروبولوجيا العاملة على المجتمع السوري في فترات الحرب، أن تسمح بتقديم دلالةٍ لما يبدو بعيداً عن التوقع (المجازر، حالات الإغتصاب، الذبح، التدمير، القصف العشوائي)، كما عليها أن تقدّم أيضا عرضاً لأسباب إخفاق العيش المشترك الذي كان يبدو راسخاً في المجتمع، والتحضير لمرحلة ما بعد الحرب وشروط إعادة البناء الاجتماعي التي يجب أن تترافق مع، بل حتى أن تسبق، إعادة البناء المادي.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الانتروبولوجيا وباقي العلوم الاجتماعية المعنية بسوريا في فترة الحرب، هو ما أشار إليه حميد بوزرسلان (2011)، والذي يكمن في فهم هذه الانهيارات والدمار، وإعادة ترتيب الأوضاع، ليس فقط بكونها مجرد حالات من الفوضى، بل أيضا كعناصر يمكنها، في إطار سيرورة طويلة ومؤلمة لا أحد يتحكم بها الآن، أن تتوصل إلى إقامة نظام اجتماعي وسياسي جديد.
المراجع:
[1] باستثناء أعمال الجغرافي آي. إم. بيانكيس (1989) A. –M. Bianquis
[2] الاثنوغرافيا (ethnographie) تعني الدراسة الوصفية لطريقة وأسلوب الحياة لشعب من الشعوب  أو مجتمع من المجتمعات ، واصطلاح الاثنوغرافيا في بريطانيا يعني البحوث الوصفية والتحليلية التي قام بها علماء الانثروبولوجيا البريطانيون حول الشعوب والأقوام البدائية التي درسوها دراسة ميدانية ؛ وبالرغم من أن الاثنوغرافي يهتم  بالدراسة الوصفية للمجتمعات البدائية والانثربولوجي الاجتماعي يهتم بالتحليل البنائي أو التركيبي للمجتمعات البدائية فان هناك ارتباطا وتداخلاً وثيقاً بين هذين العلمين بخصوص الدراسات العلمية التي يقومان بها .(وحدة الترجمة)
[3] حسب أرقام المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) ، تشرين الأول 2015
[4] في آب 2015 تعتبر سوريا مقسمة بشكل عام إلى أربعة مناطق متباينة الحجم: تلك التي تسيطر عليها قوات النظام، والمناطق التي يسيطر عليها الثوار السوريون والفصائل الاسلامية المعتدلة، وتلك التي سيطر عليها تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام "داعش"، وأخيرا المناطق الواقعة تحت سيطرة الأكراد.
[5] راجع على سبيل المثال: A. Moussaoui(2001, 2006) et M. Velcic‑Canivez (1994)
[6] أشير خصوصا إلى التحقيقات التي أجريت عام 2013 في حلب من قبل: A. Baczko, G. Dorronsoro et A. Quesnay، أو تلك التي أجريت في ظروف بالغة الشدة عام 2015 من قبل: R. Huët
[7] كما أشار إلى ذلك عالم الانتروبولوجيا موساوي أثناء عمله الميداني خلال الحرب الاهلية في الجزائر: (A. Moussaoui, op. cit.2001, p. 55).
[8] راجع بشكل خاص أعمال : C. Boex (2012, 2014)
[9] راجع الأبحاث الراهنة التي قام بها باحثون من مختلف العلوم في الأردن (مريم عبابسة، كامل محمد دراي، جلال الحسيني)، وفي تركيا (آر. جوبيرت)، وفي لبنان (جان بابتسيت بيسكيه)
[10] أشير خصوصا إلى مقالات كارولين دوناتي Caroline Donati  وأيضا إلى تحقيقات كل من Garance Le Gaisne و Jean‑Philippe Remy التي أجريت في حلب.
[11] راجع أعمال G. Châtelard حول المسيحيين في الأردن (2004)، وبالنسبة لسوريا الأعمال الراهنة لـ Anna Poujeau G

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top