حنان الشيخ عن الطيب صالح و”موسم الهجرة الى الشمال”

3:12:00 م



ما الذي حدث لتلك الشخصية الأكاديمية حين هاج الحنين وعربد فاذا بها تطفو من قاع النهر حيث طُمرت لسنوات طويلة لتجد نفسها فجأة على سطح الماء وجها لوجه في مواجهة الشخصية الثانية التي حلّت محلها، شخصية المزارع في قرية على ضفاف النيل في السودان، المتزوج من إمرأة قروية انجبت له اثنين من البنين؟ ألم يكن رجلا أكاديميا عاش في لندن وحاضر في جامعاتها بعد أن أتمّ دراسة الاقتصاد في أوكسفورد واشتهر بنبوغه، وألّف ونشر الكتب وقرأ الشعر الانكليزي وشاهد مسرحيات برنارد شو واستمع الى پيتهوڤن وارتاد حانات همستيد وتشيلسي وجمع النساء الانكليزيات ليتحلقن حوله وكأنهن مجرد حُبيبات في مسبحة له، فتسقط أكثر من حبة منهن في ظروف غامضة ومأساوية؟
أنهما شخصيتان لإنسان واحد، تبحثان عن هوية واحدة في رحلتهما ما بين الشرق والغرب، ولكن الحضارتين العربية والغربية تصارعتا في داخله فدار العراك بين الشخصيتين بحثا عن حقيقة صاحبهما أمام الحياة وشباكها، علما بأن جوهر الشخصيتين هو الانسان نفسه، والانسان سيتفاعل حتما مع كل وسط يجد نفسه به سواء أكان هو الذي اختار ظروف الحياة أم لم يخترها.
اني أتحدث عن شخصية مصطفى سعيد في رواية الطيب صالح “موسم الهجرة الى الشمال”، وهي الهجرة التي اتخذها مصطفى سعيد عام 1924 من جنوب السودان الى شمال أوروبا، الى انكلترا، والى لندن بالذات، مرورا بالقاهرة، ليعود كالطيور التي تتوق الى الشمس بعد سنوات طويلة الى بلاده ليستقر في قرية على ضفاف نهر النيل في شمال السودان. إذ كانت مسقط رأس الراوي الذي لا اسم له، والراوي نفسه كان قد سافر هو الآخر الى لندن سنة 1956 لتلقي تعليمه الجامعي ثم عاد الى قريته والى البيئة التي جبلته في طواياها وقد حمل بين أضلاعه غربة وهجرة داخلية. وهكذا بدا وكأن مصطفى سعيد والراوي، نخلتان اقتلعتا من تربة السودان وزرعتا في الأرض الانكليزية لزمن ما، لتعودا بعد حين الى تربتهما الأصلية ولكن بعد فوات الأوان، فقلب الشمس اللاذعة السخونة بات باردا كالصقيع في أعينهما.
الروائي الطيب صالح من مواليد 1929، مؤلف “موسم الهجرة الى الشمال”، “عرس الزين”، بندر شاه”، “مريود”، “دوم ود حامد” ترك بيئته في سن مبكرة والتحق بمدرسة اعدادية وثانوية وجامعية في شتى مناطق السودان وعمل في احدى مديرياتها قبل أن يرحل الى لندن عام 1952 ويعمل في الاذاعة البريطانية – القسم العربي، ويستقر فيها لمدة طويلة بعيدا عن السودان، إلا انه ظل في نفسه قريبا منها، إذ أخذ يكتب عن عشيرته وعن دفء الحياة فيها، فأصبحت الكتابة جسرا بينه وبين البيئة التي تركها. درس الطيب صالح في “الخلوة” أو مدرسة الكتّاب القرآن والقراءة والكتابة، تعلّم أن حرف “الألف” الأول من الحروف الأبجدية على الرمل، وصار يشرب لبن البقرة من سلالة البقر التي شرب منها أجداده، يسمع المداحين الذين يمدحون الرسول بأرخم الأصوات، ويساعد في الزراعة وسقي الخضراوات والنخيل، ويتحلق حول الذين يتلون الموالد في أيام الذكر والأعياد الدينية، حول الذين يقرعون الطبول، ويستمع الى الحكايا الشعبية والأساطير والشعر ويّطرب للغناء الذي كان يصدح به ناقلو التمر. وفي لندن وعندما دبّ به الشوق الى عائلته اكتشف انه افتقد كل من في قريته والقرية المجاورة، إذ كان أهاليهما جميعهم ينتمون الى أسرة واحدة.
ما زلت أذكر قراءتي الأولى لـ”موسم الهجرة الى الشمال”، كنت في العشرين من عمري، وأقبلت على مطالعته بكل جوارحي، اذ شدّني الخيال الخصب لهذه الرواية واسلوبها الجميل الذي يخاطب الحواس، فنحن لم نكن قد اعتدنا من قبل على مثل هذه الكتابة التي تتدفق حيوية وذكاء وتهكما، كما هزّ مشاعري ذلك الشعر المستخدم وتوظيفه كأنه النثر، أسلوب أشبه بالمونولوج وكأنه يصف حالة نفسية، ولغة تتراوح بين العامية والسودانية والفصحى البسيطة فاذا بي أقف أمام رواية نفاذة وشفافة في آن واحد.

موسم_الهجرة_الطيب_صالح.jpg
يبدو لي كأن الطيب صالح جمع كل تراث الروايات العربية من قبل وكوّمها حتى اصبحت هرما وتركها خلفه، ليتقدم بكل صفاء يُحسد عليه ويبتدئ ببناء هرم خاص به شيّده فوق أرضية من القرآن ومن الطفولة، من الخيال ومن أحاديث الكبار حوله وراح ينسج نسيجا يتفرد به، فينقلني الى تلك القرية السودانية التي يصفها بجمل منسابة كأنها النيل، يسير حاملا معه أغصان الشجر الرقيقة وأعشاش العصافير، حاملا معه الحياة، لأجد نفسي، أنا القارئة كذلك النهر، أنساب مع الكلمات بلا ملل ولا كلل على خلاف ما كنا قد اعتدنا عليه في معظم الروايات العربية في وصف وديباجات وصفحات طويلة، فها هو ينقلنا الى اللُب، الى الجوهر، جملة واحدة على لسان إحدى الشخصيات فينفرج التاريخ، الماضي والحاضر في ذهني بهجة لم أعتد عليها في الروايات العربية باستثناء قلة نادرة فهي لم تكن خطابية بل كانت خالية من الحماسة والايديولوجيا حتى في الحديث عن الاستعمار والتقهقر والفساد. فكأن الحديث كان ينساب من عين تراقب ما يحدث بصمت موجع، كأن العين تحولت الى لسان قرر أن يبلع نفسه.
أذكر اني حبست أنفاسي وأنا أقرأ الرواية، تنهدت طويلا، وهاج بي الشوق الى أشخاص من محيطي وعائلتي كنت قد أقصيتهم بعيدا عني بحجة أنهم ليسوا عصريين، لا يتماشون مع أفكاري ولا تسريحة شعري ولا الشِعر الذي أقرؤه أو الأغاني التي أسمعها. وجدتني أعتذر من هؤلاء وأضمهم الى صدري، ولو عن بعد.
فالذي قرّبني من أشخاص من محيطي هو ما قرأته عن بعض شخصيات هذه الرواية، كتلك المرأة “بنت مجذوب” التي كانت تجلس في مجلس الرجال بكل ثقة وتتحدث معهم عن الجنس والفحولة “الرجل الماعنده همّة تصبح له همّة” وتقسم مثلهم بالطلاق وتنفث دخان سجائرها كما ينفثون بل وتشرب الخمر في الأمسيات ومع ذلك فهي تقية، مؤمنة، تستغفر الله، “استغفر الله، أضحكتمونا يا جماعة”.
أذكر عندما وصلت الى نهاية الرواية اني وقفت خلف الباب في بيتنا خشية أن يراني أحد وأنا أضرب صدري وأهزّ رأسي بعنف كأني أحاول أن أطرد ما قرأت عن حُسنة أرملة مصطفى سعيد وأجبر مخيلتي لأن تظل في غرفة نوم مصطفى سعيد وهو في لندن يقبل ويعانق جين موريس قبلة طويلة وهي تشبك ساقيها فوق ظهره!
” إذن يستطيع الكاتب أن يكتب ما يشاء”؟
هذا ما قلته لنفسي اذ قلّ ما كانت الروايات العربية في منتصف الستينات تقول الحقيقة من غير مواربة، حقيقة الجنس والمجتمع من غير أن تُمنع وتُصادر، فالروائية اللبنانية ليلى بعلبكي صودرت مجموعتها القصصية “سفينة حنان الى القمر” عام 1964 وقُدمت الى المحاكمة في بيروت وفعلا تم منع رواية “موسم الهجرة الى الشمال” في الكويت وبلاد أخرى وحظر تعليمها في السودان بتهمة أنها تتضمن ألفاظا وعبارات منافية للآداب العامة. وقد تكرر هذا الموقف من الرواية بعد ثلاثين عاما وفي مصر بالذات إذ عندما أراد مدير الجامعة المصرية منع تدريسها انبرى له استاذ الأدب العربي محتجا “كيف، هذه الرواية واحدة من أهم النصوص العربية”؟
لقد تخلل النص “الفحش” من الكلام الصريح عن الجنس بين بنت مجذوب والرجال في سهرة، وكان حوارها معهم ذو النبرة الصريحة من صلب الموضوع، منسجما غاية الانسجام مع روح الرواية، وقد ساهم في فهمنا لمنطق رجال القرية وعلاقة الرجل بالأنثى وبالزواج والحب والجنس في مراحل الشباب والشيخوخة. الوصف الذي وصفته بنت مجذوب سواء لعضو الرجل وعن لذتها الجنسية وهي شابة، أضفى على النص واقعية وطبيعية وفطرة وأثار ابتساماتنا. والطيب صالح لم يتردد ولم يردع نفسه في الكتابة عن الجنس، فهو قد جاء الى الكتابة من خلفية مثقفة، كان يعلم ان “الفحش” في الكتابة والكلام ليس غريبا على التراث العربي ولا على الشعر العربي الجاهلي، خاصة ان بنت مجذوب لها هيبة واحترام بين الجميع. فالجنس هو من طبيعة الحياة في البيئة السودانية خاصة في البوادي والريف حيث اعتاد الناس رجالا ونساءً الصراحة في الحديث عنه.
وأنا كقارئة لم أكن قد وقعت على رواية عربية قبل “موسم الهجرة الى الشمال” تتناول الحديث عن الجنس بهذه الصراحة الجميلة والجريئة، ذات النزعة الانسانية المنفتحة، وكم أسعدني حين أيقنت أن الدهشة لابد أن تعقد لسان القراء الغربيين أمام هذا التناول الصريح للجنس عبر سهرة ليلية في تلك القرية حيث الأهالي يصلّون ويصومون ويتبعون تعاليم الدين.
أن تأثري الشديد بـ”موسم الهجرة الى الشمال” شبيه باكتشاف مذاق الشوكولاتة أو الركوب في الطائرة لأول مرة ورؤية مدينة البندقية للمرة الأولى. لقد كانت رواية مجبولة بالحداثة وبكل ما هو جديد في زمنٍ كانت فيه معظم الروايات العربية تنوء تحت وطأة الاقتباس والتقليد والتأثر الشديد بالأدب الأجنبي المعاصر. ولئن كانت أعمال نجيب محفوظ قد قربتنا من الزمن الذي نعيش فيه سواء على الصعيد الاجتماعي أم السياسي إلا أنها اتسمت بلغة كلاسيكية تميل الى الجمود. ولا أنكر هنا أهمية أعمال يوسف ادريس، فضلا عن أعمال جيل من كتّاب الستينات في مصر الذين أقدموا على التجديد والواقعية، وقطعوا فيهما شوطا بعيدا، إلا أن “موسم الهجرة الى الشمال” قفزت بفن الرواية العربية الى مكانة عالية لما فيها من جمال وجرأة، وغطّت بحداثتها الأصيلة على الأدب الذي كان يتحدث عن الوجودية ودحان السجائر والضياع في أساليب سوريالية حتى الكتب الأجنبية التي قرأناها بترجماتها الى العربية من قبيل “البحث عن الزمن الضائع″ لمارسيل پروست، “الصخب والعنف” لوليم فولكنر و”بين مدينتين” لتشارلز ديكنز فهي في الحقيقة ذات مناخات أجنبية، فأشجارها ليست بالنخيل ولا الزيتون أو الصنوبر، بل أنهارها هي “السين” و”التايمز″ و”المسيسيپي” ، لذلك جاءت رواية “موسم الهجرة الى الشمال” وكأنها قطرة للعيون، مبتكرة ترينا كل شيء بوضوح انما بألوان أخرى وتجعلنا نلمس ونستشف كل شيء، فقد أخذتنا الى السودان، الى البلد العربي الذي اقترن دائما بمصر لتسلط عليه الأضواء، هذه المرة بمفرده، كما نقلت الينا الشعر الذي انسابت كلماته أحيانا كالنسيم كأنه يلقي التحية على البشرة بكل نعومة ويغادر. وأحيانا يهدر كفيضان مياه النيل. أخذتنا الى السودان لتجمعنا هذه الرواية معا في وحدة متماسكة كما أراد أن يفعل بنا الرئيس المصري جمال عبد الناصر في الخمسينات حين أراد أن يوحّد البلاد العربية!
وكنت قبل هذه الرواية أرى السودان في بعض السودانيين الذين تنقلوا في البلاد العربية ومن بينها لبنان، وأعرف أن العرب أنفسهم فيما مضى أطلقوا عليهم هذا الاسم لأن لونهم كان يميل الى السمرة الداكنة. كانوا يقفون، بل كان بائع الفستق السوداني يقف، بقامة شامخة ونحيلة بمحاذاة الجدران في المناطق المزدحمة في بيروت ذات الأضواء الساطعة والأغاني العربية والأجنبية الصادحة من السيارات وأنوار المسارح ودور السينما والمكتبات، فتراه يختار المكان الأكثر انزواءً وهدوءا، ربما لأنه في قرارة نفسه كان يعرف عنصرية أخوانه العرب. كان دخان محمصته المستديرة العالية والتي كانت تحمّص الفستق السوداني يتصاعد في الهواء، وكانت أسنانه بيضاء وكأنها اللؤلؤ وبياض عينيه بدا واضحا وهذا ما كان يستوقفنا لنشتري منه الفستق من غير أن نتبادل معه كلمة واحدة، ولا نستفهم ولا نتعجب لوجوده بيننا، هو القادم من البلاد البعيدة عنّا نسبيا، فقط قطعة النقود المعدنية هي التي كانت تنتقل من كفنا الى كفه بكل صمت.
في الرواية نفسها، يطلق أهالي القرية الوديعة على ضفاف النيل لقب الغريب على مصطفى سعيد، رغم أنه من السودان، ورغم أنه استقر بها وتزوج من احدى بنات عائلاتها. “غريب”، لأنهم كانوا يجهلون أصله وفصله، أو بالأحرى يعرفون انه مقطوع بلا أصل، لذلك قيل عن قبيلة زوجته “تلك القبيلة لا يبالون لمن يزوجون بناتهم”، و”قبيلة لا يأتي منها إلا الشر”. نلمس هذا الشرخ والطبقية في المجتمع السوداني ثم تتحول في الرواية الى روح عنصرية أثناء المرحلة الاستعمارية في السودان ثم خارجها في انكلترا، لندن بالذات عندما قال له أحد الأساتذة “أنت يا مستر سعيد خير مثال على أن مهمتنا الحضارية في أفريقيا عديمة الجدوى، فأنت بعد كل المجهودات التي بذلناها في تثقيفك كأنك تخرج من الغابة لأول مرة”.
وعندما قالت له النساء “أريد رائحتك كاملة، رائحة الأوراق المتعفنة في غابات أفريقيا، رائحة المانغو والپاپاي والتوابل الاستوائية”، “لسانك قرمزي بلون الغروب في المناطق الاستوائية”، “أمي ستجن وأبي سيقتلني اذا علما اني أحب رجلا أسود.. ولكنني لا أبالي”، “أنت بشع، لم أر في حياتي وجها بشعا كوجهك”. شعرَ مصطفى سعيد، الشاب النابغة باختلافه الشديد عن هذا المحيط الانكليزي، وكان ملفتا للأنظار أينما حلّ في لندن فراح يجهر باعتزاز بكل مكوناته ويعيد: “نعم هذا أنا، وجهي عربي كصحراء الربع الخالي، ورأسي أفريقي يمور بطفولة شريرة”، “وجاءت لحظة أحسست فيها اني انقلبت في نظرها مخلوقا بدائيا عاريا يمسك بيده رمحا وبالأخرى نشابا، يصيد الفيّلة والأسود في الأدغال”.
مأساة مصطفى سعيد انه أكتمل وأصبح انسانا غريبا عن نفسه “ان الانكليز الذين يحكمون بلاده يهمهم أن يخرّجوا نخبة سودانية تدين لهم بالولاء”. وُضعَ في قالب حتى يصبح “الانكليزي الأسود”، لكنه فكّر في الأمر جيدا ورأى انه اذا أراد فعلا أن يصبح انسانا جذابا في أعين الانكليز فأن التناقض هو الطريقة التي عليه اتباعها، أن يسترجع السوداني، العربي، الأفريقي فيه، من أجل الأذرع الانكليزية البيضاء، ولكن العيش باستمرار في الكذب والتأرجح بين العالمين زاد من تناقضاته ولم يعد يعرف كيف يعيش في الحياة.
ولم نكن قد قرأنا من قبل الروايات العربية الكثيرة التي أخذتنا الى الغرب باستثناء “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم عام 1938، و”قنديل أم هاشم” ليحيى حقي عام 1944 و”الحي اللاتيني” لسهيل ادريس في الخمسينات، فكنا نقرأ آنذاك عن العلاقة بين الشرق والغرب في حدود ارتباك الكاتب وهو يصور منظر متعانقين في الشارع “الحي اللاتيني”، بينما يقتصر احتكاكه بالمرأة الأجنبية على رؤية عاملة في شباك تذاكر السينما فقط في”عصفور من الشرق”.
لذلك عندما أطلّت علينا رواية “موسم الهجرة الى الشمال” أرتنا وكأنها “صندوق الفرجة” بلاد الانكليز، لندن بالذات لا لتدخلنا الى بيوتها وحاناتها بل الى نفس وروح أفرادها، حيث نرى تاريخنا وبلادنا العربية، والكاتب يصفها للمرأة الانكليزية، فيقع وصفه الأخاذ علينا كما يقع على المرأة، وكله اغراء، فاذا بنا نرى أنفسنا بعدسات أعينهم وخلجات قلوبهم، وكأنهم يتمددون أمامنا على طاولة التشريح فنرى تعقيداتهم وبساطتهم الى أن يحين دورنا فنتمدد أمامهم نحن هذه المرة فيلمسون تعقيداتنا وبساطتنا.
قراءة ثانية لـ”موسم الهجرة الى الشمال”، منذ أسابيع، واذا بي أكتشف أن النجوم التي أضاءتها الرواية في قلبي منذ زمن طويل ما تزال وكأنها لم تفارقني. أنها النجوم التي تلتمع وتختفي وكأنها نجوم الألم والتي ندعوها “نجوم الظهر”، لا أعرف لماذا نسميها بهذه التسمية، هل لأن الشمس في كامل أوجها عند الظهر توازي حدّة الألم الذي تركته هذه الرواية في نفسي؟ فهذه الرواية تنقل صقيع الغرب وسخونته مثلما تحمل الينا الصحاري كما تحمل محطة “شيرينغ كروس″ الخضرة الداكنة والضباب.
صدرت هذه الرواية عام 1966 في مجلة “حوار” ثم ككتاب في بيروت. فظلت منذ ذلك التاريخ محورا للحديث بين الأكاديميين وتلامذة الجامعات في العالم العربي والغربي على حد سواء.
في الدراسات الأفريقية، العربية، في علوم الاجتماع والانثربولوجيا، في العلوم السياسية والاستشراقية والتاريخية ظلّت كالبلّورة تحت أشعة الشمس تظهر بألوان مختلفة، يضاف اليها الجدل والبحث والرؤية المتفردة لكل من يعالجها، فتعلق صديقة كاتبة: “موسم الهجرة هي كبيض الديك.. الذي يبيض مرة كل 50 عاما”.
قراءة ثانية لـ”موسم الهجرة الى الشمال” جعلتني أتساءل، أية رواية قبل هذه جعلتنا نرى الهوة بين العالمين العربي والغربي بهذا الشكل الدرامي؟ اذ درجت الروايات الأجنبية على تقديمنا وكأننا من الأساطير، كأننا لن نفارق غرف الحريم التي تهمس جدرانها بالأسرار. أية رواية عربية قدمت الشخصيات النسائية كما هي في الواقع، بعضها مقموع في الوجود وبعضها ثائر وبعضها “أخذت حقها بعد أن قتلت غيرها ثم انتحرت”
أية رواية عربية قبل هذه استندت على هذا النحو من الدراسة وتقصي الحقائق واستخدمتها بمهارة وذكاء، كيف عرف الطيب صالح ماذا يفعل بكل صفحة، بكل مقطع ويجعلنا نشعر بالنشوة؟
انه ضم روايته بحنو بين ساعديه ولم يدع جملة واحدة تتسرب اليها زائدة من غير حساب أو تنسرب منها ناقصة بدون توقيف. لقد جئت أنا أيضا لأعيش في لندن كالروائي في الرواية وكبطلها مصطفى سعيد وان اختلفت ظروف قدومي. جئت هربا من الحرب اللبنانية أواخر 1975 وفي حضني ابنتي وكان عمرها أربعة أشهر وابني وكان يكبرها بعامين وقرأت حينذاك مقالا نقديا في صحيفة “الصاندي تايمز″ عن “موسم الهجرة الى الشمال” وقد ترجمها الى الانكليزية المترجم المستشرق دينيس جونسون ديڤيز، الذي قال لي منذ وقت قريب ان الرواية كتبت بسلاسة نادرة، لدرجة انه عندما جلس خلف الآلة الكاتبة يترجمها شعر بنفسه وكأنه ينطلق معها بسرعة فائقة.
ذلك المقال النقدي الايجابي جعلني أشعر بأن لندن تفتح لي ذراعيها مستقبلة، وتزيل عني صقيع الغربة الذي كنت أحس به في الشقة المفروشة وتهوّن عليّ صدى صخب المعارك الذي كان ما يزال يدوي في أذني.. “بالنيابة عن البلاد العربية بأجمعها أتقدم منك بالشكر”. وجدت نفسي أخط هذه الجملة في رسالة شكر الى كاتبة ذلك المقال النقدي جيل نيڤل التي توطدت بيني وبينها صداقة إثر تلك الرسالة.
أخبرت الطيب صالح عن رسالتي هذه، عندما جمعنا مؤتمر في هولندا. ضحك طويلا، ثم رحنا مع آخرين من الكتّاب العرب، نقرأ للهولنديين بعضا من أعمالنا. وشاء الطيب صالح أن يقرأ صفحات من “موسم الهجرة الى الشمال”. أنصت له بكل جوارحي وأخذت مشاعري تتهاوى بي وكأنها على مركب في النيل الهادئ. الراوي يتحدث عن نفسه ويتحدث عن مصطفى سعيد، وهما معا ثمرة التربية الانكليزية. واذا كان مصطفى سعيد يمثل سودان العهد الانكليزي فالراوي هو ابن السودان ما بعد الاستقلال. يخرج الراوي من نفسه ويدخل أعماق مصطفى سعيد ليصبح هو باطنه ومن ثم يعود من خلال مصطفى سعيد الى نفسه. كأنهما معا الأصل والظل، الأصل والصورة.
والراوي إذ يبحث لدرجة الهوس في نفسية مصطفى سعيد انما يبحث عن حقيقته أيضا أو عن نصفه الضائع. صلاتهما تطغي على فوارقهما، مصطفى سعيد يقدم سيرته الى الراوي بكلام أشبه بالمونولوج والراوي يكمل سيرته الذاتية وكأنه يناجي نفسه. وبهذا ينفتح باب القصة من ماضي مصطفى سعيد الى حاضر الراوي، وكأنهما معا يكملان القصة في الحاضر. لذلك كان لقاؤهما ضروريا كولادة كل منهما. وكأن مصير حياتهما تأثر بهذا اللقاء وأخذ ذلك المنعطف المأساوي، رغم ان الراوي عندما عاد الى السودان بعد دراسته عاد من أجل التواصل بينه وبين بيئته، ومصطفى سعيد عندما عاد الى السودان عاد من أجل أن يحاول أن ينتمي الى بيئة ما.
ماضي مصطفى سعيد في لندن هو ماضي المنتقم من الاستعمار، انتقام من خلال النساء اللواتي استدرجهن ووقعهن في غرامه وساهم ولو بطرقٍ غير مباشرة بدفع بعضهن الى الانتحار وقتل واحدة منهن. هكذا التحمت الآراء منذ صدور الرواية الى يومنا هذا، حتى دُمِغت في العقول وأدرجت في أوراق البحث عن اصالتها وكأنها عملة مصكوكة. خاصة ان النص في الرواية يعترف أكثر من مرة بمقولة مصطفى سعيد “اني أسمع صليلا في قرطاجة.. خيل اللنبي وهي تطأ أرض القدس.. وبالليل أواصل الحرب بالقوس والسيف”.
لكن شعوري تجاه مصطفى سعيد مختلف، هو الذي ولد بعد وفاة والده الذي كان من قبيلة بين مصر والسودان، من أم مسترقة (من رقيق) أي أنها انتزعت عنوة من بيت والديها. لم تدر عاطفتها على ابنها لسبب لا نعرفه “كان وداعنا لا دموع ولا قبل ولا ضوضاء، مخلوقان سارا شطرا في الطريق معا ثم سلك كل منهما سبيله”. عندما قرر الاستعمار بسبب ذكائه الحاد أن يحضنه ويثقفه اذا به في لندن وهو في الخامسة عشرة من عمره بعد اقامة سنتين في القاهرة. القاهرة ولندن وكل ما هو يبعد عن السودان كان بمثابة امرأة، أنثى، فوجد نفسه ينغمس في العلاقات الجنسية، في بياض المرأة الانكليزية، هو المكبوت ككل أبناء قومه، رغم اعتزازهم جميعا بفحولتهم الذكرية!
واذا اختار أن يجلبهن الى فراشه برائحة الصندل المحروق “ومرايا كبيرة اذا ضاجعت المرأة بدا كأني أضاجع حريما كاملا في آن واحد”. فقد اختار هذه الطريقة لأنها الطريقة المثلى في وضعه، كما يختار غيره من الرجال طرقا أخرى. فالرجل هو الصياد، ولا ننسى ان المرأة هي صيادة أيضا. فقد انجذبن اليه لكونه عربيا أفريقيا، أحببن كلامه المعسول وبدا لهن انه يحمل بين طيات جسمه الأسمر عوالم أخرى، أردن أن ينصهرن معها ولو لساعات اذ كانت غريبة عن عوالمهن، كالثمرة الغريبة التي تغري بالمجهول اللذيذ. رغم ان مصطفى سعيد اكتسب نضجا علميا، إلا انه بقي على المستوى العاطفي والاجتماعي بارد الأحاسيس، اذ انه اقتلع في سن مبكرة من بيئته السودانية قبل أن يدرك تماما ما هي بيئته، قبل أن يتعلق بها، وجيء به الى بلاد باردة بعيدة، يعج بها أناس مستعمرون بلاده. ولكنه عرف في قرارة نفسه انها بلاد الجنس الحر، وان بلاده هي بلاد الجنس المحروم والمحرّم. بلاد ختانة البنات، بلاد تخاف من لذة المرأة ومن رفاهية مشاعرها. عندما مالت اليه النساء، أحس بأنهن يطلبن لونه وجسمه، ولربما أحس بأن ما يطلبنه في الفراش هو عين ما كان يهرب منه، اذ كان يعرف تماما قسوة الرجل الشرقي حيال الجنس والمرأة، ويفهم عقدة الرجل وشكوكه وكيف انه اذا ضاجع امرأة فقد أسدلت الستارة على علاقتهما المنتهية لأنها لم تكن مبنية على حب أو زواج بل على شهوة حسيّة، مادية “أنت يا سيدتي قد لا تعلمين ولكنك مثل كرنارفون حين دخل قبر توت عنخ آمون”.
كأن الفراشة الانكليزية الباردة اقتربت من الدفء الذي كان بين ضلوع العربي، الأفريقي، فيما هو اقترب من برودة الفراشة من أجل أن يتأكد بينه وبين نفسه انه يملك بين شرايينه الأسلاك الكهربائية القوية حتى وان كان في بلد يقل أهمية عن بلد الفراشة غير ان هذا التناقض الذي جمع مصطفى سعيد بالنساء الانكليزيات في فراش واحد لم يحتمل كل هذا التنافر، اذ ان الالتحام الجسدي لا يستطيع أن يصبح التحاما حقيقيا اذا جاء من دون خلفيات وتفاهم وانسجام، لذلك بقي مصطفى سعيد الفارس العربي الأفريقي يبحث في صحاري الجليد، عن الواحة في المرأة الانكليزية فيجدها سرابا فيعود الى ترحاله، وبحثه من جديد.
لكن وعندما حدث الحب واختارته امرأة أخيرة طلبت منه الزواج فتزوجها، كانت هي أقرب منها الى الرجل بتصرفاتها ومزاجها، أو أنها تقصدّت هذا لأنها علمت من أين أتى مصطفى سعيد والى أين سيذهب بعلاقته معها، ابتدأت المأساة.
أما الراوي ابن الاستقلال الذي عاد الى قريته من بلاد المستعمر الماضي، من بلاد التحضر فور نيله درجة الدكتوراه من لندن، لأن الاشتياق الى أهله قد عصر قلبه، فسرعان ما اكتشف عندما حلّ بينهم ان السفر قد غطّسه في ماء الحيرة وزعزع انتماءه الى بيئته، علما بانه عاش في لندن في سلبية وعزلة تجنبا للمشاكل ولم يشأ الزواج من فتاة انكليزية، لقد وجد الهوة بينه وبين أهله وأبناء قريته تزداد اتساعا، اذ لا تزال التقاليد المتزمتة اياها قائمة وما زالت بلاده تنوء تحت الفقر وان لم يعد الاستعمار موجودا “كنا مرتاحين أيام الانكليز″، “كل هذا يدل على انكم لا تستطيعون الحياة من غير استعمار قال له ريتشارد”.
يعيش الراوي عالمين متناقضين، عالم الكتب والحداثة، وعالم أهالي القرية وأحيانا خرافاتهم حيث ما زال المرء يقسم بالطلاق من أجل أن يقنع الآخر بتناول كوب من الشاي، يعيبون على امرأة مصطفى سعيد “لأنها امرأة المدن” ومع ذلك يتحدثون بالجنس بكل صراحة. يسألهم عن موسم التمر فيجيبونه ولكنه يعرف أنهم يكذبون كالعادة حين يتحدثون عن أرزاقهم “وأنا أدرك أن الأمر خلاف ما يزعمون”. شعر بالعزلة عنهم وأصبحت علاقته بهم علاقة إسمية، رغم تعلقه بجدّه الذي بقي ثابتا في علاقاته وهو الذي يبث فيه طمأنينة الماضي “حين أعانق جدي، أشعر بالغنى، كأني نغمة من دقات قلب الكون نفسه”. يستنشق رائحة جده “الفريدة التي هي خليط من رائحة الضريح الكبير في المقبرة ورائحة الطفل الرضيع″.
شعر الراوي بالتعددية في المجتمع، اذ طبقات جديدة خاصة في المدن قد نبتت، كان من الصعب عليه أن يتعلم في الغرب مبادئ المساواة والحرية، لكنه لا يستطيع تطبيقها عندما عاد الى بلاده. نجده يدافع عن حُسنة “كانت أعقل الناس″، يضحك عليه محجوب “تبكي كالنساء، أما الله عجايب، حب ومرض وبكاء”.
وعندما يدين الراوي عادة الختانة لدى النساء “أي اسلام هذا؟ اسلامك أنت أو اسلام حاج أحمد.. فنجزهن كما نجز البهيمة”. ويرتعش غلا وهو يستمع الى موعظة أحدهم “أنت تعرف نظام الحياة هنا، المرأة للرجل والرجل رجل ولو بلغ أرذل العمر”. ولا يستطيع أن يتجاهل جملة وُجهت اليه “قبيلتكم لا تتزوج إلا مرة واحدة” ولم يزن خطر هذه الجملة إلا عندما حصلت المأساة التي كان باستطاعته تفاديها لو انه كان من قبيلة أخرى يتزوج بها الرجل أكثر من امرأة واحدة، لكان تزوج حُسنة ولو صوريا كما طلبت خوفا من أن تُزوج الى الرجل العجوز الثري.
هل الشرق هو الذي ينبغي على العربي أن يحتضنه بين ضلوعه وينسى الغرب تماما، أو بالأحرى أن يظل المرء حيثما ولد وترعرع؟ كما أراد مصطفى سعيد لولديه، والذي ظن أنه يطوي صفحة على ماضيه وعلى ترحاله ليرتبط بالأرض والقيم المحلية محتفظا بما تعلمه من الثقافة الأجنبية العملية فقط كالحسابات والاقتصاد الخ. وأخذ يعمل في الأرض ويدفن فيها كل عوالمه الماضية الى أن عاد الراوي الى القرية حاملا معه رياح لندن فزلزل ما كان قد أقنع مصطفى سعيد نفسه به ليقر ويعترف للراوي “لا جدوى من خداع النفس، ذلك النداء البعيد لا يزال يتردد في أذني، لقد ظننت أن حياتي وزواجي هنا سيميتانه، لكن لعلّي خلقت هكذا، أو أن مصيري هكذا، مهما يكن معنى ذلك، لا أدري أنني أعرف بعقلي ما يجب فعله، الأمر الذي جربته في هذه القرية مع هؤلاء القوم السعداء، ولكن أشياء مبهمة في روحي، وفي دمي تدفعني الى مناطق بعيدة، تتراءى لي ولا يمكن تجاهلها واحسرتي، اذا نشأ ولداي، أحدهما أو كلاهما فيهما جرثومة هذه العدوى، عدوى الرحيل”.
ثم يتوسل الى الراوي من جديد “اذا نشأ مشبعين بروائح هذا البلد وألوانه وتاريخه ووجوه أهله وذكريات فيضاناته وزراعاته فان حياتي ستحل مكانها الصحيح كشيء له معنى”.
لكن لماذا اختار مصطفى سعيد الراوي ليكون الوصي على زوجته وليس آخر من أهالي القرية؟ اختار العلم واختار المعرفة والانفتاح والسفر والشجاعة. فالراوي يحمل أفكارا مثل أفكاره وهو الذي سافر وخاص التجارب هو الذي يستطيع اسداء النصائح المفيدة لولديه ولزوجته من بعده. ربما وجد مصطفى سعيد نفسه مستعدا ليذهب الى حيث ذهبت زوجته المرأة الانكليزية الأخيرة في حبيبات السبحة عندما قالت له “تعال، تعال معي، ولا تتركني أذهب وحدي”.
الراوي مصطفى سعيد وكاتبة هذه السطور ـ كلنا نتأرجح بين الشرق والغرب، كلنا ضائعون في هويتين، في عالمين، بين الذي كوّننا وبين الذي نعيش في كنفه ونحاول أن نتمثل به والذي حتى اذا أبعدناه عنّا هو كالدبق لا يفتأ يلتصق بنا.
اننا في الغرب نشتمّ حين يهطل المطر رائحة قرانا تماما مثلما اشتمها مصطفى سعيد أم تراه الراوي؟ واذا ما سمعنا الطيور تغرد فاننا سنردد مع مصطفى سعيد والراوي “في أخريات الليل، كانت الأصوات الأجنبية تصل الى أذني كأنها أصوات أهلي هنا، أنا، لابد من هذه الطيور التي لا تعيش إلا في بقعة واحدة من العالم”.
وأخيرا يا سادتي ما يحدث الآن بين الشرق والغرب، يعزز أهمية هذه الرواية، اذ هي تقرّب الشعوب من بعضها في زمن يتعثر في الانحدارات واختلاف وجهات النظر حتى العداء، وأعتقد اننا كلما أطلعنا على ما يساهم في تفرقتنا واختلافاتنا كلها ازداد تفهمنا لحضارة كل منا، فالأدب هو الجسر الذي يكاد يكون الوحيد من أجل التقاء هذه الحضارات.
عندما نقرأ جملة مصطفى سعيد الشهيرة، لابد أن نتوقف عندها، لتزيدنا قهرا وبالتالي تفهما “الانسان لمجرد انه خُلقَ عند خط الاستواء، بعض المجانين يعتبرونه عبدا وبعضهم يعتبرونه إلها أين الاعتدال؟”.



* هذه المقالة كتبت خصيصا كمقدمة للطبعة النرويجية من رواية الطيب صالح “موسم الهجرة الى الشمال”، ننشرها من دون الاتفاق مع المؤلفة

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا