الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


Aug 22, 2016 عن القدس العربي

لم تكن الدولة السلطانية المملوكية الثانية، أو ما كان يعرف بدولة الجراكسة، والتي جمعت مصر والبلاد الشامية والحلبية وأقساما من شبه الجزيرة العربية ومن الأناضول، في حالة انحطاط عمراني أو عسكري حين تمكّن السلطان العثماني سليم الأول الملقّب بـ»الياوز» (أي البتّار) من انزال الهزيمة بسلطانها قانصوه الغوري في مرج دابق، إلى الشمال الغربي من حلب، يوم الأحد 24 آب/اغسطس 1516، أي قبل خمسمائة عامّ بالتمام. بالعكس تماماً، كانت لا تزال تبدو على أنّها القوة المحورية في الديار الإسلامية.
دشّنت معركة مرج دابق عملية الإنهيار السريع لدولة المماليك الجراكسة، من حلب حتى القاهرة، ولاحقاً جرت المحافظة على نظام الرق العسكري أي النظام المملوكي، من بعد استتباعه للنسق العثماني، في مصر، في حين ستتفاوت أوضاع «عرب آسيا» بين تركيبة مملوكية تتداعى في بلاد الشام، وتركيبة مملوكية سيجري اعتمادها لاحقاً في العراق. وقبل كل شيء ستدشّن معركة مرج دابق الاستيلاء العثماني على البلاد العربية، كلّها تقريباً، بالتتابع، وان يكن بمنطق سيطرة متفاوت، ما عدا المغرب الأقصى.
لا تزال الفكرة البلهاء حول «عصر انحطاط» يمتد من أفول الخلافة العباسية حتى قيام «النهضة العربية» تفرض أثرها السيئ جدّاً على تناول تاريخ الدول السلطانية الإسلامية، سواء المملوكية في مصر والشام، أو المملوكية الهندية، أو الدول العثمانية، والصفوية، والمغولية البابورية الهندية.
النسق المملوكي بالذات، لم يعن العرب المعاصرون به كثيراً، ولا اهتموا بالتأليف فيه، هذا في حين تكثّفت الدراسات في التاريخ المملوكي في اسرائيل، مع المؤرخ ديفيد أيالون ومدرسته، وبشكل متواشج مع المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية، تحديداً لأن مدرسة أيالون اعتبرت أن الشغل على المماليك أساسي لفهم هذا «الإسلام العسكري» الذي يمتد من نور الدين زنكي إلى الظاهر بيبرس إلى محمد علي إلى جمال عبد الناصر، رغم أنّ العصر الحديث يتجاوز ما كان يتوقّف و»يستشرق» عنده أيالون مطوّلاً من ثلاثية «الجند الرقيق، والخصيان، والحرملك». 
واذا كانت فرنسا بعد انتهاء حملتها على مصر أيام بونابرت قد أسست فرقة مملوكية ملحقة بجيشها الإمبراطوريّ، فإنّها راكمت أيضاً تقليداً تخصصياً متنوعاً، اهتم بـ«تجربة السلطة في إسلام العصر الوسيط»، إذا شئنا استعادة العنوان التحتي لكتاب المؤرخ جان لوازو عن المماليك الصادر قبل عامين. 
سمح هذا «النسق المملوكي» الذي نشأ في ظلّ الدولة الأيوبية، وأستمرّ في مصر تحديداً بعد هزيمة المماليك أمام العثمانيين، بأشياء كثيرة، من بينها إقامة التوازن بين «التسنّن» و«التصوّف»، الأمر الذي استكمله العثمانيون ولو بمنطلقات وأبعاد أخرى. 
في دولة المماليك الجراكسة، كان أكثر المماليك يستقدمون من بلاد الشركس، بعد أن تراجع تصدير الرقيق الأبيض من قوم القبجاق وشعوب تركية أخرى. المملوك، في فقه الرق، هو عبد يشترط فيه أن يكون من أبوين حرّين، أما أولاده فأحرار أيضاً، ونظرياً كان يمنع على أولاد المماليك، أن ينتظموا هم أيضاً في العسكر، وكانوا يسمّون بـ«أولاد الناس» ويصرفون خصوصاً إلى التجارة والمهن الحرّة، في حين تبقى «الأرستوقراطية العسكرية» محصورة بأولئك الذين يشترون وهم صغار في أسواق النخاسة، ويعتنقون الإسلام، ويدخلون في روابط ولاء لأساتذتهم أو أمرائهم، الذين هم مماليك أيضاً، مماليك تمّ عتقهم من لدن السلطان، الذي هو مملوك أيضاً. في ذلك العصر، لعب نموذج النبي يوسف، الذي أوقع به أخوته، وبيع إلى مصر، وصعد هرمية حكمها، دوراً ملهماً للنسق المملوكي. ورغم كثرة المكائد ومؤامرات القصر بين أمراء المماليك، احتفظ هذا النسق بصلابة معتبرة، بفضل نظام «الأخوة» بين المماليك الموالين لبيت أمير بعينه، أو ما كان يعرف برابطة «الخوشداشية»، وتضاف اليه الولاءات المختلفة إلى مشايخ الصوفية.
يتلقى المملوك حال انتظامه في بيت أميره مبادىء الإسلام السنّي ـ الصوفيّ، الذي عادل الظاهر بيبرس قبل ذلك، بين مذاهبه الفقهية، بعد أن كان الأيوبيون يعلون من شأن المذهب الشافعي. لكن المملوك الفتي كان يتعلّم أيضاً اللغة التركية، يتعلّمها في مصر والشام، وبلهجة اختلفت عن باقي لهجات وتفرّعات اللغة التركية، وتأثرت أكثر من سواها بقواعد وتركيبات اللغة العربية. حتى في عهد المماليك الجراكسة، كان المماليك يستقدمون أيضاً من أسواق شتّى، وكان بينهم اليوناني الأصل، والإيطاليّ، وحتى الفرنسي أو الألماني. أما لغة «الأرستوقراطية العسكرية» في العصر المملوكي فكانت اللغة التركية، من دون أن يلغي ذلك أنّ اللغة العربية ازدهرت أيضاً في نفس العصر، ليس فقط كلغة للدين والفقه، بل أساساً كلغة للدواوين، فضلاً عن غنى الحقبة المملوكية بالتأليف الأدبي، وثرائها الملفت في المؤرخين، من المقريزي إلى تغرى بردي وابن اياس وابن شاهين وابن طولون وسواهم الكثير. 
في مرج دابق، انهارت سلطنة المماليك الجراكسة، وأعيد تدوير النسق المملوكي، في اطار النسق العثماني، الذي كان يتميّز بنوع آخر من نظام التربية العسكرية الإسبارطية، هو نظام «الدوشرمة»، القائم على انتزاع نسبة من أطفال النصارى في البلقان والقوقاز للتشكّل في صفوف «الإنكشارية». انتصارات سليم الأول العسكرية تعود تحديداً إلى حيوية هذا النسق، وشدّة ارتباط الانكشارية بالتصوّف، كما ترجع إلى كثافة استخدام مدافع البارود، في مقابل مثابرة المماليك على الإعتماد على الخيالة.
من الصعب الحسم في هذه العجالة كيف أستقبل أهالي الولايات العربية سليم الأول فاتحاً، فالرواية مختلفة، تفصيلاً وايقاعاً بين مؤرخي الحقبة، وكما أنّه لا معنى للحديث عن «استعمار عثماني» مثلاً معه، كذلك لا يمكن تجاهل الغرابة التي شعر بها أبناء مصر والشام، حيال هذا الزحف العثماني، هذا في مقابل حماسة إليه، يمكن أن نلحظها أكثر في شمال أفريقيا. 
الشيء الأكيد أن سليم الأول لم ينقل الخلافة اليه يومها من الخلافة العباسية الصورية التي انطفأت في القاهرة، بخلاف الأسطورة التي راجت لاحقاً. بل أن الكثير مما دوّنه وقتها المؤرخون كما الزجالون تظهر أن الناس تعاملت مع «سلطان الروم» أي سليم الأول وعساكره، لفترة، على أنّهم من الكفار، أو أنّه مشكوك بإسلامهم، فهذا ابن اياس مثلا يسجّل ما تناهى اليه من مرج دابق هكذا: «وأما السلطان (قانصوه الغوري)، فمن حين مات ولم يعلم له خبر، ولا وقف له أحد على أثر، ولا ظهرت جثته بين القتلى، فكأن الأرض قد انشقت وابتلعته في الحال، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر، فداس العثمانية المصاحف التي كانت حول السلطان بأرجل الخيول، وفُقِد المصحف العثماني (أي المكتوب بخط الخليفة الراشدي الثالث). 
أما في «مفاكهة الخلان» للمؤرخ الشامي ابن طولون فيستوقفنا عنده اهتمامه بابراز مدى التقدم التقني الحربي للعثمانيين، كامبراطورية مدافع البارود الأقوى، «ولما أطلقوا البارود في المصطبة، ظنت أهل دمشق ان السماء انطبقت على الأرض»، واهتمامه باظهار المزيج الغريب للجيش العثماني الغازي، «ما بين أروام وأرمن وتتر وسوارية وافرنج»، والعناية الشديدة للسلطان سليم بضريح الصوفي محيي الدين ابن عربي وبنائه جامعاً فوق قبره، وتكية ما لبث ان أمرت احدى المحاولات التمردية على العثمانيين بابطالها، في عصر كان انتقاد ابن عربي صار شائعاً سواء بين الفهقاء أو بين المتصوفة، بتهمة أنّه ذهب بعيداً، إلى عقيدة «وحدة الوجود». 
قبل خمسمائة عام، دشّن سليم الأول العصر العثماني في البلاد العربية، ليس فقط بانتصاره على قانصوه الغوري، بل أيضاً بزيارته المستهجنة آنذاك، إلى ضريح ابن عربي.

٭ كاتب لبناني

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top