الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش



في بدايات الثورة بدأنا كمجموعة من الأصدقاء الناشطين، معظمنا آت من خلفيات سياسية، بتأسيس تجمع جديد. كان حالنا كحال الكثير من الناشطات والناشطين في عموم سوريا، أولئك الذين راحوا يتلمّسون طعم الحرية وكيف يمكن للمرء أن يكون فاعلاً في عمل سياسي أو مدني ما. الخلاف كان حول اسم التجمّع، هل نذكر توصيفه “العلماني” في اسمه، أم نلتفّ على التسمية الشائكة ونكتفي بوصفه “المدني”! في ذلك الوقت كنت مع عدم ذكر “العلمانية” باعتبارها كلمة سيئة الصيت، خصوصًا في أوساط العامة، وباعتبار أن الفكرة المسيطرة وقتذاك كانت أن نحاول كسب صفوف الناس العاديين، أولئك الذين يصنعون التغيير بدمائهم، بعد عقود طويلة من سوء الفهم بينهم وبين المعارضة والمثقفين. أشحت بنظري عمدًا عن فكرة إن الدولة يمكن أن تكون دينية بظاهر مدني، وإن مفهوم الاختلاف واحترامه كان من أهم المثل التي حاربت من أجلها، الأمر الذي لا يتحقق إلا “بالعلمانية”.
أفكر اليوم كم كنت على خطأ، وكم كان من الأجدى بنا أن نشرح للناس، الذين حاولنا كسبهم، ما الذي تعنيه كلمة “علمانية” وكم كانوا مخطئين برفضها. كان أجدى بنا أن نحارب لنثبت إن “العلمانية” جزء أساسي من الحرية التي تخرجون كل يوم لتموتوا من أجلها، حرية الرأي والمعتقد والتفكير، فهي أصلاً مشتقة من كلمة “عامة”، تهتم بكم وبقضاياكم كجزء من نزعة إنسانية سادت عصر النهضة الأوروبية. هي كذلك ليست ضد الدين بل تقف على الحياد منه، ولا تمنعكم من ممارسة أي من شعائركم الدينية. كان ينبغي أن نقول لهم وقتذاك إن الدولة “العلمانية” هي دولة المواطنة، التي تنظر إلى مواطنيها نظرة مساواة بغض النظر عن أديانهم وانتماءاتهم، أليس هذا ما تهتفون به كل يوم؟ وأن نطرح الأمثلة الكثيرة على عيش المسلمين الكريم وحريتهم في ممارسة شعائرهم في دول علمانية كالولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وتركيا وكندا وغيرها. كان ينبغي أن نصرّ على اختلافنا في الموزاييك السورية.
لكنها في النهاية كانت تجربة مهمة وضرورية، كمعظم تجارب الشباب الثوري، خرجتُ منها محبطة مكلومة ولكن أكثر نضجًا وتطلّعًا للقادم، خرجت كذلك أكثر اقتناعًا بذلك المفهوم المتطّور المرن الذي اسمه: “علمانية”، باعتبارها طريقة حياة وحكم لا إيديولوجيا. ففي الخارطة السورية الملونة، بعديد الانتماءات والأديان والطوائف والإثنيات، لا يمكن أن يكون هناك حلّ ضامن لحفظ الحقوق المختلفة إلا العلمانية. الديمقراطية لازمة ولكنها لا تكفي وحدها، بل يجب فصل النشاط الإنساني والقوانين والقرارات عن سلطة الدين ورجاله، وألّا يتمّ فرض وجهة نظر اتجاه أو طائفة أو دين أو مجموعة على عموم الشعب. وفي هذا الوقت الذي تكثّف “داعش” فيه أقبح ما يمكن تخيّله، ربما حان الوقت للوقوف ضد فرض أي شكل ديني على المجتمعات العربية الحديثة، فكما انتفضت أوروبا على زمن محاكم التفتيش وبدأت عصر الأنوار بالعلمانية الحديثة، لن نستطيع التملّص من عصر الظلام العربي اليوم إلا بنظم ديمقراطية علمانية تحملنا باتجاه زمن الأنوار الحلم: زمن الحرية.


*كاتبة وروائية سورية

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top