ما قبل الرحيل: عن والدي والخوف والثورة

11:25:00 م


حلا رجبحلا رجب
كاتبة سورية ، مواليد 1992، درست الحقوق في جامعة تشرين، مقيمة في فرنسا، السنة الأولى في مدرسة السينما في ليون ” قسم السيناريو “
بقلم .
لا أعرف حقاً حتى اليوم السبب أو ربما الأسباب التي دفعت بوالدي (عدي رجب) لمغادرة سوريا في العاشر من شهر آذار عام 2013، متجهاً إلى القاهرة مروراً ببيروت. بعدها بأيام قليلة فقط ظهر على القنوات التلفزيونية، مشاركاً في مؤتمر “كلنا سوريون .. ضد الطائفية ” أو المؤتمر الذي أطلق عليه إعلاميا اسم “مؤتمر المعارضة العلوية في القاهرة”، بناءً على أنّ أغلبية المشاركين فيه كانوا من الطائفة العلوية (طائفة النظام السوري)، والذين كانوا يُعتبرون في ذلك الوقت، رصيده البشري الذي يعوّل عليه للبقاء في السلطة .
لم أستغرب حقاً، لم يكن خيار والدي مشوشاً منذ البداية في الالتحاق بصفوف الثورة السورية، هو الشاب الذي اعتقله النظام في بدايات عام 1987  بتهمة انتمائه إلى حزب العمل الشيوعي،  تابع مسيرته السياسية بنفس الطريقة دون تردد، رغم الخيبة التي تعرّض لها في مقتبل عمره وتجريف قناعاته وقتها، بالتعذيب والقهر في فرع المخابرات العسكرية وبعدها فرع فلسطين.
العيش في حضن الخوف
كان بقاؤنا في القرية بعد الأخبار الأخيرة مقلقاً على جميع الأصعدة، بادلنا أهالي القرية وبعض أفراد العائلة بالعداء من فورهم، بالإضافة إلى التهديدات التي كانت تتوارد تباعاً من “شبيحة ” المنطقة، أذكر يومها أنني قضيت ثلاثة أيام دون نوم، بترقب لهجوم وشيك، لحرق المنزل أو ربما للقتل، هذا القلق الذي لم يبارحني طيلة مدة بقائي في سوريا، رصاصة واحدة لرأس مكشوف أشعر بأنها ستخترقه في أي لحظة.
غياب كامل للإحساس بالأمان، هو الذي دفعنا لترك منزلنا في القرية، والاستقرار مؤقتاً في ملحق صغير بشروط سيئة جداً في المدينة، ننتظر هناك فرصة للالتحاق بوالدي، ربّما في مصر أو كما قيل له في السويد بعد المؤتمر، فهو بأيّ حال من الأحوال لم يعد قادراً على العودة إلى سوريا، لكن ذلك لم يتحقق، وذلك بسبب الشرط الأساسي الذي كان مفروضاً عليه، وهو الانضمام بصفة معارض علوي إلى الائتلاف الوطني السوري لقوى التغيير و المعارضة، لكن والدي رفض ذلك الشرط، لأنّه لم يكن متفقاً أبداً في فكرته السياسية مع الخط العام للائتلاف، وبذلك بقي في مصر، ولم تكن تردنا منه في تلك الفترة أخبار كثيرة، لكنني بعدها عرفت بأنّه كان يقضي أيامه في حديقة في القاهرة، وبقي ينام فيها لمدة خمسة عشر يوماً.
المعارض عدي رجب
المعارض عدي رجب
 بعدها التقى والدي بهيثم مناع في القاهرة في مؤتمر لحركة “تمرد” المصرية، التي كانت تضم العديد من أصدقائه الناشطين في ذلك الوقت في مصر، وعرض هيثم مناع على والدي العمل في مكتب لهيئة التنسيق في القاهرة، وعليه يستطيع أن ينتقل للسكن في بيت يضم أعضاء الهيئة هناك، واستلام وظيفته كرئيس للمكتب التنفيذي، فيما بعد قام والدي بتأسيس مكاتب المرأة والشباب، وجمع عدداً من الشبان السوريين العاطلين عن العمل آنذاك، والذين أجبرتهم ظروف الثورة والحرب على ترك مدنهم والمغادرة باتجاه مصر، حيث كانت الأوضاع المعيشة بالنسبة للسوريين سيئة جداً، وبدأوا بالعمل سوية في مكتب الهيئة.
 في هذه الأثناء كنا نحن نعيش حالة تنقل من مكان لآخر، دون أن يعرف أحد عنا شيئاً، كنا نختلق الأكاذيب أينما حللنا، وتركت أنا وأختي الصغرى دراستنا الجامعية، وبدأنا بالعمل أيضاً بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية في ذلك الوقت في سوريا، ورغم كل محاولاتنا إلّا أنّنا لم نعش بمعزل عن التهديد وحالة عدم الأمان والاستقرار التي أصبحت طابعاً لحياتنا دون أن نستطيع من ثغرة ما أن نغادر سوريا إلى مكان آخر.
العودة إلى سوريا
بعد مضي ما يقارب سنة على عمل والدي في مكتب هيئة التنسيق، ورغم عدم اتفاقه مع خطهم السياسي أيضاً إلا أنها كانت الحل الوحيد والشكل الأقرب لتطلعاته. بدأ الشباب في المكتب يغادرون مصر، عن طريق البحر من الإسكندرية حتى إيطاليا، ومن ثم إلى دول أوروبية عديدة تفرّقوا فيها. حتى والدي الذي لم يعد أمامه خيار سوى التفكير بشكل جدي بالعودة إلى سوريا مهما كلفه الأمر، بسبب سوء أوضاعه في القاهرة، وعدم قدرته على مساعدتنا للخروج خارج سوريا، وشعوره الدائم بأنه هو الذي تسبّب بما حصل من دمار لنا في الداخل. أراد العودة لتعويضنا عن كل ما رحل، وبدأ في تلك الفترة تواصله مع أشخاص معنيين من أجل العودة إلى سوريا، وبعدها بشهر أو أكثر غادر القاهرة متجها إلى بيروت، في اليوم ذاته الذي وصل فيه إلى بيروت، اعتبر بعض المعارضين في القاهرة عودته إلى سوريا خيانة لدم الشهداء وخيانة للثورة، وتم تهديده بالقتل من قبل شخصيات عديدة، وأعلنوا ذلك على صفحاتهم الشخصية من بينهم “ياسر الحلاق”.
كان والدي في تلك الفترة يتواصل مع شخص في وزارة المصالحة من أجل العودة إلى سوريا، لكن الأمر استمر لمدة ستة أشهر وهو مقيم في بيروت خلال تلك المدة، قام بتقديم ملفه للجوء السياسي في السفارة الفرنسية، لكن رد السفارة أيضاً تأخر، و بعد ستة أشهر استطاع الدخول إلى دمشق بكفالة منظمة دولية عن طريق شخصيتين على ما أذكر هما “محمود مرعي” و “ميس الكريدي”، بقي في دمشق 15 يوماً إلى أن اصطحبه صديقه من دمشق بسيارته، متلافين الحواجز الأمنية إلى مدينة اللاذقية حيث كنا نحن بانتظاره.
 بعد وصوله بيومين، اتصل أحد أصدقائه من بيروت، ليخبره بأنّ السفارة الفرنسية حددّت له موعداً للمقابلة بعد شهر تقريباً، وأنّ عليه أن يسافر إلى بيروت في الموعد. قال له أحد الأصدقاء أيضاً أن يبقى في بيروت دون عودة إلى سوريا بعد المقابلة، لكن الخيار كان محسوماً، لا يوجد شيء لفعله في بيروت، لا مكان للسكن، ولا مصدر دخل.
الاعتقال مجددا
 غادر والدي سوريا مجدداً بتاريخ 16 /12/2014  متجهاً إلى بيروت من نفس المعبر المأمن في دمشق، فقدنا التواصل معه بعد يومين. كان يوم جمعة على ما أذكر حين وردني اتصال من صديقه الذي استقبله هناك، ليسألني عن ما إذا كان قد وصل إلى سوريا وكيف كانت رحلته؟ أخبرته بأنه لم يصل حتى الآن، ثم علمت منه أن والدي كان قد غادر بيروت إلى طرابلس ومن ثم إلى معبر العريضة منذ يومين، وأنّه كان يجب أن يصل إلى المنزل!
لوحة بعنوان "غرفة بملايين الجدران" للفنان صافي. المصدر: خاص حكاية ما انحكت
لوحة بعنوان “غرفة بملايين الجدران” للفنان صافي. المصدر: خاص حكاية ما انحكت
كانت الاحتمالات كثيرة، زيارة لأحد الأصدقاء، بقاؤه في طرابلس، اعتقاله على الحدود السورية، أو على حاجز لـ ما يسمى “الدفاع الوطني” على طريق طرطوس، ذلك الحاجز المشهور بالإجرام والوحشية، حتى المساء كنا متأكدين بأنّه دخل الحدود السورية صباحاً و اختفى بعدها، وفي اليوم التالي كانت الأخبار تقول بأن اعتقاله تم من قبل مفرزة الأمن العسكري على الحدود، هذا الفرع الذي قام باستدعاء أختي الكبيرة مرتين للتحقيق معها بشأن والدي، و بشأننا أيضاً.
الحرية وشبح الموت
بعد 8 أيام، كنت وحيدة في المنزل، أمي وأخوتي خرجوا لتوهم، الكهرباء مقطوعة، قررت الاستلقاء قليلاً ربما أنام، أغمضت عينيّ ومرت دقائق طويلة بالتفكير، فجأة سمعت صوت أحد يحاول فتح الباب، دخل وربما لأنها كانت عادته، أن يدخل ويضع المفتاح فوق الطاولة التي بقرب الباب، ناديته، جاوبني وقفزت من مكاني باتجاه الباب.
لم أستطع تمييز معالم وجهه بسبب الكهرباء المقطوعة، حاولت معانقته لكنه لم يسمح لي بذلك، أشعلت شمعة واقتربت منه، كان وجهه مغطى بآثار الضرب، وكان يرتجف من البرد، حضّرت له كوب شاي وأشعلت المدفأة التي جلس يرتجف قربها، وأخذ يحدثني ويخبرني بما حدث، كيفية اعتقاله، الضرب الذي تعرّض له، المكان الذي وضع فيه، الأوبئة والأمراض في قبو الفرع، الشبان الذين رآهم هناك، الأشخاص الذين عرفهم وعرفوه، التحقيقات، كل شيء لم يكن غريباً عليه، هو صاحب التجربة السابقة في سجون النظام.
بدأت حالته الصحية تتدهور شيئاً فشيئاً، التهابات في الصدر، ارتجاج دماغي خفيف، ضعف في الجسم، عدم الرغبة في الخروج، واستمر ذلك لمدة شهر ونصف تقريباً، حتى قام أحد أصدقائه في بداية شهر شباط بإسعافه إلى المستشفى.
 لم أكن حينها في المنزل، كنت أعمل في بار ليلي في المدينة، وكعادته كان ينتظرني حتى أعود من العمل، مجهزاً وجبة صغيرة وأغراض النوم لي، عندما عدت في الساعة الثانية صباحاً ذلك اليوم، لم أجده بانتظاري، أيقظت أختي وسألتها، فقالت بأنّه في المستشفى منذ الساعة التاسعة، وأن تحاليله الأولية تقول بأنّ لديه قصوراً كلوياً ناجماً عن نزيف في الكلية منذ فترة، ويجب أن يبقى تحت المراقبة، لم أكن أعي تماماً حجم المشكلة، لكنني عرفت فيما بعد أن الوضع ليس جيداً، وأنّ القصور هو فشل كلوي نجم عن النزيف بعد الضرب المتعمّد الذي تعرض له على خاصرتيه.
 بدأ بعدها رحلة علاجه الطويلة التي دامت ما يقارب خمسة أشهر، دون وفاء الهيئة له بوعودها بمتابعة عمله من سوريا، دون نجاحه بالحصول على رد من السفارة الفرنسية، دون استيعابه لشكل سوريا الجديدة التي غاب عنها سنتين، دون رفاق، دون أصدقاء، دون أهل، دون شبان حتى في القرية، موت متعاقب ورحيل متعاقب فقط .
توقف قلبه في المستشفى بتاريخ 22/ 6 /2015، بعد دخوله في غيبوبة لمدة أسبوع، لم تفده محاولات الإنعاش، لم تكن محاولة واحدة، قال أحد الأطباء، بأن قلبه يصارع من أجل الحياة لكن وضع جسده لا يساعده أبداً. كنت أنتظر يومها ابن عمي لنذهب سوية إلى بنك الدم لنتبرع له بسبب تطابق زمرنا مع زمرته. الثامنة و النصف صباحاً، اتصلت به وقال بأنه في المستشفى ويجب أن ألاقيه هناك، أغلقت الخط وعادوت الاتصال بوالدتي التي كانت هناك باكراً من أجل وجبة الإفطار، لكنها لم ترد، ثم اتصلت بأختي التي كانت قربه طوال الليل، لكنها لم ترد، عندما وصلت إلى المستشفى كانوا يبعدون عنه الأجهزة، كان قد فارق الحياة.
جنازة بلا مشيّعون
لم يحضر الدفن أناس كثيرون، حتى الذين حضروا، وقفوا بعيداً خائفين، متوقعين حضور أمني في أي لحظة ، ومترقبين لشيء ما قد يحدث.
في اليوم التالي انتشرت الأخبار في الإعلام تحت هذا العنوان “مقتل معارض علوي تحت التعذيب في سجون النظام” أو “وعود علي حيدر تقتل معارضاً تحت التعذيب”. كان الناس في التعزية يتهامسون و يتبادلون النظرات الغريبة دون أن نعرف نحن ما الذي يحدث، لكن اتصالاً هاتفياً ورد لأختي من محقق في الأمن العسكري يومها، لسؤالها ما إذا كان والدي معتقلاً عندهم قبل ذلك، لكنها أجابته: لا، لم يكن معتقلاً.
كان يريد فقط التأكد من صلتنا بالأخبار التي تنتشر، وبالقصة التي نتداولها نحن كأفراد عائلته في التعزية، رغم أننا كنا نعرف سوية، أنّه خرج من فرع الأمن العسكري في اللاذقية بعد اعتقاله بثمانية أيام.
 حاول “علي حيدر” التواصل معنا للظهور إعلاميا على إحدى المحطات التابعة للنظام والطعن بالأقاويل التي تتهمه بالشراكة في قتل والدي، لكننا رفضنا أيضاً، رفضنا الظهور على أية محطة سواء تابعة للنظام أو لغيره، بعدها قام كل طرف منهم بإصدار البيانات التي تخصه عن هذه الحادثة دون عودة إلينا، في اليوم الثالث كانت صالة العزاء فارغة تقريباً، لم يأت أحد.
الرحيل:
كان موت والدي محركاً أساسياً لرغبتنا في ترك سوريا نهائياً دون عودة، هذا البلد الذي لم يعطنا خلال خمس سنوات من الثورة والحرب سوى الفجائع والأوجاع، بدأت في محاولة لجمع المبلغ الذي سيساعدني لعبور البحر أو ربما للحصول على فيزا إلى روسيا، ومن ثم اتباع طريق التهريب المعتاد من هناك إلى النرويج، إلى أن أعيد بعدها تداول قصة اعتقال والدي وتعذيبه مجدداً.
 وردنا اتصال هاتفي من شخصية لم نكن نعرفها في ذلك الوقت، وطلب منا بعض الأوراق الثبوتية التي تخصنا من أجل فيزا إلى فرنسا، وعبّر عن رغبته في مساعدتنا من أجل ذكرى والدي، بعد 4 أشهر تقريباً من ذلك الاتصال، أرسلت السفارة الفرنسية في بيروت تطلبنا إلى المقابلة بعد 4 أيام.
كانت الأيام الأخيرة في سوريا غريبة جداً، فرغم هذه الحرب الذي تخوضها على جميع الأصعدة، رغم كل الأوضاع السيئة، رغم كل شيء حصل وسيحصل، ورغم أنك عضضت على أسنانك من أجل الرحيل، تشعر لبرهة بأنك لا تريد أن تغادر، تريد أن تبقى فقط، لكن الخيار لم يكن متاحاً.
ودعت القرية، تلك التي لم أزرها كثيراً إلا لزيارة قبر والدي، بكينا وأخبرناه بأننا سنرحل، وربما لن نعود مجدداً، القليل من الأصدقاء حضروا في يوم 31 /11/2015 لوداعنا في منزلنا قبل أن تصل سيارة الأجرة. كانت تمطر كثيراً، لأول مرة منذ الشتاء الماضي، وضعنا أغراضنا في السيارة، ودعنا أمي وتركنا وجهها الغارق بالدموع خلفنا.
كان الاتفاق مع سائق التكسي على محاولة تدارك التفتيش على الحواجز الأمنية أو بالأحرى التفييش كما نطلق عليه نحن. ومن اللاذقية حتى معبر العريضة، استطعت أن أعد عشرين حاجزاً رغم أن المسافة لم تكن بالطويلة، وكان الوضع يسير ببعض النقود أو علب الدخان التي يقدمها سائق التكسي لمن يعرفهم على الحواجز بحكم عمله.
دخلنا لبنان، وتركنا كل شيء ورائنا، كل الذكريات، أو ربما تصورنا بأننا تركناها، تركنا أمي وقبر والدي الذي أتعبه القهر على سوريا، الذي خذله أصدقائه ورفاق دربه قبل النظام، تركنا حلماً كاد أن يتحقق في يوم ما، حلماً بالحرية و الخلاص.
 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا