الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة



Written by نهى سعداوي
عن قرطاس
ميساء شروف ، فتاة تونسية أصيلة مدينة صفاقس تبلغ من العمر 18 سنة أقدمت على الانتحار منذ أيام. حتّى هنا، يكون الأمر مؤلما وقاسيا على أهلها وأصدقائها ومقرّبيها وأغلب من يسمع الخبر، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحدّ. فقد انتشر خبر انتحارها ليبلغ كلّ الدول العربية عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار، مترافقا مع خلط بخصوص هويّتها وأسباب انتحارها، مما خلق جدلا واسعا. وكانت ميساء قد نشرت قبل أيام من إقدامها على الانتحار هذه التدوينة على حسابها في فيسبوك.
حسب تقرير المرصد الاجتماعي التونسي التابع لمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لشهر ماي بلغ عدد محاولات وحالات الانتحار المسجلة خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2016، 308 حالة. في حين بلغ العدد 549 حالة سنة 2015. أهمّ ما يلاحظ بخصوص توزّع الحالات عمريّا أنّ الفئة الأكثر إقداما هي الفئة الشبابية -بين 16 و35 سنة-وهنا نموذج من آخر تقرير صدر في شهر ماي. (يمكن الاطلاع على تقارير المرصد على الموقع http://ftdes.net/ )المنتدى التونسي
وبالعودة لحادثة انتحار ميساء شروف والتعاطي معها، وعلى إثر انتشار الخبر وتناقله، دعت إحدى المجموعات النسوية “شمل” سريعا لـ “Event” احتجاجي على فيسبوك بعنوان “قتلتونا/#‎gtaltouna‬” (الرابط). ومن جهة أخرى، فإنّ الحادثة قد أخذت أبعادا أكبر. فقد انتشرت خاطرة زُعم أنّها رسالة الفتاة الأخيرة قبل إقدامها على الانتحار. انتشرت ولا تزال تُنشر على مواقع التواصل والصفحات المناهضة للعنف والصفحات النسوية والصفحات التنويرية وحتى المواقع الإخبارية ليتداولها الآلاف عبر العالم العربي.
دون تَقصٍّ ودون تثبّت، يتناقل الناس على تويتر وفيسبوك وغيرها من المواقع الاجتماعية “الرسالة” ويخوضون النقاشات حولها وحول محتواها. بين معظّم للفعل ومعظّم للأسلوب الأدبي وشاتم لميساء ومكفّر، وقادح في عرضها ولائم وغاضب من أهلها وأخيها خاصة. ليتوجّه الغضب نحو عائلتها، كونها حسب “الرسالة” سبب انتحارها. فهي تحاصرها وتلزمها بالحجاب، كما أنّ شقيقها يعنّفها بشراسة إذ اكتشف أنّها تدخّن. ثمّة من نقل المادة كما هي وثمّة من نقل وقال أنّ الفتاة أردنية، ليتوسّع الجدل أكثر وأكثر. وفي حقيقة الأمر، الرسالة خاطرة أو نصّ أدبي ( ) لصاحبه حمادي خليفي، كُتب تفاعلا مع خبر الانتحار.
ميساء-شروف
حكمة مصدق، صديقة ميساء شروف ، كتبت تدوينات عديدة تفاعلا مع حادثة الانتحار. وكتبت أيضا لتوضّح اللّبس.
كنت أفضّل الصمت لكن السّاكت عن الحق شيطان أخرس. لن أصمت أكثر لأنّ الوضع ما عاد يحتمل. أرى ميساء تُشنق آلاف المرّات على صفحات هذا الموقع الأزرق، لكن هذه المرة تُشنق عائلتها معها بحبال الكذب و التزييف و الافتراء.
هنا وهناك ينشرون رسالة مزيّفة محمّلة بالحقد على الله والعائلة مدّعين أنّ ميساء كاتبتها والحقيقة أنّ ألكاتب “حمادي الخليفي” هو الذي كتبها على لسان ميساء، بعد وفاتها. كتبها وهو لا يعرف عن ميساء شيئا لا من قريب و لا من بعيد. فقط سمح لمخيّلته أن تجني على عائلتها وتحطّم ما تبقّى من كرامتها. اللوم لا يقع على الكاتب، فما كتبه يندرج تحت “باب الأدب ” وميساء كانت ملهمة لخاطرة. كلّ اللوم يقع على ما يُسمّى بالصّفحات النّسوية التي نَسبت الخاطرة إلى ميساء وادّعت أنّها رسالة وداع خطتها أناملها قبل رحيلها.
لم تكتفِ هذه الصفحات بنشر رسالة مزيّفة على لسان الفقيدة بل قادت أيضا حربا شعواء على أخيها. هذا المسكين الذي يعيش خارج تونس و يزور العائلة في الأعياد و المناسبات محمّلا بالهدايا لأخته الصّغيرة، وجد نفسه فجأة متّهما بكونه جلّادها الذي يذيقها يوميّا مرّ العذاب . هواة الافتراء لم يقفوا عند هذا الحدّ بل ادّعوا أنّ عائلتها متزمّتة دينيا وتفرض عليها نمطا معينا من اللباس. عفوا هل لكم أن توضّحوا لي كيف تفرض العائلة على الطفلة الصغيرة حجابا في حين أن الأمّ و الأخت الكبرى لا ترتديانه؟
أخبرتني الفقيدة أنّ والدتها لا تفهمها وتسيء معاملتها لكن عكس ما ينشر عشّاق المتاجرة بالدماء لم تكن تسيء معاملتها لأنّها أنثى أو لأنها يجب أن تقبع خلف الجدران. العلاقة المتوترة التي جمعتها بأمّها مردّها صراع الأجيال و اختلاف الرؤى لا أكثر ولا أقلّ.
ختاما سأقول ما سأتحمل مسؤوليّته:
يا تجار القضايا يا حاملي الشعارات البرّاقة! أنتم من أخذتم بيد ميساء إلى التهلكة. أنتم من نزعتم الإيمان من روحها النّقية وصوّرتم الانتحار بطولة ملحمية. أحسنتم! لقد عمِلتم بالمثل القائل “يقتل القتيل ويسير في جنازته “، إلّا أنّكم لم تكتفوا بالسير بل واصلتم في نفس الوقت غرس خناجر إشاعاتكم في قلوبنا. لم ترحموها ولم ترحمونا! “
نماذج مما نُشِر مغلوطا
ميساء-شرو
ميساء-شروف

وتعقيبا على الموضوع، كتبالمدون والناشط الاجتماعي نور الدين الزاوي ما يلي:
القبائل الجديدة أو الجماعات المنغلقة على نفسها تُغري المتمردين أو اليائسين بالاستقواء بالانتماء إليها. سيجدون – ربما – تضامنا شكليا في ما يخص النضال من أجل ما يُفترض أنه يميز هذه القبيلة. أو قُلْ ما يهمّشها عن المجتمع المركزي. إلى حد الآن جيد، أو هكذا يبدو، لكن ما أن ينطوي الفرد/المنتمي على نفسه ويخلو بها في لحظة غفلة عن تعاطي مخدّرات التنويم والهروب التي من المطلوب تعاطيها لإثبات صدقيّة انتمائه، يجد نفسه بدون رفيق حقيقي يواسي دواخله. يجد نفسه وحيدا دون دفء عائلي حقيقي. يفيق على حقيقة موجعة أن القبيلة الجديدة لم تكن عائلة مثلما كان يحلم أو يتخيّل. يرتطم بحقائق موجعة أخرى، منها أنّ عليه الانتحار احتجاجا على هذه الورطة المركبة. اللجوء إلى الهامش هروبا من المركز لم يجعله مركزيّا ولا هامشيا حتى، بما أن الهامشي مركزي لكن بكثافة أعلى. الانتحار ليكون شهيدا على هذه الورطة التي عجز عن الخروج منها حيث يترائى له أنّه لم يخرج منها أحد قبله إلا عبر قنطرة الانتحار. هكذا قرّر أن يخطو خطوة الوداع معلنا تبرّأه من الهامش ومن المركز ومن الرفاق.
يبقى في النهاية أن نشير لثلاثة نقاط هامّة. الانتحار في العالم العربي وتونس على وجه التخصيص -كون الحادثة وقعت في تونس- يحتاج تعاطيا جدّيا من قبل مؤسسات الدولة ومراكز البحث وأهل الاختصاص، إضافة للمنظمات والجمعيات التي تشمل نشاطاتها بالاهتمام هذه الظاهرة -طبعا دون السقوط في التوظيف والتعاطي الانفعالي الموجّه- وطبعا العائلة ودوائر الأصدقاء والزملاء. كما تجب الإشارة لمعضلة كبرى في عالم المواقع الاجتماعية ومواقع الأخبار، المصادر والتحقّق قبل النشر وحقوق الملكية، الذي يبدو وأنّه ليس حكرا على الصفحات الشخصية أو المواقع غير المعروفة، بل إنّ مواقع كبيرة ( ) تقع في هذه الأخطاء. أضف إليه الأسئلة الدائمة المتعلّق بالمواد التي تصنّف “أدبيّة”، “أ لا مسؤوليّة للكاتب في ما يكتب؟”، “هل كلّ شيء وإن كان مساحات خاصّة لآخرين، مباح للكاتب الخوض فيه؟”، “أين الخط الفاصل بين خيال الكاتب والواقع، ومن يحدّده؟”
نماذج أخرى مما نشر مغلوطا:
ميساء-شاروف
ميساء-شاروف
ميساء-شاروف
ميساء-شاروف

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top