سميائيات البلاغة الجهادية*

7:38:00 ص
 ماسيمو ليوني
نقدم لقرّاء العربية ترجمة واحد من أهم  الفصول التي تناولت ظاهرة الأصولية الدينية في عصرنا الحاضر من حيث خطاباتها وصيغ تداولها في مجتمعاتنا المعاصرة وطرق إقناعها، يتعلق الأمر بفصل: "سميائية البلاغة الجهادية" الوارد ضمن كتاب: "سميائيات الأصولية الدينية- خطاباتها وبلاغتها وقوتها الإقناعية" لمؤلفه الإيطالي ماسيمو ليوني في طبعته الأولى سنة 2014.

وما يميز هذا الكتاب، عن غيره من الأعمال التي تناولت الظاهرة الأصولية، سواء في بعدها التاريخي أو الاجتماعي أو النفسي أو السياسي أو الاقتصادي أو حتى الحقوقي، هو تركيزه المفصل على بلاغة الأصوليات الدينية، وعلى استراتيجياتها الإقناعية والظواهر الثقافية التي تنتجها وخاصة ظاهرة اللغة الأصولية، وعلى الطريقة التي تظهر وتصور بها المسار الوجودي بالنسبة لأولئك الذي يجعلون منها أسلوب حياةٍ.

ولتفكيك سنن الخطاب الأصولي الديني والآليات التي يوظفها، فقد اعتمد ماسيمو ليوني على المقاربة السميائية وتحديدا السميائيات الثقافية لإظهار كل التمفصلات الممكنة للمعنى لحظة انبثاقه وتداوله وتلقيه؛ يتعلق الأمر بمفهوم السيرورة الدلالية في أبعادها الدينامية والتأويلية. إن هذا النموذج الذي اعتمده ماسيمو ليوني في مقاربة خطاب الظاهرة الأصولية الدينية غاية في الدقة، فهو يرتبط  تصوريا مع مجموعة من المفاهيم المتقاطعة، مما جعل إمكانية استثماره أثناء التحليل أمرا مهما خاصة وأن هذا النموذج السميائي يعدّ صيغة للتحليل الشمولي للأنساق الثقافية وإضاءة للمبادئ البنيوية لعملية إنتاج الدلالة، وعبره نستطيع الانتقال من التحليل الثابت والمحايث إلى التحليل الدينامي، إنه فضاء لتوليد المعنى. لقد خلق لنا هذا النموذج حوار نظريا، وذلك بهدف رصده للآليات الإقناعية والأشكال البلاغية المتنوعة والمتعددة التي تعتمدها الأصوليات الدينية في تصريف مواقفها وإيديولوجياتها التي تلبس لبوس الدين من أجل السيطرة على العقول الشابة، وكيف تتحول هذه العقول في رمشة عين إلى عقول أصولية متطرفة في منازلها وأمام شاشات حواسيبها دون عناء، مستغلة بكيفية متحمسة حداثة هذه الوسائل التقنية، ولكن لكي تحارب تكنولوجيا وإيديولوجيا الحداثة التي ما انفكت، هذه الأصوليات الدينية، وما فتئت تشكك في منظومة قيمها. إن الحلم المثالي لهذه الأصوليات ليس إيقاف التاريخ وأحداثه فقط، بل هو، بشكل خاص، شلّ الحرية التأويلية لجماعة دينية ما، وتعدّ هذه النقطة الأكثر خطورة في الخطاب الأصولي المعاصر، خاصة عندما يتعلق الأمر بقراءة النصوص الدينية. وما يمكن للسميائيات أن تقدمه، أيضا، لدراسة هذه الظاهرة لا يكمن في تحليل الأسباب التي كانت وراء دفع المئات من الشباب للانضمام إلى معركة جهادية.إن السميائيات، بالمقابل تقترح قراءة للآليات الإقناعية التي كانت أولا وراء استقطاب وغواية وجذب هؤلاء الشباب إلى كون تأثير الأصولية الإسلامية تحديدا، وكيف اقتنعوا أيضا بالتخلي عن كل شيء للمخاطرة بحياتهم باسم الجهاد.

وصاحب الكتاب هو الإيطالي ماسيمو ليوني أستاذ السميائيات الثقافية والبصرية قسم الفلسفة بجامعة تورينو إيطاليا، حاصل على دكتوراه في الدراسات الدينية جامعة السوربون فرنسا ودكتوراه في تاريخ الفن من جامعة فريبورغ، اشتغل أستاذا زائر في العديد من المراكز العلمية والجامعات العالمية العريقة في باريس وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا واليابان. يركز في أبحاثه على دور الخطابات الدينية في الثقافات الحديثة والمعاصرة. له العديد من الأعمال المنشورة في مجال السميائيات وفلسفة الفن وفلسفة الدين.

نص الترجمة
حسب تقديرات الحكومة الفرنسية، وتقديرات الصحفيين الذين أجروا التحقيق في موضوع الأصولية الدينية، فقد أكدوا أن ما بين ستمائة وسبعمائة من المواطنين الفرنسيين الشباب هم الآن متواجدون في سوريا، يحاربون ضد نظام بشار الأسد ضمن مجموعتين إسلاميتين أصوليتين ومقاتلتين، وهما جبهة النصرة، فرع من فروع تنظيم القاعدة في سوريا، والدولة الإسلامية في العراق والشام. وتختلف هاتين المجموعتين عن بعضهما بتاريخهما وطريقتهما في القتال ومشروعهما السياسي، بل أيضا طريقة كل واحدة منهما في تأويل الإسلام. وعلى كل حال، فداخل هاتين المجموعتين لا يزال هناك في الوقت الحاضر «لواء فرنسي» مكوَّن من شباب مقاتلين قادمين من فرنسا وبلجيكا. وقد احتُلّت العديد من مباني حلب من قبل هؤلاء الجهاديين الفرنكفونيين، حيث يتم السّهر على تنظيم أسفارهم وإقامتهم في سوريا، مصحوبين بسلسلة من الإمدادات اللوجيستية التي تساعدهم في التنقل من أوربا إلى سوريا عبر تركيا وتساعدهم في العثور على سكن والتدريب عسكريا للانضمام إلى ميادين القتال. إن المجتمع الفرنسي، ومؤسساته المعنية، يبدي قلقا، ليس فقط لأن شبابه قُتل في سوريا في مواجهات مسلحة ولكن أيضا لأن داخل هذا «اللواء»، ولا سيما من الفرنسيين من يدمج عناصر من الدولة الإسلامية في العراق والشام، وهي عناصر تخطّط وتتحدث عن تنظيم هجمات على الأراضي الفرنسية. ويتزايد هذا التهديد بالتوازي مع تنظيم الخلايا الجهادية في فرنسا، ومع الدعم الذي تتلقاه تأييدا للوجود الإسلامي الأصولي في إفريقيا، وتحديدا في دولة مالي.

إن ما يمكن للسميائيات أن تقدمه لدراسة هذه الظاهرة لا يكمن في تحليل الأسباب الاجتماعية التي كانت وراء دفع المئات من الشباب الفرنسي للانضمام إلى معركة جهادية. إن السميائيات، بالمقابل يجب، أن تقترح قراءة للآليات الإقناعية التي كانت أولا وراء استقطاب وجذب هؤلاء الشباب الفرنسي إلى كون تأثير الأصولية الإسلامية، وكيف اقتنعوا أيضا بالتخلي عن كل شيء للمخاطرة بحياتهم باسم الجهاد.
لقد أظهرت تحقيقات الصحفيين مع الشباب الفرنسيين الذين يقاتلون الآن في حلب بأنهم يخرجون تماما عن الصورة النمطية التي كوّنها الرأي العام عن الأصولية الإسلامية وكما تمّ استيعابها خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فالعديد من المقاتلين ينتمون إلى الضواحي الفرنسية، لكن هناك الكثير منهم قادم من الريف. إن أغلبيتهم لا يتكلمون ولا يقرؤون العربية، يعلمون فقط بِضع كلمات. وإن اعتناقهم لهذه الأصولية، فضلا عن انخراطهم في القضية الجهادية، لم يتم في أماكن طبيعية مثل المساجد أو مراكز الصلاة والعبادة، بل في البيت أمام جهاز الحاسوب. إن ما يُدهش أكثر وما يجعل من مبادرة الحكومة الفرنسية مبادرة قديمة عفا عنها الزمن هو وضعها سلسلة من منتديات الإنترنيت الجهادية تحت المراقبة، ممّا جعل الأصولية الإسلامية في فرنسا وغيرها من الدول الغربية تتخلى بالتدريج عن مواقع الإنترنيت لتنمو وتطوِّر نفسها داخل شبكات التواصل الاجتماعي. إن الدعاية الجهادية التي قام بها الشباب لأجل الشباب (بمعدل عمر يفوق خمسة وعشرون سنة) تتّبع موضة تقنيات التواصل الحديثة وتُكيفها وتخضعها لأهدافها في الإقناع الديني والتحريض على القتال. فالفايس بوك ويوتوب، ثم تويتر، والآن نجد إينستغرام والواتس آب وحتى بعض ألعاب الفيديو، أصبحت منابر عدة للإقناع الديني والهوياتي، مع امتلاكها لكفاءة عالية قادرة على استقطاب وتكوين العقول الشابة التي لا مُعادل لها في عالم اتصالات «الكبار» مثل(الصحافة والإذاعة ومواقع الإنترنيت التقليدية). إن مزايا شبكات التواصل الاجتماعي في نشر الدعاية الجهادية متنوعة، لكن هناك مزيتين أساسيتين سنوضحهما بشكل عميق: 
- المزية الأولى، تشير إلى أن التدفق الدائم للاتصال والذي يتطور باستمرار في هذه الأشكال قادر على التأثير بسرعة البرق في الأحداث السياسية والعسكرية الراهنة وحتى على التفاعل وسط الحروب الأكثر شراسة؛
- أما المزية الثانية، فتُظهر أن أولئك الذين يستوعبون مضامين الدعاية الجهادية عبر انغماسهم في شبكات التواصل الاجتماعي يشعرون في الحين أنهم محاطون بجماعة تدغدغ وتعزف في كل ثانية على إيقاع أفكار ومشاعر يتقاسمونها باستمرار.

بالإضافة إلى ذلك، هناك ميزة لا يمكن التغاضي عنها، وهي أن المضامين التي تروِّجها شبكات التواصل الاجتماعي تتنصّل تقريبا من كل مراقبة مركزية.

إن التدفق الفعال والمتناثر لمضامين شبكات التواصل الاجتماعي، فضلا عن تحولها الجذري، يجعل من الصعب إن لم يكن مستحيلا، القيام بدراسة ثقافية وإثنوغرافية للدلالة كما تتداولها هذه القنوات الرقمية. ومع ذلك، فللسميائيات ميزة، مقارنة مع غيرها من المباحث المعرفية، تؤهلها لدراسات هذه الأشكال التواصلية بوصفها نصوصا، أي في نوعية مشاريعها الدلالية الذي يُتوقع أن تكون لها تأثيرات إقناعية على«القارئ النموذجي» الذي قام ببنائها. وسنقترح مثالا تحليليا قادنا إليه البحث في الجزء المحوري من تطوره، وقد خصصناه للبلاغة الجهادية في مواقع الإنترنيت وفي شبكات التواصل الاجتماعي للغة الفرنسية.

ويعدّ موقع WWW.MON-ISLAM.COM أحد أبرز المواقع الإسلامية الأصولية الجهادية في فرنسا. فعلى صفحته الافتتاحية الإشهارية يعلن التحاق واعتناق «عشرة آلاف أخ وأخت الإسلام» قاموا بإنشاء مائة وثمانين مجموعة ووضعوا أزيد من عشرين ألف شريط فيديو. بينما تكشف لغة الموقع فضلا عن العديد من المساهمات التي يحتضنها، عن ضعف تعليمي ولكن بإثارة بصرية ملحوظة: ففي كل يوم تنضاف إليه أشرطة فيديو جديدة إلى جانب محتوياته المتنوعة. ويعيد الموقع إعادة إدراج محتوياته وتقاسم أنشطته على شبكات التواصل الاجتماعي الرئيسية مثل الفايس بوك الذي يضم الآلاف من المحبين والمؤيدين وتويتير ثم غوغل+ ويشتمل موقع WWW.MON-ISLAM.COM مثله مثل بقية المواقع على عدة خانات أو نوافذ: منها مثلا نافذة « Mon Islam » (إسلامي) وتتضمن عرضا تقديميا للموقع؛ ونافذة « Le réseau » (الشبكة) التي توفر لزوار الموقع خدمة شبكة التواصل الاجتماعي الداخلي؛ ثم نافذتي «vidéo» و«Groupes»  (الفيديو) و (المجموعات) اللتين تقدمان أنشطة متخصصة للزائر أو القارئ حيث تشتمل هذه النافذة على مكتبة إسلامية بصيغة PDF؛ ونافذة  «Evénements» (أحداث) التي تعلن عن اللقاءات أو ما يتعلق بأي أنشطة أخرى تقام في فرنسا وفي الدول الفرنكفونية؛ ونافذة «Articles» (مقالات) التي تتضمن دراسات وتعليقات مبنية ومصاغة بطريقة جيدة، على شكل أبحاث قصيرة، حول مواضيع تتعلق بالإسلام في فرنسا؛ ونافذة «Lexique» (معجم) التي تقدم شرحا وتحديدا معجميا للمصطلحات العربية الأكثر شيوعا وتداولا في الإسلام وخاصة تلك المتداولة في الموقع، ونافذتي «photos» و «Tchat» (صور) و(دردشة)؛ إن نافذة الدردشة مقسمة حسب النوع«Q/R» (سؤال/جواب) حيث الخبراء والمُفتون يردون على أسئلة القراء والزوار؛  وأخيرا نافذة «My mail» (بريدي) وهي خدمة البريد الإليكتروني التي يوفرها الموقع للمستعملين.

إن هذا الموقع وظيفي، فقد تم إنشاؤه إما من قبل أناس غير محترفين وغير متخصصين أو من قبل محترفين لكن بكفاءات متواضعة وبسيطة جدا. فهناك فوضى تلفّ هيكلة وتنظيم محتوياته، إضافة إلى الصورة المشوهة التي كتبت بها اللغة الفرنسية في كل مكان من الموقع تقريبا. وسنقترح الآن تحليلا لبعض محتويات الموقع، الحديثة نسبيا، والتي أثارت بشكل خاص، انتباهنا كباحثين في حقل السميائيات.

ففي نافذة «Q/R» (سؤال/جواب) تضع إحدى زائرات الموقع السؤال التالي:
"As salam waleykum, La lapidation existe en Islam, je me pose des questions sur le «bien-fondé » de cette pratique, (sans remettre en question son caractère légifèré [sic]) ce sujet me met mal à l’aise et j’aimerai [sic] comprendre. baraka Allahufikum."
" السلام عليكم، الرّجم يوجد في الإسلام، أنا أسأل نفسي أسئلة حول «مزايا» هذه الممارسة، (دون التشكيك في شرعيتها) إن هذا الموضوع لا يجعلني أشعر بالراحة وأحب أن أفهم. باراك الله فيكم."  

و يجيب «المفتي» عن هذا السؤال الذي صيغ باللغة الفرنسية بطريقة غير صحيحة، وهي الصياغة التي تهيمن على كل الموقع، بقوله:
       
"Salam alaykum tout d abbord oukhty  je ne vais pas te parler dans quel cas et qui doit ont lapidé mais je vais plutot t expliqué « le bien fondé » de cette pratique Inchallah. «C tres simple Si tu te pose des questions sur le bien fondé de la lapidation sache oukhty qu Allah azzawajal a dit «Qui y a t il de meilleur qu Allah en matiere de jugement pour des gens qui ont la foi ferme» Donc sache que chaque chose qu Allah a legifere est un bien pour l homme et tt musulman(e) doit en etre convaicu et certe Allah nous a dit «Il se peut que vous detestiez une chose alors qu elle vous soit un bien et il se peut que vous aimiez une chose alors qu elle vous est nefaste. C est Allah qui c alors que vous ne savez pas…"

السلام عليكم قبل كل شيء أختي لا أريد أن أحدثك عن هذه الحالة و لا عن من يجب في حقهم الرجم، ولكنني سأشرح لك بدلا من ذلك «مزايا» هذه الممارسة إن شاء الله. إن المسألة بسيطة جدا إن أردت أختي وضع أسئلة حول سلامة ومزايا الرجم اعلمي أن الله عز وجل قال: «ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون»  إذن اعلمي بأن أي شيء شرعه الله هو في صالح الفرد وكل مسلم ومسلمة يجب عليهما الإيمان بذلك. لقد قال لنا الله «وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ َلا تَعْلَمُونَ ».**
هناك عدة عناصر مثيرة للاهتمام في هذا الرّد المليء بالأخطاء الإملائية. إن غرض المفتي هو الانطلاق من عبارة بليغة ومختصرة، بعيدا عن اللعب بالألفاظ، والتي بَدتْ في عبارة «بسيطة جدا» حيث حاول أن يبين على الفور وبشكل يقيني بأن المسألة الأخلاقية التي كانت مصدر قلق وإزعاج زائرة الموقع هذه (توفيقها بين الإيمان الشخصي، والتشريع  الأصولي لممارسة همجية) هي في واقع الأمر مسألة حلّها بسيط جدا ولا ترقى لكي نجعل منها فعلا مشكلة. وتبعا لذلك لم يقدّم المفتي أي دليل لإثبات صحة دعواه لكنه، اكتفى، بالمقابل بشرح مزايا الخاصية الجوهرية لهذه الممارسة. وهكذا فإن تبرير أو إضفاء الشرعية في البلاغة الجهادية على نسق أو معيار ما، حتى وإن كان غير مرغوب فيه، لا يستمدها من تأثيراته الاجتماعية ولا من المكانة التي يجدها داخل النسق التيولوجي، بل يستمدها، بالأحرى، من «الأصول» المتعالية التي يستند إليها، والتي لا تحتاج في وضوحها إلى أدلة للبرهنة عليها بل إلى اقتباسات تظهرها وتعززها. إجمالا، فإن إجابة «المفتي» تدور حول اقتباس عام والممثل في «ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون». إن هذه الجملة المرجأة، دون فواصل ودون حركات ودون أي إشارة وأي مصدر يعرب عنها جيدا، هي الأساس وحده دون غيره الذي يدعم بلاغة الإجابة ويضفي عليها طابع حكمة السلف التاريخية وطابع القداسة. وهكذا فإن حتى هذا الاقتباس نفسه، الخاطئ والذي لم يُشَر إلى مصدره يصلح لكل شيء؛ حيث يمكن الإتيان به لتبرير كل شيء والإتيان به لرفض كل شيء، لذلك فهو اقتباس عام. الشيء نفسه يمكن أن يقال عن الاقتباس التالي الذي حاول استقطاب الزائرة مستعملة الموقع انطلاقا من مبدأ الاستسلام والخضوع ليس فقط المعنوي بل أيضا الأخلاقي والإيتيقي إلى الإرادة الخارقة والعجيبة للتعالي. ويجب أن نسجل من وجهة نظر بنية التلفظ بأن الإجابة، انطلاقا من استعمالها المباشر والفوري للضمير«أنتِ»  tu وعن طريق اعتمادها أسلوب سريع وخاطف من نمط الأساليب التي نجدها في كتابة الرسائل القصيرة «SMS» وحتى بالنسبة لأخطائها الإملائية، تقيم صلة مباشرة، وعفوية مع مستعملة الموقع الوهمية والتي يتوجه إليها المفتي بطريقة تثبت ضلوعه في الشريعة والتي يقدمها لمحاورته بكيفية مألوفة وأليفة.
ويتكرر تشييد بلاغة العفوية الأخوية هذه، في كل نوافذ الموقع وفي كل الخطاب الجهادي: فعندما نعتنق الإسلام في نسخته الجهادية والقتالية، فإننا نلج كونا خطابيا، لا يمكننا الشعور فيه أبدا بالوحدة، بل نجد أنفسنا دائما محاطين بواسطة «إخوان» و«أخوات» جدد، حيث آصرة الدّين تحلّ محلّ آصرة القرابة والعائلة. ويقوم المفتي، في ما تبقى من الإجابة، بسرد «مزايا الرجم وفوائده» المتبدية في :
- تطهير المذنب من أخطائه لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه".
- أن نظهر للجاحدين أن دين الله ليس لعبة حتى لا تتكرر وتتفاقم الأزمات والاضطرابات. لقد قال الله عز وجل في الرجم: «ليَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».
“- purifier l auteur de ses fautes car comme le prophete sallat wa salam nous a dit quand Allah aime un homme il le chatie dans ce bas monde.
- Montrer a ceux qui y assistent que la religion d Allah n est pas un jeux ainsi les troubles ne se reproduiront pas Allah azzawajal nous dit «Et q un groupe de croyant y assiste» (a la lapidation)”

إن ما يثير انتباه القارئ «العلماني» في هذه الردود هو نزوعها نحو البساطة الجذابة، فعبرها يمكن معالجة العديد من القضايا الحساسة، ويتم بواسطتها كذلك تأمين وإبعاد كل تدخل للعالم الخارجي في الإسلام الأصولي. إنه سحر غرابة التبسيط والاختزال. غير أن الباحث السميائي لا يمكنه أن يقتصر على تحليل المكون اللفظي للبلاغة الأصولية. ينبغي أن ينتبه أيضا إلى سائر المواد التعبيرية التي تشكلها، خاصة وأنها تتألف من الصور وأشرطة الفيديو التي وضعها أناس حديثي العهد بالانضمام إلى الأصولية. حيث يتم خلال كل ساعتين أو ثلاث ساعات، «تحميل» شريط فيديو جديد في نافذة «شريط فيديو» ضمن موقع mon-islam.com. بينما تخصص خانات الموقع الأخرى لمواضيع متنوعة جدا تتكفل بشكل خاص بمعالجة مختلف جوانب الحياة الشخصية للمؤمنين، وإن أشرطة الفيديو المخزنة والمودعة في الموقع، تشير في الغالب، إلى الالتزام السياسي والعسكري للأصوليين الفرنسيين وتحظّهم على واجبهم الجهادي. وفي الفترة التي تم فيها تحليل الموقع، نورد أن معظم أشرطة الفيديو هذه، تطرّقت إلى مسألة الوجود الأصولي الإسلامي الفرنسي في سوريا ولا سيما في مدينة حلب. ويلخص شريط فيديو«الشام» (الاسم الإسلامي لسوريا) الذي تم تحميله من موقع mon-islam.com يوم 23 مارس 2014 بشكل جيد خصائص خطاب الوسائط المتعددة وبلاغتها الإقناعية. ويحتوي هذا الشريط، الذي تبلغ مدة عرضه حوالي خمسة عشر دقيقة، على عدد من المشاهد الأساسية. ومع ذلك فهذه المشاهد ليست نتاج مونطاج احترافي اعتمد المؤلّف نفسه في إنجازها على أدوات ومواد عدة، بل هي نتاج خليط غريب وفظ، بنيته متداولة وواضحة جدا في هذا النوع من النصوص السمعية البصرية: وتحيل مشاهد العرض الأولي على أشرطة فيديو موجودة سلفا أنجزت هي الأخرى بنفس الكيفية التي أنجزت بها الأولى، وهكذا دواليك في هوة حيث ما يهم ليس هو نوعية التضمين بل التضمين ذاته. إن أشرطة الفيديو تعيد بث لقطات أشرطة فيديو أخرى والتي تعود بدورها إلى أشرطة أخرى مما يجعل هذا التعبير البصري نوعا من أنواع التشكيل الجمعي للفكر ومخيال الجهاد، ونوع من العدوى حيث يصير كل عضو ناقلا وناطقا - بصريا باسم الجماعة كلها، وذلك باستخدامه لبعض اللقطات التي عثر عليها في شبكة الأنترنيت لتعزيز وتقوية رسالته الخاصة للتأثير والوصول إلى الجمهور في مجال نفوذه.

ففي شريط فيديو الشام الذي نعرضه هنا للتحليل، يحتوي المشهد الأول على صور مراهقين، من المحتمل أن تكون جنسياتهم غربية (فرنسية وبلجيكية) وتظهرهم هذه الصور بتعابير دالة تارة على الفخر وتارة أخرى على الفرح بلِحيهم الطويلة وبارتدائهم للباس المليشيات المقاتلة، أغلبهم مجهّزين ببنادق ومتاريس تحت أذرعهم أو مثبتة في ساحة القتال المغبرّة. تتحرك وجوههم على الشاشة ببطء يتلاشى وينصهر فيها العبور من صورة لأخرى - مؤكدين على روح الجماعة التي تربطهم – مرفوقة بموسيقى تصويرية تبث نغما قدسيا ينادي للصلاة. وبعد ذلك، يُظهر المشهد الثاني من الشريط الشخص الذي من المحتمل أن يكون المؤلف الحقيقي للفيديو، وهو شاب مراهق فرنسي، من أصل عربي، يرتدي لباس مقاتلي جبهة النصرة ومحاط برموزه المنتمين لتنظيم القاعدة. ويخاطب الشاب المراهق محاوريه بلغة فرنسية معقدة، وبلهجة قوية، وغالبا ما يقحم في خطابه عبارات دينية بالعربية، ساعيا إلى تشييد وهمٍ تواصلي عبر تكراره لكلمة «أخ » بقلق وهوس شديدين. إن البنية التلفظية للشريط (جسد المراهق وخطابه والكيفية التي صُوّر بها) تجعل بطله حاضرا في الآن والهنا (في الوقت الحاضر في سوريا)، كما أن المشاهدين مدعوين بل متوسِّلين للانضمام إليه لأجل لقاء «الإخوة الأفاضل والأحبة في الله». ويتم التركيز باستمرار على الجماعة السعيدة والمبتهجة التي تنتظر الشباب الذين هم في سن المراهقة كما أظهرهم الشريط، والذين يملكون الشجاعة للتحرّك بعيدا عن حياتهم الحالية وعائلاتهم في فرنسا وبلجيكا للوصول إلى «الشام».

ويُظهر المشهد الموالي جماعة من المقاتلين، يتأبطون متاريس، مُحاطين بشاحنات صغيرة. ومنتصبين أمام الكاميرا، لا تزال وجوههم في الظلام لم يُكشف عنها بعد. ليسوا شبابا ولا غربيين. زعيمهم رجل راشد انطلاقا من تخميننا لصوته، يتحدث باللغة العربية للشباب المشاهدين للشريط. وقد تُرجم خطابه إلى الإنجليزية والفرنسية بمستوى عالٍ من الوضوح. إنها دعوة جديدة، تَتّقِد لتلهب حماس الشباب شيئا فشيئا للانضمام إلى القتال؛ ورغم ذلك، فإن الحجج مختلفة: إن الفرح لا يتبدى في الانضمام إلى جماعة  «الإخوان» السعيدة ولكن في الحاجة إلى حماية «الأخوات» المسلمات في سوريا من الاغتصاب. وبالإضافة إلى المضمون العدائي والشوفيني لهذا المشهد، سيكون من المفيد جدا التأكيد على الكيفية التي يتم بها تصميم مختلف الآليات والمواد للتحريض على الجهاد وإعلانه في سياقات متعددة ولجماهير مختلفة، حيث يتم جمعها بحرية بواسطة الدعاية التي يقوم بها الشباب الفرنسي لترويج رسالة محلية مفادها (دعوة شباب فرنسا وبلجيكا المسلمين إلى الجهاد)، وهذا يعطيها قوة إقناعية ويربطها بما هو كوني، حيث تمتزج الأصوات العربية بترجمات اللغة الإنجليزية والفرنسية، للتعبير عن مهمة التحرر العالمي.

ويشكل المشهد الموالي وهو الأطول، جوهر العملية الإقناعية في الشريط. إذ أن شابا مراهقا باسم عربي مستعار يشير إلى الأصل البلجيكي، يتجه بطريقة مائلة وغير مباشرة صوب الكاميرا ويجلس في خندق تحت أكياس الرمل جلسة القرفصاء. ما يدل على بوادر وعلامات المعركة في كل مكان: علامات بصرية تتبدى في (لباس المليشيات ومتاريس وأعلام الدولة الإسلامية في سوريا التي ترفرف في كل مكان مكتوبة بخط أبيض على خلفية سوداء)، غير أن هناك علامات سمعية تتبدى على نحو خاص في: نداء المراهق، الممزوج بأصوات البندقية، القريبة سواء من (الرفاق) والبعيدة عن (الأعداء). وبصوت خافت، فيما يشبه الهمس، يكرّر هذا المراهق الشاب الدعوة إلى الجهاد. لكن هذه المرة، تكون حجة الاستشهاد هي الأكثر استعمالا: حيث يتم استدعاء المجاهدين الفرنسيين الشباب باعتبارهم مجموعة صغيرة ضعيفة التسلح لكنها تملك شجاعة الشهداء، لتشكيل جبهة ضد جيش العدو الذي يُنظر إليه لا باعتباره جيشا محليا، بل باعتباره اتحادا لكل القوى العالمية التي تتآمر ضد الإسلام الحق: من البوذيين في آسيا إلى الشيعة مرورا «بالكفرة» والأوغاد الذين يعيشون في أوربا وأمريكا.

إن حجة الحاجَة إلى حماية النساء والأطفال المسلمين من عدوان «الكفرة » واردة لكنها لا تشكل المحور البلاغي لهذا المشهد الذي يلعب أكثر على إذلال شباب المسلمين في أوربا وإهانتهم وعلى الفرصة التي توجد أمامهم للتخلص من الجمارك والانضمام إلى المعركة الجهادية، المنظور إليها بوصفها معركة الأضعف ضد الأقوى، شهداء يرشدهم الله لقتال أعداء الإسلام. وفي نهاية المشهد يعود الشاب المراهق الفرنسي الذي صادفناه أول الأمر ليجدد دعوته للجهاد، متبوعا بمشهد نهائي جديد يظهر كل الشباب المحاربين في صور أصلية وهم على «أُهبة» لطلق رصاصات وأعيرة نارية يقودون شاحناتهم وعلى متنها جماعات مسلحة. يرددون بصوت عال والابتسامة على شفاههم جميعا «هلمّوا إلى الشام»!، يرددونها بلهجة الفرح والبهجة وبنغم ذاك الذي يدعو إلى الانضمام لوجهة سياحية أو منتجع لقضاء العطلة.

يتميز الشريط إذن، ببنية متسقة ومتماثلة بصورة جيدة، تبتدئ وتنتهي باستدعاء البطولة السعيدة للشباب المجاهدين الفرنكفونيين في سوريا. ووسط هذه البنية نقوم ببسط كل حجج البلاغة الأصولية المقاتلة، حيث لا يبدو فيها اسم الله رغم ذلك، وفضلا عن كل التعابير البسيطة المستوحاة من القاموس اللاهوتي، سوى تحصيل حاصل يكون القصد من ورائه دوافع أخرى للجهاد: إذ أن الانضمام إلى جماعة متذبذبة تعيش على وقع الاهتزاز يتم تصويرها على أنها عائلة من الإخوان والأخوات لكن دون آباء وأمهات معناه؛ حماية مصير الضعفاء ولا سيما النساء المسلمات اللواتي هنّ في خطر؛ ونشر رسالة الإسلام السّني ورفع الذّل والمهانة عنه في العالم الغربي؛ وتحديد هويته إزاء الفكرة والإمكانية الملموسة للشهادة؛ والدخول في مغامرة بكل ما يؤثثها من عناصر: حيث الهجرة والمخاطرة وصحبة مراهقين آخرين ولا سيما المحاربين منهم، واحتمال مهمة وجودية.

إن الجاذبية التي يمارسها هذا النوع من الأشرطة على الشباب الفرنسي والفرنكفوني لا يمكن تفسيرها بطريقة أحادية. فمن جهة نورد أن الدعوة للانضمام إلى مصير تحفّه المغامرة وتملؤه المخاطر والتضحية بالذات، قد تبدو للوهلة الأولى، كأنها اقتراح لمسار وجودي للأكثر بعدا عن الرتابة والتكرار. ومن جهة أخرى نستطيع أن نبين على وجه التحديد بأن هذه الأشرطة مُقْنِعة مادامت تمنحنا صوتا رمزيا يجنبنا الحاجة إلى بناء مستقبل مليء بالشكوك. إن اختيار مسلك للدراسات، ثم مسار مهني؛ معناه الفوز والتمتع بالحرية والاستقلال في محيط العلاقات الأسرية؛ ودعم مشروع الحياة على الرغم من غموض مجتمع يزداد تعقيدا يوما بعد يوم ويتهدده الخطر باستمرار: ويمثل الخطاب الأصولي الجهادي، مقارنة مع هذا المشهد الوجودي، اختزالا جذابا ومغريا، حيث طريق الشهادة قد عبّدت سلفا، والهوية الفردية يحددها مصير مشترك الذي يستعير من خلاله خطاب تحصيل الحاصل للتعالي ملامح دالة على الثبات والوثوقية والجاهزية.
*- SEMIOTIQUE DE LA RHETORIQUE DJIHADISTE.  P. 55-64 IN
SEMIOTIQUE DU FONDAMENTALISME RELIGIEUX. MESSAGES, RHETORIQUE, FORCE PERSUASSIVE. MASSIMO LEONE, ED, L’armattan ITALIA 2014.


**-   - لقد قمنا بتمثل الترجمة حرفيا لما ورد في النص القرآني أما النص الأصلي فهو يخالف هذا تماما وللتدليل على هذا فقد أجاب المفتي باللغة الفرنسية كتابة في قوله: "وَاللَّهُ يَعْلَمُ" على هذا النحو: Allah qui c.

ترجمة (عن الفرنسية) وتعليق: عبد الله بريمي
عبد الله بريمي أستاذ التعليم العالي جامعة مولاي إسماعيل الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، باحث في السميائيات والتأويليات وتحليل الخطاب. من مؤلفاته "مطاردة العلامات بحث في سميائيات شارل ساندرس بورس الإنتاج والتلقي" ، "السيرورة التأويلية في هرمينوسيا هانز جورج غادامير وبول ريكور" ، "الكتابة والسلطة". عضو محكم في مجموعة من المجلات العلمية.


ماسيمو ليوني

أستاذ السميائيات الثقافية والبصرية قسم الفلسفة بجامعة تورينو إيطاليا، حاصل على دكتوراه في الدراسات الدينية جامعة السوربون فرنسا ودكتوراه في تاريخ الفن من جامعة فريبورغ، اشتغل أستاذا زائر في العديد من المراكز العلمية والجامعات العالمية العريقة في باريس وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا واليابان. يركز في أبحاثه على دور الخطابات الدينية في الثقافات الحديثة والمعاصرة. له العديد من الأعمال المنشورة في مجال السميائيات وفلسفة الفن وفلسفة الدين.

ا

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا