الجمعة، 1 يوليو 2016

حسام عيتاني... ايلي الحاج لم يسئ الى القرآن

SHARE



 عن مدونة حسام عيتاني

لم يسئ الاستاذ إيلي الحاج الى القرآن ولا الى الاسلام في الستاتوس الذي كتبه على صفحته على موقع فيسبوك (ثم حذفه، للأسف) ودعا فيه الى اعادة النظر ببعض الآيات القرآنية التي يُفهم منها التحريض على العنف او القتل.

بل أن ما يسيء حقا الى القرآن والإسلام ذلك الفهم السطحي الهائج والمستند الى الجهل وعصبية الجماعة المأزومة في المقام الأول الذي ووجه الحاج به ممن عينوا انفسهم قيمين على الدين والكتاب وعلى ارادة الله في خلقه وطالبوا بفصله من عمله في حملة لا تعبر الا عن ضيق افق اصحابها.

على امتداد التاريخ الإسلامي الذي يمكن الجزم ان نقاد ايلي الحاج لا يعرفون حرفه من طرفه، تعرض القرآن الى تعديلات كثيرة والى انتقادات لهذه التعديلات، ابتداء مما يعرف “بالقراءات السبع” مرورا بعملية التنقيط وغير ذلك مما ساهم في اضفاء غموض على بعض الآيات وتعديل معاني بعض آخر. بل ان الفقه الاسلامي ينطوي على آلية لنسخ الآيات وهناك من الناسخ والمنسوخ ما يعود الى ايام الدعوة المحمدية ذاتها. ويعرف كل من له باع ولو قصير بالاسلام ان ثمة عديد من المؤلفات حول اسباب نزول الآيات والسور وشرح مناسباتها والمقصود منها. وبداهة ان سياق الكثير من الآيات يُغيّر المعنى الحرفي لكلماتها. لذلك تتعين دراسة النص وسياقه واسباب نزوله وغير ذلك الكثير من العناوين المحيطة بالقرآن.

يصح ذلك على ما يُسمى “آيات السيف” التي جرى كلام كثير حول دورها في رفد العنف الجهادي بمبرراته ومسوغاته وقابليتها للاستغلال من جماعات العنف الديني الطامحة اولا وأخيرا الى فرض نموذجها السلطوي المتخلف على نحو قليل الصلة بالدين الذي لا يزيد دوره عند هذه الجماعات عن اداة سياسة لتسلق سلالم السلطة. ويصح كذلك على ايات لها العديد من التفسيرات بعضها متناقض يكاد لا يتفق فقيهان على معانيها ناهيك عما بات يعتبر آيات معنية أولا بمجتمع شبه الجزيرة العربية في فترة تاريخية معينة. أضف الى ذلك غموض لم تسبر اغواره بعد في عدد من السور والآيات والحروف المقطعة وسوى ذلك.

من جهة ثانية، ليس من حرج على ايلي الحاج او على غيره في تناول ايات الكتاب الاسلامي المقدس لا بالنقد ولا بالدراسة. فالقرآن يتوجه الى “العالمين” ويطرح نفسه للنقاش مع كل بني الإنس والجان. والى جانب النقد الشهير الذي تتحدث عنه السيرة النبوية من قبل كل اطياف المجتمع المكي واليثربي، ثمة نقاش آخر اقل شهرة امتد على طول “العصر الذهبي” للحضارة العربية الاسلامية ابتداء من العهد الأموي بين ابناء الديانات التي سبقت الاسلام الى الظهور في هذه المنطقة، وبين الفقهاء المسلمين حول تفاصيل الايات ومعانيها والاسلوب العام للنص القرآني. لا يمكن الزعم ان النقاش جرى في جو “أكاديمي محايد” بل جرى في ظل منافسة ايديولوجية وسياسية وقومية بين العرب والروم والسريان والفرس والصابئة واليهود وغيرهم. ومن يبحث في المكتبات التراثية يجد تفاصيل هذه الجدالات التي كان بعضها يدور امام كبار الخلفاء واشهرهم. لكن في المقابل، لم تكن ردة الفعل على هذه النقاشات واعتراضات المؤمنين من غير المسلمين دموية او عنيفة اللهم الا في الحالات التي كان فيها الصراع السياسي محتدما. فالدين، على ما هو معلوم، ليس اكثر من ايديولوجيا العصور القديمة يعود الى الحياة في ازمنة المحن والكوارث.

وثمة علوم قائمة بذاتها تتعلق بالتدقيق في النص القرآني ودراسته ومقارنته بغيره من الادبيات الدينية القديمة والتمحيص في النسخ الباقية منه والاستفهام منها عن اسلوب تطور التدوين والكتابة والخط العربي الخ… وكل العلوم هذه تتطلب درجة عالية من الحيادية والنقد الموضوعي والابتعاد عن الاحكام المسبقة على النص، سلبية كانت ام ايجابية وهو ما لم يقترب ايلي الحاج منه بأي حال من الاحول.

وبديهي ان اجواء السعار الطائفي والمذهبي الطاغية الآن والتي تحول دون مقاربة النص الديني المؤسس، في ظل اجواء الاقتتال والحروب الأهلية هي ما شجع البعض على توجيه اتهامات ما انزل الله بها من سلطان الى ايلي الحاج، في حين ان المسائل التي اشار الحاج اليها معروفة عند كل العاملين والقارئين للنص الاسلامي، لكن اكثر الناس لا يعلمون.
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: