محمد شوقي الزين... عن اللغة

3:51:00 م


لستُ من المهووسين باللغة، لأنني أكتب بلغتين (العربية والفرنسية)، وأقرأ بلغات متعددة. فقط أريد توضيح الالتباس عطفاً على ما كتبه الصديق إسماعيل مهنانة، وهي مجاوزة الفصحى بالدارجة. إذا كان المقصود توصيل "الصورة" (السينما، الأدب...) بدلاً من "الفكرة" (الفلسفة، الحجاج والبرهنة...)، هذا ممكن، وربما يكمن هنا عصب المشكلة في العلاقة المتوتّرة بين الصورة والفكرة كبين الضرَّتين. لكن، في كل الأحوال، لا يمكننا التفكير من داخل الدارجة، لأنها لغة تكتيكية، فارة غير قارة، لا يمكنها أن تجمع رأسمالها أو تعبّئ محاصيلها، لذا سماها ميشال دو سارتو "التكتيكية"، فهي حالية وآنية، تستهلك نفسها بنفسها في دورة فورية، لا تبني منظومة أو مؤسسة، أقرب إلى الشفهية منه إلى الكتابة؛ على الخلاف من "الإستراتيجية" التي يمكن أن تتبوأها اللغة الفصحى، بكونها تتمتَّع بمنظومة نحوية وأسلوبية، وتعبّئ اقتصادها الكلامي في معاجم أو موسوعات أو تأليفات. لا يمكن أن نخلط بين الشفهي (التكتيكي) والكتابي (الاستراتيجي)، لأنهما من نظامين مختلفين، متكاملين صحيح، لكن لا يمكن اختزال أحدهما في الآخر أو تعويض أحدهما بالآخر.

المشكلة تاريخية محضة وليست بنيوية، أقصد أنَّ الانفصال بين لغتين في الجزائر مثلاً (الشارع والمدرسة، العائلة والإدارة الرسمية) هو حصيلة ظروف (contingences)، ولا يمكن أن نجعل من هذه المشكلة التاريخية ورطة أنطولوجية. الكتابة بالعربية لا يؤدي دائماً إلى أصولية ثقافية، ولا يعبّر عن نزعة برجوازية، لأن اللغة لا يمكنها أن تخضع دوماً إلى قراءة ماركسية محصورة. آخذ اللغة بالمعنى الذي سنَّه فلهلم هومبولت (Wilhelm Humboldt) كونها مونادا تحمل رؤية معيَّنة للعالم، تحمل ذاكرة وقيمة، وخصوصاً أنها حصيلة "بيلدونغ" (Bildung) مُجْهدة ومجتهدة، من التكوين والتشكيل. القول اليومي كالدارجة مثلاً، وإن كان يعبّر بالفعل عن كينونة ومعيش، فهو محصور في الآني والفوري، كالضروري (nécessité) بالنسبة للحيوان. غير أن اللغة هي أكثر من ضرورة، إنها نحت مستمر للطبع وتصحيح دائم لرؤية معيَّنة نحملها حول العالم (Weltsicht). اختار الصديق مهنانة سبيله وأحترمه في ذلك، لكن سبيلي أن أعبّر باللغة التي لها بالنسبة إليَّ خزينة من الأقوال حَريةٌ بأن تصبح مفاهيم وأفكاراً، وهذا ما لا توفّره الدارجة، ربما توفّر فقط صور وتمثُّلات متسارعة.
(*) كاتب جزائري
عن الفايسبوك
.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا