الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة


حسين الموزاني
غالباً ما تتردد صفتا "البرود التحليلي والعدوانية النقدية" معاً في الكتابات النقدية التي تتعرض إلى أعمال هانس ماغنوس انتسنسبيرغر Enzensberger. وتثير الطاقة الإبداعية لهذا الكاتب الألماني الشهير وكذلك والمجالات الفكرية التي عالجها دهشة المتابعين والقرّاء والنقّاد على السواء. فعلى الرغم من أنّه تجاوز سنّ الخامسة والسبعين فإنه نشر على سبيل المثال فقط في عام 2006 وحده عشرة أعمال في مجالات فكرية وأدبية مختلفة. فهو شاعر ومترجم وقاص وناقد وناشر وإذاعي وأستاذ جامعي ومحلل سياسي. 
ويدور القسم الأكبر من كتابه الفكري الأخير "رجال الرعب" Schreckens Männer، الذي حمل العنوان الفرعي "مقاربة حول الخاسر المتطرف"، والذي نعرضه هنا، حول العالم العربي-الإسلامي الذي يعتبره انتسنسبيرغر النموذج المثالي للخاسر بما تحمل الكلمة هذه الصفة من كشف وقسوة وإسقاط.
دخيلة الخاسر
يستهل انتسنسبيرغر كتابه الذي نشره في صياغته القصيرة الأولى في مجلة "دير شبيغل" قبل عام بالضبط ثم توسع به ليتناول معطيات أخرى تضيء جوانب غامضة من شخصية الخاسر، استهله بعقد مقارنة بين الموقف القدري الاستسلامي للبعض إزاء الخطر الذي يمثله الخاسر المتطرف وبين التصدي لهذا الخاسر فكريّاً وثقافياً وأمنياً أيضاً. فهو يرى أن الخطر أكبر بكثير من أن يبسّطه أولئك القدريون إلى حد "الابتذال الميتافيزيقي"، بحجة أنّ الشخص الخاسر نفسه هو نتاج العولمة والتنافس الحرّ والرأسمالية والاستعمار، تماماً كالشخص المستفيذ من هذه الظواهر العالمية. ويعتقد أن الاكتفاء بالعوامل المادية والاقتصادية والتحليل التجريبي، الأمبيري، لا يؤدي إلى فهم دخيلة الخاسر المعقدة. فهو من وجهة نظره قابل للانفجار في كلّ لحظة، لأنه لا يرى حلاّ آخر لأزمته سوى الانفجار الذاتي، وهو يحاول دائماً أن "يصعّد من حالة الغيثان التي يعاني من وطأته." فهو الأب الذي يقتل زوجته ثم أطفاله لينتحر في الأخير، أو هو المؤجر الذي يحتجز صاحب الدار رهينةً، وعندما تحضر الشرطة يطلق الرصاص فوراً إلى أن يُقتلْ هو نفسه بالرصاص، أو هو المتطرف الإسلامي الانتحاري الذي يفجّر نفسه مع الآخرين في وسائل النقل العامة. وغالباً ما يكون السبب الذي يدفع الخاسر إلى العمل الانتقامي السريع سبباً تافهاً، ربما يعود إلى تبرّم زوجته من أمر ما، أو أن الموسيقى في بيت الجيران بدت له عالية، أو أن البنك لم يمحنه قرضاً؛ وفي حالة المسلم المطرف فإنه يقدم على الجريمة بسبب تفوّق الآخر ونمط حياته المغاير لما يتصوره هو عن الحياة الحقيقية. أما القوى التي يعتقد أنها تهدد وجوده فيمكن التعرّف عليها بسهولة، فهي مجسّدة بالأجانب والمخابرات والشيوعيين والأمريكان والشركات الكبرى والسياسيين والكفّار، وغالباً ما تكون مجسّدة باليهود.
الإرهاب الإسلاموي في عصر العولمة
وبعد أن يحصى انتسنسبيرغر ثمانية وخمسين تنظيماً إرهابياً، منها الجيش الجمهوري الإيرلندي و"إيتا" الباسكية ومنظمة الألوية الحمراء الألمانية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها، يصل إلى استنتاج مفاده أنَّ ليس هناك سوى حركة واحدة مستعدة لاستخدام العنف على صعيد العالم برمته إلا وهي الحركة الإسلامية. فهي تستغل من وجهة نظره طاقة هذا الدين المنتشر عالمياً، والذي ازدادت وتيرة انتشاره بشكل انفجاري في الفترة الأخيرة، لتوظفها في خدمة أهدافها الإرهابية. ويقول: "على الرغم من أن هذه الأمّة منقسمة على ذاتها بصورة كبيرة ومتضعضعة بفعل الصراعات القومية والاجتماعية، إلا أن الأيديولوجية الإسلامية تعتبر في هذا السياق وسيلة مثالية لتعبئة الخاسرين المتطرفين، أكثر من قدرتها على دمج دوافع التحرّك الديني والسياسي والاجتماعي" في بوتقة واحدة.
أمّا عدوها الأساسيّ فهو الولايات المتحدة الأمريكية والغرب "المتحلل" والرأسمال العالمي والصهيونية، ويضاف الكفّار إلى ذلك، ليبلغ أعداء الحركة الإسلامية حوالي 5,2 مليار إنسان من غير المسلمين. بالإضافة إلى المرتدين عن الإسلام من أمثال "الشيعة والعباديين والعلويين واليزيديين والأحمديين والأحناف والدروز والمتصوفين والخوارج وسواهم".
ويتعرّض انتسنسبيرغر إلى التقرير الذي أعده فريق من الباحثين العرب بإشراف عالم الاجتماع المصري نادر فرغاني وبتكليف من الأمم المتحدة والذي نشر تحت عنوان Arab Human Development Report، ليبرهن على أن الدول العربية تحتل الموقع ما قبل الأخير فيما يتعلّق بالحريّات العامة والتعليم والتنمية والبحث العلمي، إذ تنفق هذه الدول فقط 0,2 بالمئة من إجمالي إنتاجها القومي على البحث العلمي والتنمية الاقتصادية، أي ما يعادل سُبع المعدل العالمي. ويذكر أن عدد الكتب المطبوعة في العالم العربي لا يتجاوز 0,8 بالمئة من الانتاج العالمي، أمّا عدد الكتب المترجمة من جميع لغات العالم منذ عهد الخليفة المأمون، أي منذ أكثر ألف ومئتي عام، لا تتعدى الكتب التي تترجمها أسبانيا في عام واحد. 
ويحاول الكاتب الألماني تقصّي أسباب هذا الانهيار المروع للحضارة العربية التي كانت متفوقةً على أوربا عسكرياً واقتصادياً وثقافياً في القرون والوسطى. فيعتقد أن السبب الأساسي يعود إلى العرب أنفسهم وليس إلى قوى الاستعمار والتدخل الخارجي مثل السلاجقة والمغول والأتراك والمماليك والفرنسيين والبريطانيين، واليهود بصورة خاصة، والولايات المتحدة باعتبارها "الشيطان الأكبر". ويتساءل لماذا إذن تمكنت المجتمعات الهندية والصينية والكورية التي عانت كثيراً من وطأة الاستعمار والحروب من التغلبّ على تحديات الحداثة لتلحق بركب الحضارة العالمية، فتصبح من المجتمعات الحديثة الصاعدة، بينما عجز العرب عن تحقيق أي شكل من أشكال التنمية البشرية، وصاروا يقفون في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلف القارة الأفريقية السوداء؟ 
ويعتقد انتسنسبيرغر بأن هذا الوضع أدّى إلى هجرة العقول العربية، بحيث أن ربع خريجي الجامعات العربية صاروا يغادرون أوطانهم بحثاً عن العمل والعيش في ظلّ ظروف أفضل. ويضيف أن نظرة الإسلام والقرآن إلى المرأة العربية قد عطّل طاقتها وجعلها تابعة للرجل تماماً، وفقاً للآية 34 من "سُورة النساء" التي جاء فيها: "الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضُهم على بعض [...] والاّتي تخافون نشوزهنَّ فعِظوهنّّ واهجروهنَّ في المضاجع واضربوهنَّ فإنْ أطعْنكُم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلا...".
و يستنتج انتسنسبيرغر بأن قناعة المسلم الرجل بسيادته وتفوقه على الآخرين من غير المسلمين من ناحية وضعفه البارز عملياً من ناحية أخرى يدفعانه إلى الشعور بالنرجسية التي تبحث بدورها عما يرضيها ويكمّلها. فتنشأ من خلال هذا الشعور إسقاطات غير منطقية ونظريات للمؤامرة وإلقاء التهم على الآخرين. لذلك يكون ردّ فعل المسلم النرجسي متطرفاً في حساسيته على كلّ إهانة واقعية أو موهومة. ويعتقد الرجل المسلم الخاسر بأن الديانات الأخرى لا تؤمن بشيء قطّ، ولذلك يجب التصدي لها من خلال وسائل الإعلام الإسلامية، وإظهارها بصورة كاريكاتورية، بيد أن العالم العربي-الإسلامي من ناحية ثانية يشعر بالإهانة إذا ما صورة المرء تصويراً كاريكاتوريّاً. ثم إنّ المسلم الخاسر مقتنع بأن له الحق في بناء المساجد في كلّ مكان، دون أن يضع في نظر الاعتبار بأنّ إقامة الكنائس في العالم العربي يعد أمراً مستحيلاً.
صدمة الهجرة
ومن وجهة نظر انتسنسبيرغر فإنّ هجرة المسلم إلى الغرب لا تقلل من إحباطاته النفسية، بل تزيدها حدّة. وبالإضافة إلى انقطاعه عن جذوره الاجتماعية فإنّ المهاجر العربي المتطرف يصطدم بالحضارة الغربية بشكلّ مباشر، وتتحول هذه الصدمة إلى حالة دائمة تترك أثراً نفسياً عميقاً بالعجز واليأس. 
وينطبق هذا بالذات على الرجال المهاجرين من العالم العربي، إذ يبدو لهم الترف الظاهر في الغرب وبالأخص توفر البضائع وانتعاش الاقتصاد وحرية التعبير عن الرأي والمجالات المفتوحة للممارسات الجنسية مغرياً من ناحية، لكنه مرفوض من ناحية أخرى، لأنه يذكرهم بتخلّف حضارتهم فيتحوّل هذا الترف في نظرهم إلى شيء لا يحتمل، فيلجأ إلى نظرية المؤامرة والانتقام. وبهذا المعنى فإنه لا يعاقب نفسه على تخلفه، إنما يعاقب الآخرين على تقدمهم ورفاهيتهم الاجتماعية. 
ويحسب انتسنسبيرغر الشجاعة التي تحرّك هؤلاء شجاعةَ يأس، ويذكر في هذا السياق رسالة تنظيم القاعدة التي نشرها أثر تفجيرات مدريد في آذار|مارس عام 2004 والتي عبّرت بجلاء عن نفسية المسلم الخاسر: "أنكم تحبّون الحياة، ونحن نحبّ الموت، ولذلك سننتصر". لكنه لا يوقف هذه اللغة على المسلمين الخاسرين وحدهم، بل يعتبرها لغةً مشتركة لجميع الدِكتاتوريين والطغاة في العالم الذين لا يتورعون عن معاقبة شعوبهم واضطهادهم وزجّهم في الحروب، تماماً مثلما يفعل المسلم الخاسر الذي يعتبر المسلم المعتدل خائناً لا يستحق الحياة، لأنه غير مستعد لتفجير نفسه. ويعبّر انتسنسبيرغر عن قناعته بأن هذه الأعمال الإرهابية ستكون ذات عواقب وخيمة ليس على الغرب ، بل على الإسلام بالذات، أي "الدين العالمي" الذي ترتكب باسمه.
--
Hans Magnus Enzensberger: Schreckens Männer, Versuch über den radikalen Verlierer, Edition Suhrkamp 2006, 54 S.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top