الحمل

فواز طرابلسي عن سمير قصير

فواز طرابلسي عن سمير قصير
عن سمير قصير

الأب باولو الضائع المصير منذ ثلاث سنوات، نموذج نادر الوجود بكل معنى. شجاعته في فتحِ مغاليق الأديان على بعضها شجاعة أودت به إلى الهاوية في النهاية. شجاعة مصحوبة بأمل مفرطٍ وتفاؤل عبثي بأنه يمكن أن يفتح حوارا مع هؤلاء الذين اختطفوه وهو يقوم بمهمة وساطة ومصالحة وخير. 

"الانتماء الثنائي" الذي كان مشروع الأب باولو اقتضى منه البحث عن كل ما هو مشترك بين الإسلام والمسيحية. ولم يكن هذا الانتماء كلاما في الهواء. بل كان سلوكا وثقافةً ورسالة. 
في باريس أهداني صديقي وأخي همام كدر نسخة من كتاب الأب باولو بعنوان "عاشق الإسلام مؤمن بعيسى". وفي ذهني الكتابة عنه في عدة مرات، وما زلت أتكاسل في ذلك. لكن سأروي على عجل ما حدث معي وأنا في قطار العودة من باريس إلى ألمانيا. حيث فتحت الكتاب لأقرأ فيه بمجرد أن تحرك القطار. وبعد دقائق غفوتُ والكتاب في حضني أغلق على غلافه الذي يحمل صورة الأب باولو. ربما استغرقت الغفوة دقائق لا أكثر. لأفتح عيني وأرى بجانبي شابا يحدق في الصورة. ثم بدأ يحدثني بالعربية. هو من تونس كما عرفني على نفسه. لم يمنع نفسه من الاستفسار بفضول عن عنوان الكتاب. كيف عاشق الإسلام ومؤمن بعيسى وهذا الكاتب مسيحيّ؟ من سياق كلامه أدركت بسهولة أنه شخص أصولي ولا يمتلك من المعرفة غير قال تعالى وقال سيدنا محمد وحوادث لمشايخ وفقهاء يرويها ليدافع عن نظرته. طولت بالي عليه أكثر من ساعة. وأنا أشرح له شيئا من فكرة الأب باولو. لم يكن مرحبا بأفكاره! ولمحت التشنج في صوته وطريقة كلامه حين رآني مصرّا على ألا أظهر له انتمائي الديني. قلت له أنا مثل الأب باولو ثنائي الانتماء. ابتعد الكلام بنا حول التكفير والجهاد. كان الشاب التونسي نموذجا لملايين المسلمين الذين لا يتقنون في الحوار غير نقل الأقوال والمحفوظات المقدسة من غير إعمال العقل فيها. 

شرحت له فيما شرحت ما صنع الأب باولو في سوريا منذ زمن طويل. في عملية الحوار والانفتاح بين الثقافات والأديان. على أرض الواقع وعلى أرض الفكرة. فكنت كمن يحدث نفسه! في النهاية قال لي إن والده يجلس في مكان آخر في القطار وعليه الآن أن يذهب ليراه قليلا ثم يعود. قال لي وهو يغادر مشيرا إلى صورة الأب باولو: إنه يشبهك في ملامح وجهك... ومضى. (لم يعد طبعاً!)

تركني وأنا مبتهج بملاحظته: ملامحي تشبه ملامح الأب باولو! آه لو يدري كم أشبهه! آه لو يدري!

الأب بولس؟ وبولس الحمصي؟ 

أبي وأخي باولو: لقد أفرطتَ في الرجاء يا أبي. بالغتَ في وضع الأمل في غير موضعه هذه المرة. هؤلاء وحوش يا أبي وأخي. يرفضونك من الألف إلى الياء... فلماذا ألقيتَ بلآلئك أمام الخنازير؟ ولماذا أعطيت الحكمة لمن لا يريدها؟

عن فايسبوك

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top