حقوقٌ مُضافة إلى سِجِلِّ البرتقاليِّ

8:48:00 م


سليم بركات

Jul 09, 2016
1ـ حقوق الحياء: على كل رسام، أو نحَّات، في أوروبا، أن يراجع حسابات خياله مع العُرْي. الجسدُ يعود، الآن، إلى ما يليق به في صَدَفة الدِّينِ محجوباً، إلاَّ الفم للأكل، والعين للنظر، والأنف للشم، واليد للمس، والقَدَم للمشي. كل تفصيل آخر فيه يتراجع ممحوًّا من قائمة الضرورات في الفن، ومن قائمة الخروج إلى الشارع جسداً تُستحسن هيئته، وقَوامُه، ويُرْغَب.
أوروبا في عَقد جديد الآن مع رؤوساء الشرق، ووزراء الشرق من ذوي العمامات. الرئيس الإيراني زار إيطاليا فألقت إيطاليا الحُجبَ على تماثيلها العارية، وعلى لوحات قوَّاد الفتوحات الرسامين على جبهات الروح. حَجَبتْ كلَّ عُرْيٍ في فنِّها كي لا تخدش حياءَ الضيف المسلم، المعمَّم، المبتسم الخيال لفِرَق القتل حشدها مولاه الوليُّ الفقيه في سوريا لذبح السوريين.
موائد قادة أوروبا خَلَت من النبيذ رأفةً بحياء ضيوفها المعمَّمين من إيران. لم يسألوهم لماذا تخدش إيران حياءَ الحياة بحرسها الثوري في سوريا، وبشيعتها الملبِّيْن نداءَ إيران بلغات خمس من آسيا وأفريقيا ضد السنَّة في سوريا؟ لم يسألوهم عن تمزيق المجتمعات بالسُّعار المذهبيِّ في دولٍ عدَّةٍ تُحصى. لم يسألوهم عن المحتَجَزين، والمنفيين الإيرانيين. لم يسألوهم عن دواعي شراكتهم في حروبٍ أغرقت أوروبا باللاجئين. لم يسألوهم كيف شرَّع الإيراني لنفسه أن تكون مزاراتُ الشيعة، ومقامات أوليائهم، حقوقاً حكراً عليهم تبيح الغزوَ أنَّى شاء، وحيث شاء من الأرض، بلا قيد أو شرط؟ حجبوا عن موائدهم شرابَ يومهم العاديَّ إلى جوار الأطعمة، وغطوا التماثيلَ والرسوم في عبور مُعمَّمي إيران بالتماثيل والرسوم، حِرْصاً من أُمَّهات الحرْص على حياء الضيوف غير المخدوش.
كُرةُ «حقوق الحياء» تتدحرج الآن على ثلج أوروبا. شركاتٌ، ورساميل، ورجال أعمال، ومصانع أسلحةٍ من نُور القتل، تُدحرجُ الكُرة بثقلها على أرض أوروبا الثلج، بأيد ريحٍ، وأفواه يسيل منها لعابُ العقود مع الشريك الإيراني، الطاهر، المهذَّب، المسالم، ذي الإيمان النووي الملجوم حتى إشعارٍ آخر.
قادة مسلمون كُثر، من بلاد لا حظوظ إلاَّ للدينيِّ في إدارة الحياة، زاروا أوروبا، بعد ظهورها قارَّةً حوريَّةً من صَدَفة إلهٍ بحريٍّ، فلم تُحجب التماثيلُ العارية فيها، ولم يُسدل النقابُ على رسوم الرسامين. سيذكرُ التاريخُ لإيران أنها دشَّنت في أوروبا «حقوق الحياء» التي لم تكن مثبتة بين قوائم حقوق الحيوان والإنسان. أوروبا الحمقاء أيقظتها عمامةُ الزائر الإيراني على تاريخها الناقص في الحقوق. أوروبا المعتمة، المظلمة، جاءها من الشرق، أخيراً، نُورُ التذكير بالحقوق التي عرفها الشرق، قبل خروج أوروبا من صَدَفة إلهها البحريِّ وحتى يوم رفع العقوبات عن إيران. «حقوق الحياء» محفوظة في كل خطوة من سيرة الشرق الذي أنا، والإيراني منه: الحياء من الحرية. الحياء من اللذة. الحياء من نظر أنثى إلى ذكر، وذكر إلى أنثى، الحياء من الثياب. الحياء من الكلمات. الحياء من الرسم والموسيقى. الحياء من الذات. الحياء من الحياة ذاتها.
مشهدان ستعرفهما أوروبا بعد اكتشافها «حقوق الحياء» على يد الفاتح الإيراني: مُسارعةُ مصمِّمي الأزياء إلى ابتكاراتٍ فذَّة، غير معهودة، مدهشة، مذهلة، لثياب تليق بأجساد التماثيل تصميماً لم تعرفه أوروبا، قبلاً، إلاَّ على أجساد الدُّمى في واجهات بيع الثياب. لكنَّ الأمرين لا يقارنان قط: التماثيل العارية ترتدي، للمرة الأولى، ثياباً في أوروباً.
براعات مصمِّمي الأزياء ستكون مثار مفاضلات لم يعرفها خيالُ أوروبا قبلاً: أيهما الأجملُ ـ التماثيل أمِ الثيابُ التي عليها؟ أفكار من «فلسفة الحياء» ستكون «التنويرَ» المرشد إلى ما أسقطه عصرُ التنوير من حساب أقداره الناقصة.
المشهد الآخر، الذي ستعْرَق منه أوروبا متعةً، وتفيض منه فلسفة المقايضات الكبرى من بيع الأخلاق وشرائها، هو أن يفيق الناس فجراً وقد سارعت الشركات، والمصانع، ورجال الأعمال، إلى تغطية أجساد التماثيل العارية بلفائف هائلة من أوراق العقود المشمَّعة كي لا يُتلفها المطر. أوراق عقود مع إيران من كل لون، وطعم، ومذهبٍ، ودِينٍ، ونحوٍ وصَرْفٍ متشدِّدَيْنِ أو متساهلين، بحسب صياغات أئمة الاقتصاد في بناطيلهم الجنز.
ما سيحدث للتماثيل لن يحدث بتمامه للوحات الفاتحين الرسامين، الفاتكين باللون إنشاءً للرسوم الخالدة. لن تغطى اللوحاتُ الحاويةُ عُرْياً بالتفاصيل كلها. سيبتكر مصممو الأزياء، ومصمِّمو ورق الجدران، ومهندسو الإضاءة، نجاةً مُرْضيةً للرسوم إلاَّ ما انكشف فيها العُريُ صاعقاً يخدش الحياءَ المكتشَفَ طَبْعاً جديداً من خصائص الطباع الأوروبية: مصمِّمو الأزياء سيلصقون ثياباً صغيرة جداً على زجاج اللوحات حيثما بدا عُريٌ، على نحوٍ يليق بالأجساد، ويطابقُ المتناسبَ اللائق بشكل الجسد وحركته.
مصمِّمو ورق الجدران سيمنحون الفراغَ حول اللوحات، أنَّى عُلِّقت، امتداداتٍ من اللون تفيض عن الجدران منسلَّةً إلى الرسوم، من فوق زجاج إطاراتها، فتغمر الأجزاءَ العارية من الأجساد بتناسقٍ لونيٍّ يحفظ للوحة مظهرها الأصل حين كان العُريُ بلا سِتْرٍ.
مهندسو الإضاءة ستُعْتَمدُ حِيَلُهم، في الأرجح، أكثر من مصمِّمي الثياب ومصممي ورق الجدران. هم لن يتدخلوا بحجابٍ مادَّة ورقٍ، أو قماش، لحجب العري في الرسوم. ستفيض منهم براعاتُ الحَجْب والتظهير إضاءةً على اللوحات بحِذْقٍ مدروسٍ قد يحسدهم عليه رسامو اللوحات أنفسهم على فَرَادته. سيوجهون أنواعاً من مراتب الضوء خافتاً، شاحباً، مبهراً، ملوَّناً، مقعَّراً، محدَّباً، بالغاً مبلغه من صِغر بؤرتهِ، دقيقاً كالخيوط أحياناً، عريضاً حيث يتوجب على النور أن يتلاعب بالمقادير في أَبعادِ الأشكال، ويخفِّض أوزانَ اللون أو يزيدها ثقلاً، بجعلها نافرةً أو غائرة. تلاعُبٌ كتلاعُب الشرقِ العمامات بأوروبا القبعات الراضية بالتبعية للعقود في «جهاد المال». حقوق المال مصونة في أوروبا عادةً، وها هي «حقوق الحياء» تحصِّنها صَوْناً على صَوْن.
«الجهادُ» بكل مرتبة فيه، من الأصائل الفروض إلى المُبتَكَرات الترفيه في أيامنا من لعب الدولة الإسلامية تشريعاً بابتكاراتها، أَلْهم أوروبا «جهادَ المال». لا الأخلاقُ عقبة في طريق إحقاقه؛ لا المهاجرون هرباً من الموت؛ لا تورُّطُ المتورطين في المذابح. «جهاد المال» الأوروبي سَلَك، في مصافحة أوروبا لإيران، طريقَ الفتح الأكبر: الشركات مقبلة.
2 ـ قَسَمٌ بالبرتقاليِّ
لماذا الثوب الأفغاني، تحديداً، في اقتداء جنود الخلافة بالأسلاف؟ كلُّ ثوب واسع يستر المفاتنَ ويخفيها. لا مطلوبَ أكثر. لكنَّ طلبَ التمايز ينحو بمريدي الخلافة الجديدة إلى إحياء اللزوم بذبح اللزوم: ذبحُ طُرُزٍ من الثياب كذبح طُرزٍ من الأعناق، وتمجيد طُرُزٍ من الثياب كتمجيد السكاكين رهيفةً، ماضيةً في وضعها على الأعناق.
الأمر كلُّه ذبحٌ واسع كثوب الأفغاني. لكنْ حيَّرني قليلاً اختيار فقهاء دولة الخلافة للإعدام ثوباً برتقالياً. لم أتحرَّ الرمزيَّةَ على مقاصد الشرع في تفضيله لوناً للقتل، ولا على مبتكرات مذاهب الجهاديين انقسمت قلوبُ بعضهم بين استحسان الذبح من يمين العنق إلى يساره، واستحسان الذبح من يسار العنق إلى يمينه.
كيف فاتني استقصاءُ المعنى في مرموزه الديني، أو في مصادر المعنى اقتداءً بالأسلاف؟ قد يكون الشرحُ بسيطاً، هيِّناً، مبذولاً، واسعَ الذيوع، لكنَّ المصادفة استثنتني منه. يا للعيب. كُثُرٌ مواضعُ البرتقاليِّ في رسومي، فهل كنتُ ـ بالأثر الغامض من إرث العقل متنقلاً من سلالة إلى سلالة ـ أستعيدُ الحُكْمَ الأول من معاني اختيار الألوان تفضيلاً، وتبويبِ مُقام الملائكة في بعضها، ومُقام الشياطين في بعضها؟
بُعِثَ اللون الأبيض نبيًّا مطهِّراً في شَعب اللون. بُعِثَ الأسودُ عاصياً مدنِّساً في شَعب اللون. وأوكِلتْ بعد ذلك وزاراتُ المعاني وأخلاقُها إلى الأخضر، والأزرق، والأحمر، والأصفر، وما فرَّعهُ المزْجُ من وظائفَ صُغرياتٍ على بَنِيِّها من الألوان الفروع. واهَاً: كلُّ موضعٍ للبرتقاليِّ، في لوحاتي، هو موضعُ إعدامٍ، أو حُكْم بالإعدام.
أيُّ برتقاليٍّ سيُبهج، بعد اليوم، أُمًّا، أو أباً، أو شقيقاً، شهد في الصور، أو رأى رأيَ العين، أخاً أو ابناً يُذبح في ثوب برتقالي؟ كل من شهد حبيباً، أو قريباً، يُعدم في اللون المنتخَب قصاصاً من فقهاء دولة الخلافة، سيُقْسِم بالبرتقاليِّ كقسَمه بالشيطان، وسيذكُرُ البرتقاليَّ كتجديفٍ، أو كُفْرٍ.
(الفقرتان 1و 2 مجتزأتان من سياقهما، في رواية قيد الطبع بعنوان «سبايا سنجار»).
غضبُ المصطلح
بي ذعرٌ لا يشابهه ذعر في التراكيب النفسانية لعلوم «مذاهب» الخوف: أن ينفدَ ورقُ الكتابة انقراضاً وأنا حيٌّ بعد. ذلك من مستحيلات الحقائق الآن. لكنه كالخوف متخيَّلاً من تلك النهاية، في مقبل الزمان، لكوكب الأرض سيُعتَصر بين شدقيِّ الشمس، ويُلفظ لهباً. وأنا، بلوعةٍ مَّا، سأنقل خيالي من التدليل الجسيم في براهين العِلم على «النهاية الكلية» إلى تفصيل بالغٍ مبلغه صغراً: لن يتبقى، في النهاية الكلية، من يصنع حساء عدس من عصائص الدجاج؛ لن تتبقَّى كتبٌ لتُقرأ.
فلنبدأ مما يذعرنا أكثر، في تصانيفنا لمراتب الذعر، أعني: الماء. عنصر حياة، وعنصر رموز في تآويل المنامات الصغار ـ منامات الليل أو النهار، والمنامات الكبار: شروح المتكلِّميْنَ النُّظار تقليباً في مذاهب الأوقيانوسِ ـ الفيضِ، والأنهارِ الأمهات الأساطير، والمنابعِ أصوات عرائس البحر، والبكاء ماءً، والأُجاجِ بأحيائه في خيال الملح، والعذب فيه بأحيائه من أنسباء الغيم العذب، والمُستنْقِعِ منه بفساد مأثوراته المتحوِّلة، والجاري نظيفاً ماءً مستحما في ماء، والأحواضِ الرقاد المنعش للمائيِّ على سفوح الجبال، ومخازن الأودية منه بمسيل عقلِ الجبل وجِدال السفوح إليها. ثم السراب، أخيراً، كتظاهر للماء بارتداء القناع، أو كنوم القيظِ حالماً.
تَعَاقبَ الشرَّاحُ في أحوال الماء على محمولات من العِلم، حتى الهذيان، بمصطلحات «الذاتية»، على اتفاق اللغة في تدبيرِ جلالٍ للجمع بين اللفظ ونَسَبه المبتَدَع: «جهاد الماء». «نبوَّة الماء». «الكُلِّيات المائية». «الماء الأسفار». «النقد المائي». «النقوش المائية». «وعظْ الماء». «مجتمعات الماء». «شرائع الماء». «القوانين المائية». «الزواج المائي» قائماً بحصالة ثالثة بين الزواج الديني والمدني. «الأحكام المائية». «عِلْم الماء المتنكِّر». «فلسفة القطرة».
لن أسترسل في الذي جُمعت صحائفُ في شأنه مجلَّداتٍ من «فلسفة الشعريات»، على غير فلسفة الحدود والمقدمات في المنطق. لكن سيتحمل الماء جريرةَ الحقد مبْتَكَراً عن ماهيته المائية، مذ لم تقُلْ لنا أساطيرُ التسليم، وأساطير الترغيم، بطوفانٍ رملٍ غرَّقَ الأرضَ غضباً من تدبير الخيال للغضب. لم تقُلِ الأساطيرُ بثلوجٍ التَهَم بياضُها ما توارثتْه الأشكالُ من نُظُم اختلافها، وما توارثته الألوان تكاملاً من وسْمِ الظاهر بطبائع الوصف لوناً. لم تقُل لنا برياحٍ هوجٍ عدَّلت مقاصدَ العمران والبنيان بتوليتها نقائضَ العمران والبنيان، وبلاغاتِ الهدم. وحدها المياهُ أُذيقتْ ـ منذ نشأة الماء أساسأً ليِّناً لاحتمال العماء ـ خبْطاً من تآليف النشأة: كثرتها غرقٌ؛ جفافُها عطشٌ هلاك. وهي، بين بين، وساطةُ الاعتدال إلى حفظ الخلائقِ (إلاَّ القليل من الخلائق التي لا تشرب الماء) جاريةَ الأنساغ بالحركة، وبالنُّطق.
الطوفانُ الماءُ هو تأويل العالم. ربما لهذا اختلطَ على معقولات الوجود الحي، حيوانات ونباتاً وبشراً ـ بخصائص احتوائها عقلَ الماءِ غذاءً ـ تفارُقُ العقل الإنساني في تخصيصه الأنسابَ بحواملها من شؤون الوصف للمائيِّ بأدب البرِّ، وللبريِّ بأدب الغَمر.
لستُ في عَرْض هنا للماء وكون التصورات فيه من معانٍ وخصائص، بل قصدْتُه احتكاماً إلى «فجور» المصطلح كيف توضَّع بغلبة اللذة صدوراً عن لسان اللذة، باحتماله الوجوهَ، والنظائر، والتخالفَ ضمْناً لتثبيت المتآلف.
مثيرٌ أن أُقحم الماء في ثبْت الاصطلاحات بزعمٍ لا يوافق العقل: الماءُ «مصطلحٌ». يبدو الأمر قلْباً لـ»الشاعرية» إلى «العلمية» بلا أيِّ سندٍ. فالماء عنصر محسوس يتقدم بوجودهِ برهانَ الحواس عليه رؤية، ومذاقاً لمساً، وشمًّا أيضاً بمزاجٍ زنخٍ فيه، أو مُستكْرَهٍ؛ وسماعاً أيضاً إن جرى خريراً، أو سقوطاً شلالاً، أو قطرات من ميزاب.
«المصطلح»، عُرْفاً، لا يتقدم بوجوده، كمعقولٍ، على المَلَكات أعقلاً كانت أم حسًّا. إنه صوغٌ لـ»تواطؤ» الرغائب في تثبيت «اتفاقها» على «صُلحٍ». لقد كان سديماً قبلاً، بلا اشتراك في وَسْمِ تصوُّرٍ له؛ أو ـ دعماً لصواب المنطق ـ كان موزَّعاً أجزاءَ على عقولٍ شتى، فجرى حصرها، وتطويقها قبولاً في رسمٍ عقليٍّ لا اختلافَ عليه، أو تأويل لدلالته إن ذُكِر، مثل: «كوكبة الدبران»، أو «القورينيَّة»، أو «الأرسطية المحدثة»، أو «علم الجمال» مثلاً. فكيف تأتَّى لي أن أُرغم الماءَ على اعتناق شأن الاصطلاح؟ سيقلب زعمي هذا كلَّ عنصرٍ، أو معقولٍ، أو متوهَّم، إلى مصطلح.
أحتكمُ إلى «المتَّفق عليه»، و«المحسوم»، و«العرف»، و«القياس». فإن كان في مستطاع التفاهم على المُشْتركات العقلية بضبطها في اصطلاحات متفق عليها ـ محسومةِ الدال، مقيدةٍ بالعرف والقياس، وهي لم تكن كذلك قبلاً ـ فلنا، إذن، إجازةُ إطلاق «المصطلح» على كل ما هو متفق عليه، محسوم بقيد البرهان فيه: كل أمم الأرض، والسماء، والجزائر؛ وأمم المياه المخلوقات، على اتفاق في معرفة الماء بوجود يتقدَّم تسميتَه ماءً حتى، إن لم يتوافر لهم بكفايةٍ من مزاج التركيب كيمياء عطشوا، أو هَلَكوا. حتى الظباء، اللواتي لا يشْربنَ ماءً في صحراء الغرب الأفريقي، والضبابُ، تتمثله بندى على الجلود، أو السوائل في القوت نبات، أو لحماً، أو حشراتٍ حشويَّة.
التراب، كمجرى الاتفاق في الماء، مصطلحٌ بدوره؛ وجودٌ بذاته قبل نشأة اللغة فاستذكرتْهُ اللغةُ، في ما بعد، على خصيصة الغذاء والإنبات، واليباس من شَذَرِ الحجر والنبات الموات متهرِّئاً إلى كَيْلوسٍ تتمثَّله البزور.
التراب اصطلاحٌ، كالعالم في ذاته فيزيائياً، والموجودات الأُخَر في ذواتها.
الماء، والتراب، ليسا من «المتوهَّمات»، أو المعقولات الممكنة الحصول حسًّا، أو بقاءً في معقولٍ متخيَّل. الزمانُ، مصطلحاً، هو من «متوهَّمات الفيزياء، التي تجعل القياس ممكناً»، فإن أُجيزَ المتوهَّم على مأخذ الاصطلاح أُجيز المحسوس عليه ضرورةً، أو قياسَ ضرورةٍ. أهذا الاستطراد، برمته، من البدهيَّات؟ البدهيَّاتُ وحدها تخونُ عادةً.
٭ شاعر وروائي سوري ـ السويد
سليم بركات

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا