الحمل

فواز طرابلسي عن سمير قصير

فواز طرابلسي عن سمير قصير
عن سمير قصير


نظّم ناشطون مدينون لبنانيون وقفةً تضامنيةً مع الشعب العراقي الذي يتعرّض منذ سنوات طويلة إلى حملات إبادة يومية على يد الإرهابيين الإسلاميين. ولم يشترك في الوقفة سوى عدد قليل من الناس، لكنّ العدد ليس مهماً، بقدر أهمية المبادرة الإنسانية نفسها. 
وأعتقد أنّ أهمّ أداة لقياس حيوية الشعوب وحساسيتها ودرجة وعيها وثقافتها هو قدرتها على التضامن مع الشعوب الأخرى، بغضّ النظر عما إذا كانت دولها وحكوماتها مؤيدة للحرب أو الإرهاب أو السلم. وعندما يتظاهر عربي واحد احتجاجاً على الإرهاب الذي يجتاح العراق والمنطقة العربية برمّتها كالطاعون، فإنّ ذلك سيبقى خالداً في ذاكرة الشعب العراقي، ويمنح العراقيين شعوراً بأنّهم لا يقفون وحيدين ومعزولين في محنتهم ومأساتهم. 
وقد سألت نفسي مراراً لماذا لا يتظاهر المصريون مثلاً تضامناً مع العراقيين واحتجاجاً على الصمت العربي الرهيب إزاء الإرهاب الذي يستهدف المدنيين بصورة خاصة؟ ولو افترضنا أنّ عدد سكّان مصر خمسة وتسعين مليوناً، فهل من الصعب أن يخرج شخص واحد من كلّ مليون ليتضامن مع الشعب العراقي؟ وهل من الصعب فعلاً تنظيم مظاهرة في القاهرة يشترك فيها خمسة وتسعون شخصاً؟ ونحن نعلم بالطبع أنّ الحكومة المصرية ستدمغ كلّ متظاهر بتهمة الإخوان المسلمين الجاهزة، ولن تسمح ربّما بالتضامن حتّى مع ضحايا الإرهاب؛ وقد تعتبر ذلك مؤامرةً إخوانيةً تستهدف مصر ونظامها. ومن الصعب بالطبع أن نطالب شعب الجزيرة العربية بالتضامن مع العراقيين، ليس لأنّ الحكومة السعودية متهمة بدعم الإرهاب الدولي، بل لأنّ جميع المظاهر المدنية معدومة تماماً في هذا البلد، حيث لا يحقّ للناس أن يمارسوا أيّ نشاط علنيّ باستثناء الصلاة. 
وإذا ما كان التضامن مع الشعوب أمراً بعيد المنال، فلماذا لا يناشد الناس في تونس والجزائر والمغرب مثلاً حكوماتهم لتضع حدّاً لجرائم آلاف القتلة الإرهابيين والانتحاريين الإسلاميين القادمين من هذه البلدان إلى العراق وسوريا، أو تحول أصلاً دون التحاقهم بتنظيم "داعش"؟ 
فها هو وزير الداخلية المغربي يعلن أنّ "عدد الجهاديين الذين يقاتلون تحت لواء الدولة الإسلامية في العراق والشام يفوق الألفيّ جهادي. ويتولّى أربعة منهم مسؤوليات مهمّة داخل التنظيم". فما الذي تقوم به الحكومة المغربية حيال هؤلاء القتلة وذويهم؟ وهل هي متواطئة معهم لسبب أو لآخر؟
وللأسف الشديد أنّ الحكومات العربية ومؤسساتها نجحت في تفريغ شعوبها من أيّ مضمون حضاري أو محتوى أخلاقيّ أو إنساني، فاستحال معظم الناس إلى مجرد متفرجين مسلوبيّ الإرادة ومستهلكين سلبيين لما تلقي به حكوماتهم من أقوال وأفعال.

كاتب ومترجم عراقي

الصورة: مظاهرة نظّمها مسيحيون سوريون وعراقيون في ألمانيا إدانةً لجرائم داعش

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top