الحمل

فواز طرابلسي عن سمير قصير

فواز طرابلسي عن سمير قصير
عن سمير قصير

حوار مع المفكر اليساري دافيد هارفي
الربيع العربي يكرر احداث 1848
ثورة .. فثورة مضادة .. فديكتاتور

 

أجرى الحوار طارق محمود- أحمد شكر
محاور 1: منذ أربع سنوات اندلعت ثورات الربيع العربي. الملفت للنظر أن شعارات الثورة بدأت بشعارات يسار، “عيش، حرية، عدالة اجتماعية،” على امتداد الوطن العربي. ومع تطور الأحداث السياسية سقطت الشعوب العربية ما بين فاشيتين: فاشية عسكرية وفاشية دينية. ما رأي سيادتكم؟ وهل هناك ما يبشر بإمكانية نشر الخطاب اليساري إذا ما تجاوز اليسار أزمته في ظل تطبيق الليبرالية الجديدة؟

هارفي: لا أعلم، أخبرني أنت. ليست لدي أدنى فكرة … يبدو لي الأمر من الخارج وكأن أحداث عام 1848 تتكرر مرة أخرى. هناك ثورة من الطبقات الدنيا، وثورة مضادة تؤدي إلى مشاكل في الأمن والأمان، ثم يأتي حزب الأمن والأمان ليحاول الوصول إلى وضع مستقر، ثم يأتي لويس بونابارت ويقول: سوف أحل جميع المشاكل، سوف أكون ديكتاتوركم الأعظم. وهكذا تظهر الإمبراطورية الثانية. تطور الأحداث في الحالتين متطابق تقريبًا.

محاور 1: هل نحن الآن نعيش الليبرالية الجديدة؟ والليبرالية الجديدة تتمدد من بلد إلى آخر وتصدر اقتصادها إلى العالم الثالث. إلى أي مدى وإلى متى تستمر الليبرالية الجديدة؟ وهل هناك أفق في مواجهة الشعوب؟

هارفي: يعتمد الأمر على تعريفك لليبرالية الجديدة بالطبع. دائمًا ما أعرفها كمشروع طبقي لتراكم الثروات والنفوذ في ظل حكم الأقلية. وجزء من هذا المشروع يستهدف أسر الدولة واستخدامها كأداة صرفة للحكم الطبقي. هذا هو المشروع. ثمة قوانين انبثقت من هذا المشروع، ومنها أن الدولة عندما تكون أمام الاختيار بين دعم الشعب ودعم رأس المال، فهي تختار دعم رأس المال. ومن قوانين اللعبة أيضًا خلق صعوبات تعرقل المنظومة المالية والشعب، وبعدها تقوم بإنقاذ المنظومة المالية وتجعل الشعب يدفع ثمن ذلك. وهذا بالطبع هو نوع الحلول التي مثلتها بشكل واضح للغاية برامج إعادة الهيكلة في صندوق النقد الدولي. شهدنا ذلك في عام 1992 في المكسيك، كما خضعت العديد من البلاد إلى تلك السياسات تحديدًا. هذه هي الليبرالية الجديدة. وفي رأيي لم تنته الليبرالية الجديدة مع أزمة عامي2007 و2008، فما فعلته الليبرالية الجديدة وقتها أنها أنقذت البنوك، وجعلت الشعوب تدفع ثمن ذلك. ما الذي يحدث في اليونان الآن؟ ينقذون البنوك والمؤسسات المالية ويجعلون الشعب يدفع الثمن. الليبرالية الجديدة ما زالت على قيد الحياة إذًا وفي أحسن حال. إذا كانت الليبرالية الجديدة تعني تراكم الثروات والنفوذ في ظل حكم الأقلية، فكل البيانات منذ 2007 و2008 توضح أن الطبقات الثرية ازدادت ثراءً منذ 2007 و2008، بينما ازدادت جموع الشعب فقرًا. وهكذا جاءت أزمة عامي 2007 و2008 في صالح الطبقات العليا بطريقة ما، ولقد استغلتها الطبقات العليا. الليبرالية الجديدة لم تمت إذًا. لكن ما نشهده الآن هو حركات بين الشعوب المناهضة لهذه السياسات. والحقيقة أن هذه الحركات لها تاريخ طويل، فقد كانت هناك أعمال الشغب ضد صندوق النقد الدولي في الثمانينيات والتسعينيات. لكننا الآن نشهد صعود أحزاب مثل سيريزا في اليونان، وحركات مثل بوديموس في أسبانيا، وحتى في بريطانيا نجد بعض السياسات المعارضة للتقشف قد بدأت في التبلور. ولعل ذلك يشكل بداية ظهور تهديدات لهذا الشكل من السياسات. لكن هذا الشكل من السياسات لن يتوقف عند حدوث أزمة. هناك مثل يقول: «ينبغي ألا تدع أزمة جيدة تذهب هباءً.» ولقد استغلت الأقلية الحاكمة التي تتبع الليبرالية الجديدة الأزمة الأخيرة على نحو شديد الذكاء، لكي تصبح أكثر ثراءً وتزيد من تمحور وتمركز الثروة حولها. قد ينتهي ذلك في يوم ما، لكنه لن ينتهي إلا عندما تصبح الحركات الشعبية واسعة المدى. ونحن نشهد الآن ظهور حكومات قمعية، سوف تحاول على الأرجح قمع الحركات المعارضة للتقشف، ويتهمونها بعدم الوطنية أو حتى الإرهاب. ونرى ذلك يحدث بدرجة ما في تركيا، وفي بعض البلاد الأوروبية، حيث يتم حشد أقصى تيار اليمين في مواجهة السياسات المعارضة للتقشف التي بدأت في الظهور

محاور 1: لكم رؤية خاصة حول تحول خصائص الطبقة العاملة وأثر تلك السمات على توجهات الأحزاب والحركات اليسارية. ما رؤية حضرتكم؟
هارفي: ليست لدي أية معادلة سحرية. أرى أن فهم طبيعة هذه المشكلة أمر شديد الأهمية للتنظيمات اليسارية، بحيث لا نستخدم نموذج تنظيمي يناسب عمال المصانع في البلاد الصناعية بشكل أكبر مثلًا. كما أرى أن معظم تنظيمات الطبقة العاملة قد ركزت في أغلب الأحيان على مكان العمل. لكن في ظل ظروف غير مستقرة بدرجة عالية من حيث مكان وكيفية العمل، قد يكون من الأفضل تنظيم العمال حسب أماكن إقامتهم. ولطالما شعرت أن سياسات الحياة اليومية ومحل الإقامة على نفس درجة أهمية سياسات [مكان العمل]. ولذلك أظن أنه في حالة وصف قطاع غير رسمي هائل الحجم، يتم تمدينه بشكل متكرر، أو فئات مهاجرة من العاملين بالزراعة، لا يكون لدينا عنوان ثابت. علينا اتباع الناس أينما يعيشون، لنبدأ الحديث معهم عن ظروف المعيشة، من ناحية سير العمل وأيضًا من ناحية مشاكل المعيشة والحياة اليومية. وأظن أن ذلك أصبح ينطبق حتى على أكثر البلاد رأسمالية، حيث توقفت الطبقة العاملة بالصناعة عن النمو، بل بدأت في الاندثار. وعليه ينبغي تنظيم أفراد الطبقة العاملة العابرة التي تدعم الحياة المدنية، من عمال التوصيل إلى عمال المطاعم وعمال المواصلات، بناءَ على مبادئ مختلفة. ولذا أنا معني بشكل كبير بنموذج تنظيمي يقوم على التوزيع الجغرافي، أي تنظيم كل حي على حدة، بحيث يتمكن جميع العمال الذين يعيشون في حي بعينه من تطوير وعيهم الجمعي من خلال محل إقامتهم، ومن ثمّ ينقلونه إلى محل عملهم أيضًا. لطالما رأيت أنه علينا زيادة العمل على هذا النموذج، وأظن أن التحولات التي طرأت على أشكال التوظيف، وعلى الرأسمالية بشكل عام، جعلت استخدام هذا الشكل التنظيمي البديل أكثر منطقية.
محاور 2: أريد التعقيب بسؤال آخر قبل الانتقال إلى النقطة التالية. لأني أؤمن تمامًا بقوة الحركات الشعبية أجد غرابة في طرح سؤال كهذا، لكن يبدو أن هناك بعض الاقتصاديين من التيار الرئيسي قد تخلوا عن وفاق الليبرالية الجديدة، مثل ستيجليز وكروجمن وآخرون. وفي المؤسسات الاقتصادية مثل صندوق النقد الدولي كانت هناك انتقادات لطريقة التعامل مع الأزمة اليونانية، وقد نشروا عددًا من الأبحاث عن التقشف وآثاره السلبية على النمو. هل ترى إذًا أن ثمة شعور بأن الصيغ القديمة بها عيوب، لكن مع عدم وجود إجماع على طريقة التعاطي معها؟ هل يمكن القول إن الليبرالية الجديدة لم تنتج شخص مثل كينزيستطيع توحيد الآراء؟؟
هارفي: الموقف كما أراه يمكن تلخيصه كالتالي: الرأسمالية أداؤها سيء للغاية. أما الطبقة الرأسمالية، الفئة التي تتحكم فعليًا في كل شيء، أداؤها جيد للغاية. وما يحدث دائمًا هو أن قطاع من الطبقة الرأسمالية وواضعي نظريات هذه الطبقة يهتم بشكل كبير بأداء الرأسمالية، هؤلاء أمثال ستيجليز وكروجمن، ويرون أن أداء الرأسمالية سيء للغاية، ويريدون إنقاذ الرأسمالية. كما قال كينز: «أنا أنقذ الرأسمالية ولا أعارضها.» وأظن أنهم يحاولون إنقاذ الرأسمالية من الرأسماليين. لأن وفقًا لرؤيتهم الرأسماليين الفرديين، وهم قطاع من الطبقة الرأسمالية، يتصرفون بأنانية من شأنها تدمير أساس ثرواتهم. وبالنسبة لهم هذا التناقض واضح جدًا، وهو ما يجعلهم ينادون بحركة من داخل الطبقة الرأسمالية لتعتني بحال الرأسمالية. وإن كان ذلك يتطلب تقليص نفوذ فئة ضئيلة فلا بد من فعل ذلك، لأن هذا هو الطريق الوحيد لاستمرار الرأسمالية. هذا ما يقولونه في رأيي. وأظن أن ذلك بدأ يتضح، كما بدأ يظهر في الخطاب السياسي، وهذا الاتجاه الذي تحاول هيلاري كلينتون تمثيله: «أنا أريد إنقاذ الرأسمالية. وعلي أن أفعل ذلك من خلال إعادة توزيع الثروات والنفوذ، علي أن أعارض تمركز الثروات والنفوذ.» لا أصدقها على الإطلاق، لكن هذا ما بدأت التصريح به مؤخرًا. ولذلك أظن أننا إذا اتفقنا مع التحليل الذي يقول إن أداء الرأسمالية سيء للغاية، وهو في اعتقادي أمر لا يقبل الشك، وأن أداء الطبقة الرأسمالية جيد للغاية، ما لا يقبل الشك في اعتقادي أيضًا، سوف نجد هنا تناقضًا يجبر قطاعًا من الطبقة البرجوازية في وقت ما على المطالبة بمعالجته. وهناك من ينادي بذلك منذ فترة، مثل ورين بافيت، وجورج سورس—الكثير من الأثرياء يقولون ذلك. وإن موقف جورج سورس لافت جدًا للنظر، فهو يقول: «أنا أدعم التغيير بالكامل، لكن حتى يحدث ذلك التغيير سوف أستمر في التربح، كما فعلت من قبل.» هذا موقف لافت جدًا للنظر. لكنه يدعم هذا الجناح الذي يسعى إلى إنقاذ الرأسمالية.
محاور 1: رأس المال العالمي والشركات متعددة الجنسيات تمارس إعادة تشكيل العالم من خلال الليبرالية الجديدة. هل هناك تناقض بين صندوق النقد والبنك الدولي وبين بريكس الآسيوي من حيث الدعم وهيمنة رأس المال العالمي على مقدرات الشعوب والطبقة العاملة عالميًا؟ وهل بريكس تمثل أي نهج شعبي؟
هارفي: منذ فترة وأنا غير راضٍ عن مصطلح الإمبريالية.” كتبت كتابًا عن الإمبريالية الجديدة، لكنه كان بشكل ما نقدًا للمفاهيم التقليدية للإمبريالية. لم أتعمق في الأمر مثل صديقي العزيز وزميلي جوفاني ريجي، وأعني بهذا أني لا أرغب في الحديث عن الإمبريالية على الإطلاق، وكان هو يرغب في الحديث عن الهيمنة في النظام العالمي، وتحول تكوينات الهيمنة. لكن أظن أن ما قاله يحمل شيء من الصحة، لأننا إذا نظرنا الآن إلى أهم المستغلين في سوق النحاس في زامبيا مثلًا، سنجد شركتين كبيرتين إحداهما صينية والأخرى هندية. كما سوف تجد أن شخص مثل كارلوس سليم في المكسيك لديه مصالح في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية. بعبارة أخرى، إن استغلال شعب ما في مكان بعينه من قبل شخص آخر في مكان مختلف قد أصبح أمر شديد التعقيد في المشهد العالمي. من الناحية الجغرافية السياسية، تظل الولايات المتحدة المهيمنة من منظور عسكري. لا يوجد في العالم من يتفوق على الولايات المتحدة من حيث التقنية العسكرية. لكن كما نعرف، الأمر لا يقتصر على التقنية العسكرية فحسب. فوجود جنود على الأرض، كما رأينا في أفغانستان والعراق وغيرها، أمر مختلف تمامًا. لذلك لا أرى أنه يمكن اليوم تطبيق النظرية الكلاسيكية للاستعمار والإمبريالية التي كانت صالحة في القرن التاسع عشر، والتي كتب عنها لينين. على سبيل المثال، أنا أعمل أحيانًا في الإكوادور، 45 في المئة من الاستثمارات الأجنبية في الإكوادور تأتي من الصين. وتعاني الإكوادور من تضخم خطير في ميزانيتها القومية، بسبب ارتباط40 في المئة من ميزانيتها بعائدات البترول. ولقد انخفض سعر البترول إلى النصف، ما أدى إلى أزمة هائلة في الميزانية. ماذا فعلوا؟ اقترضوا أموالًا من الصين. وما الذي طلبته الصين في المقابل؟ فتح المجال لاستخدام الموارد المعدنية في الإكوادور، وهم حاليًا يقومون بنهبها. ولذلك أظن عندما نرى ذلك يحدث، قد نقول إنه لا يمكن لوم الإمبريالية الأمريكية على الوضع في الإكوادور، رغم تاريخ أمريكا الإمبريالي الطويل والذي يجب أن تحاسب عليه، لأن الوجود الإمبريالي الحالي للصين. لقد ذكرت بريكس، لا يعجبني هذا المصطلح. أظن أن هناك فارق كيفي بين البرازيل مثلًا والصين، من حيث الأهمية والقوة بالنسبة للاقتصاد العالمي. وأظن أن إنعاش اقتصاد البرازيل ومعظم أمريكا اللاتينية مرتبط بشكل ما بتسرب المواد الخام إلى الصين. ولقد جاء انهيار قيمة السلع مثل النحاس والحديد، إلى آخره، على مدار الأشهر الستة الماضية بسبب الركود الذي أصاب الصين، والذي سبب مشاكل كبيرة لأستراليا وتشيلي والبرازيل. لذلك أكرر أننا أمام اقتصاد عالمي منقسم، هناك قطاع أمريكا الشمالية وأوروبا الذي يعمل على التقشف، وهناك تشكيل الصين ذو الميول التوسعية أو الكينزية إذا صح التعبير، والذي استقطب قسمًا كبيرًا من التجارة العالمية إلى مداره. لذلك علينا تحليل الموقف كما يلي: بدلًا من التركيز على المفاهيم الكلاسيكية للإمبريالية، أو حتى نظرية المنظومة العالمية التي أرى أنها غير صالحة أيضًا، أفضل الحديث عن الجانب الجغرافي السياسي للنمو الجغرافي غير المتكافئ، مع تبني بعض من نظريات جوفاني ريجي حول التحولات في تشكيلات الهيمنة. فنحن نشهد حاليًا ظهور هيمنات إقليمية؛ ألمانيا تهيمن بشكل واضح على أوروبا، والبرازيل تهيمن على أمريكا اللاتينية، والصين تهيمن على الشرق الأقصى، وبالطبع هناك أمريكا الشمالية والمكسيك وكندا وتشكيلات هيمنة أخرى. نحن الآن أمام قوى مهيمنة ذات طابع إقليمي. وبالرغم من قوة الولايات المتحدة عسكريًا، إلا أنها ليست على نفس درجة القوة اقتصاديًا. وهذا أمر متغير على نحو سريع. فقبل ثلاث سنوات كان الجميع منبهر بازدهار أمريكا اللاتينية، لكن عندما ننظر إليها الآن نرى أن الوضع كارثي. تحولات كهذه تحدث بسرعة كبيرة، ولذلك أظن أن الحديث عن الإمبريالية غير مرن بما يكفي لاستيعاب ديناميكية هذه التحولات، وأنا أفضل استخدام لغة تتضمن تحولات أشكال الهيمنة والنمو الجغرافي غير المتكافئ وما شابه
محاور 2: ما فهمته من حديثك أن ريجي تحدث عن دورات التراكم المهيمنة كظاهرة عالمية.
هارفي: نعم
محاور 2: إذا ما تقترحه أنت هو وجود مساحات تتداخل فيها قوى الهيمنة
هارفي: نعم، هذا صحيح. الصين الآن تواجه صعوبات بالغة، مع انهيار سوق الأوراق المالية والعقارات إلى آخره. وكل مكان مرتبط بتجارة الصين يواجه صعوبات أيضًا. لم تكن هذه الحال قبل ثلاث سنوات. والمفارقة أننا قبل ثلاث سنوات كنا نقول إن أمريكا الشمالية قد انتهت، لكنها المكان الوحيد الذي يحدث فيه نمو حقيقي. ولذلك فاستمرار الرأسمالية العالمية مرتبط باستعادة أمريكا الشمالية عافيتها بشكل ما. والحقيقة أن بريطانيا أقرب إلى الولايات المتحدة منها إلى سائر بلاد أوروبا. ولذا فالعالم الأنجلو-[أمريكي] هو الأمل الوحيد لاستمرار الرأسمالية، لم نكن لنقول ذلك قبل ثلاث سنوات. لذلك علينا أن نتحلى بالمرونة في فهمنا لهذه الديناميكيات.
محاور 1: الجغرافيا السياسية من منظور يساري: كيف ترون من خلاها اقتصاد النفط العربي؟ وإلى أي مدارس الإنتاج ينتمي هذا الاقتصاد؟
هارفي: من وجهة نظري يخلق رأس المال فائضًا على الدوام، لأنه مرتبط بالقيمة الفائضة، وعند إنتاج هذه القيمة الفائضة يجب أن تذهب إلى جهة ما. وهكذا يبقى السؤال مطروحًا، كيف نتخلص من القيمة الفائضة؟ كيف نتوسع وأين نتوسع؟ تكون فرص التوسع في الأغلب مقيدة بأماكن أو مناطق محددة. ولذا يبحث رأس المال عن مكان آخر يمكنه الاستمرار في التوسع فيه. عندما كان رأس المال البريطاني يتحكم في رأس المال بالقرن التاسع عشر، كان رأس المال يصدّر من بريطانيا إلى أمريكا اللاتينية والأرجنتين وأمريكا الشمالية وأستراليا وجنوب أفريقيا. لدى بريطانيا عدد من ما أطلق عليه «الحلول المكانية.» لدينا فائض في رأس المال لا نستطيع استعيابه في بلدنا، ماذا نفعل إذًا؟ نتجه إلى الخارج. كثيرًا ما ارتبط ذلك بالطبع بالغزوات الاستعمارية أو الهيمنة الإمبريالية. لكن المثير للاهتمام هو أن البلاد التي خضعت إلى أكثر الممارسات الاستعمارية لم تكن مفيدة لبريطانيا، لأنها لم تخلق طلبًا لبريطانيا. وثمة أمر غريب هنا. فقد وصل الأمر ببريطانيا إلى أنها كبحت نمو الهند كقوة رأسمالية في القرن التاسع عشر، وبذلك دمرت سوقًا محتملة. فلطالما كانت الولايات المتحدة أكبر أسواقها، ولكنها توسعت بعيدًا عن الهيمنة البريطانية. يطرح ذلك معضلة: هل نغزو مكان ما ونستغله، أم نحرره ونترك رأس المال ينمو فيه ليصبح هذا النمو طلبًا لمنتجاتنا؟ هذا ما أطلق عليه الحل المكاني لمشاكل تراكم رأس المال.
في القرن التاسع عشر كان هناك العديد من الأماكن التي يمكن الانتقال إليها. في السبعينيات ضاقت الأماكن. لكن لحسن الحظ انفتحت السوق الصينية، وأصبح من الممكن توجيه جزء كبير من رأس المال إلى الصين. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي أصبح توجيه الكثير من رأس المال هناك ممكنًا أيضًا. لكن بعدها شهدنا مسارًا مثيرًا للأحداث. بمجرد ما يتحول البلد إلى مركز لتحويل فائض تراكم رأس المال الذي لم يعد من الممكن استيعابه داخليًا، يبدأ بدوره في تصدير رأس المال—ويمكن تعقب تواريخ حدوث ذلك، لا أتذكرها بالتحديد الآن. بدأت كوريا الجنوبية في تصدير رأس المال بشكل جنوني في أواخر السبعينيات. كما بدأت تايوان في تصدير رأس المال بشكل جنوني في منتصف الثمانينيات، لأنها كانت تعيد إنتاج فائض رأس المال ولم تتمكن من استيعابه داخليًا. وكنتيجة لذلك أصبح هناك متعاقدون من الباطن من كوريا وتايوان يذهبون إلى الصين، وإلى أمريكا الوسطى، وجنوب أفريقيا، وهناك مارسوا أبشع سياسات العمل الاستغلالية. معظم ما أنتجوه كان سلعًا تذهب في النهاية كجزء من تدفق السلع الاستهلاكية متعددة الجنسيات إلى الولايات المتحدة. كيف نتناول هذا الأمر؟ من وجهة نظري، عندما يتدفق فائض رأس المال إلى الخارج يعني ذلك وجود إمبريالية ضمنية. الصين لديها الآن فائض رأس مال يذهب إلى الإكوادور وإلى أنحاء أمريكا اللاتينية، فهناك العديد من الاستثمارات الصينية في أمريكا اللاتينية. كما يوجه قسم كبير من رأس المال الصيني إلى أفريقيا. هل يعني هذا أنها علاقة إمبريالية؟ من الناحية الاقتصادية قد يكون ذلك صحيحًا، لكن ليس من الناحية السياسة والعسكرية. ولذا فالوضع أمامنا معقد. والحقيقة أن هناك سلسلة رائعة من الكتب تحت عنوان «التحول العالمي» للكاتب بيتر ديكن، وأظن أن الجزء الأول كان عام 1992 تقريبًا، تلته أجزاء أخرى ناجحة آخرها الجزء السادس في العام الماضي. إذا اطلعت على الأجزاء الستة وسألت نفسك: أين رأس المال اليوم؟ سوف تجد أنه هناك تحول تام في توزيع رأس المال. هناك حركة بالتأكيد. فنجد اليوم إنتاجًا في بنجلاديش وفيتنام، حتى رأس المال الصيني يتدفق إلى تايوان وفيتنام، لأن العمالة هناك أرخص من الصين. وهكذا بدأنا نشهد هذه التدفقات. وبصفتي عالم جغرافي كنت أتمنى متابعة سير هذه التدفقات. المشكلة في الشرق الأوسط هي عائدات البترول بالطبع. ما الذي يمكن فعله بكل هذا الفائض من عائداتك؟ هل يمكن توجيهه إلى التنمية التقليدية؟ لسبب ما تأتي الإجابة بالنفي. ماذا يفعلون إذًا؟ يبنون مدنًا شديدة البذخ مثل دبي، إلخ. ما نراه هو استعياب فائض رأس المال من خلال العمران الضخم. وفي نفس الوقت تسعى دبي إلى أن تصبح مركزًا ماليًا، مثل شانجهاي وإسطنبول. الجميع يريد أن يتحول إلى مدينة عالمية. ولتحقيق ذلك يجب أن تضم كل الشركات المالية الكبرى، وتبني فنادق في وسط الصحراء بها حلقات للتزلج. هل هذه طريقة ملائمة لاستخدام الموارد في جزء من العالم يعاني معظم سكانه من تدهور مستوى المعيشة؟! هذا أمر سخيف، لكنه مستمر. كان هناك رجل يطلعني على صور من الهند لمجمعات ضخمة يعد كل دور بها شقة منفصلة، وكل شقة تحتوي على حمام سباحة بدلًا من شرفة عادية. ترى على ارتفاع 40 طابقًا شققًا بها حمامات سباحة في بقعة من العالم تعاني من نقص المياه! في بلد تحتاج جموع الشعب فيه إلى التنمية الاقتصادية بشدة، يوجهون الفائض إلى أمر كهذا. لذا أرى أن كيفية استخدام الفائض في مختلف أنحاء العالم مسألة مثيرة للاهتمام. لم أتتبع الأمر جغرافيًا لكني ألاحظه أثناء سفري، في ساو باولو مثلا، وفي سانتياجو في تشيلي هناك مكان يطلقون عليه «مانهاتن الصغيرة» لأنه نسخة من مانهاتن بمبانيها الضخمة، وبالقرب منه تجد أحياء الفقراء. هذه هي رؤيتي الجغرافية للأمر. ومن المهم تتبع التدفقات المساحية في جميع أنحاء العالم لتتضح لنا الأمور. كنت أتمنى لو كان لدي فريق كامل يعمل على تتبع ذلك. لكن بعض المؤسسات البحثية في البنوك الكبيرة تقوم بتتبعها طوال الوقت. فهم يبحثون عن مكان يضخون فيه المال، سواء في دول الخليج أو أمريكا اللاتينية أو كازخستان. يبحثون عن مكان ملائم لاستعياب فائض رأس المال. هذه الحسابات يقوم بها خبراء في الجغرافيا في قطاع البنوك
محاور 2: وفي حالة دول الخليج هناك عنصر مهم أيضًا وهو العنصر الإقليمي. فالخليج كقوة رأسمالية يستثمر بشكل كبير في قطاع البنوك والعقارات، كما انخرط الآن في أعمال التنقيب.
هارفي: نعم، هذا صحيح
محاور 1: هل ترون أن تجارب أمريكا اللاتينية قد حلت مأزق الاشتراكية العالمية بطرحها إشكالية الديمقراطية الشعبية مقابل الماركسية التقليدية التي انغلق أمامها مجال التجديد الاشتراكي؟ وما تقييمكم لتجربة اليونان
هارفي: علي أن أتوخى الحذر في ما سأقوله بهذا الشأن. يمكننا القول إنه كانت هناك حركات ثورية حقيقة في أمريكا اللاتينية منذ منتصف التسعينيات استمرت من 10 إلى 15 عامًا. تحدت هذه الحركات قوة النخبة التقليدية، وبدأت إضفاء طابع ديمقراطي على الحكومات، وقد تأثرت بشكل بالغ بحركات السكان الأصليين والمزارعين الذين كثيرًا ما كان يتم إهمالهم، مثل حركة ميستيزو وما شابهها. لا يوجد شك أنه كانت هناك حركات كبرى، مثل الحركات الثورية التي أطاحت بالعديد من الحكومات في بوليفيا والإكوادور، وتولي شافيز الحكم في فينزويلا، والنسخ الديمقراطية التي تلتها من خلال حزب العمال في البرازيل، وبشكل ما كيرشنر في الأرجنتين — لكن هذه حالة مقعدة نظرًا لتاريخ البيرونيين الاستثنائي. وكان الهدف الأساسي منها تحويل عملية الوصول إلى السلطة إلى المسار الديمقراطي، كما كان الهدف الثاني التصدي لليبرالية الجديدة. كانت إذًا حركات معارضة لليبرالية الجديدة والنخبة، نتج عنها انتخاب رؤساء شعبويين مثل شافيز، وهو حالة فريدة لأنه أول رئيس في أمريكا اللاتينية من أصول عرقية لا تنتمي للنخبة، وتبعه موراليس الذي ينتمي إلى جماعة آيمارا من السكان الأصليين. لقد حدث تحول هائل بالفعل، فقد شهدت النخبة تحولًا ديمقراطيًا — تم استعياب الفئات الأخرى، وأصبحنا نرى الآن في الإكوادور مسؤولين بالحكومة يرتدون الزي التقليدي، لم يكن ذلك ممكنًا قبل 10 أعوام، لو رأيت شخصًا كهذا في البرلمان وقتها كان من الممكن أن تستدعي الأمن لإطلاق النار عليه. وهكذا تم استعياب المتعلمين في الهياكل الحكومية. ومع هذا الاستعياب خفت نشاط حركات السكان الأصليين أحيانًا، وفي أحيان أخرى انقسمت حركات السكان الأصليين إلى مجموعة تعمل بالحكومة وأخرى ترفض ذلك. لكني أشعر أن الطاقة التي جاءت من هذه الحركات العرقية قد تضاءلت بشكل كبير، ولم يعد هناك حس ثوري كما من قبل. هل كان هناك نموذج تنمية اقتصادية بديل؟ أظن أن الإجابة لا. فكل هذه البلاد قائمة على استخراج الثروات والمعادن والنفط من الأرض للتصدير، وفي حالة البرازيل لا يقتصر الأمر على المعادن بل يمتد أيضًا إلى الزراعة — فقد تحول معظم بلاد أمريكا اللاتينية إلى مزرعة ضخمة لفول الصويا تخدم التجارة الصينية. أثناء إحدى رحلاتي الكثيرة إلى الإكوادور منذ 15 عامًا لاحظت محصولًا غريبًا لم أره من قبل، وعندما سألت عنه قالوا هذا فول الصويا، تحولت الزراعة كلها إلى فول الصويا على نحو متطرف. لا شك أن أسعار فول الصويا كانت جيدة، وبسببه ازدهرت الأرجنتين، لكن عندما انخفض سعره مؤخرًا تأثر اقتصاد الأرجنتين. لذلك أرى تأثير الارتباط بالاقتصاد العالمي من ناحية، واستعياب العناصر الثورية في الهياكل الحكومية من ناحية أخرى، بالإضافة إلى عدم القدرة على التخلي عن قدرات الطبقة الرأسمالية واستثماراتها — فحتى شافيز لم يتمكن من مهاجمة سلطة الطبقة الرأسمالية، ورغم تأثر سلطة الطبقة الرأسمالية في الإكوادور بالتعديلات الضريبية وإعادة توزيع الثروات إلخ، لكنها ما تزال متحكمة في الاقتصاد. ينتج عن ذلك نموذج اقتصادي تنموي، فنجد طرق سريعة جديدة في كل مكان والمزيد من السيارات والمجمعات التجارية ومطار جديد، لا يختلف عن أي مكان آخر، فهو مشروع تحديث نموذجي مع بعض عناصر إعادة التوزيع. لا شك أن بلاد مثل الإكوادور وبوليفيا والأرجنتين وفنزويلا، وكذلك البرازيل بدرجة ما، قد شهدت موجة «اشتراكية» من إعادة توزيع الثروات، لكنها لم تتخل عن النموذج التقليدي الذي نراه في المجمعات التجارية والأسواق المركزية والسيارات والطرق السريعة. إنه أمر ملهم بلا شك أن نرى خيارات ممكنة في اتجاهات أخرى في ظل هذا النظام العالمي الحالي، قد يستفيد منها قطاع كبير من الشعب. لكن هل هذا نموذج اشتراكي أو معارض للرأسمالية؟ هو بكل تأكيد غير معارض للرأسمالية.
محاور 2: على ذكر الخيارات البديلة أود تحويل الحديث إلى اليونان. ما هو رأيك بشكل عام في صعود سيريزا على مدار السنوات القليلة الماضية ونتيجة المفاوضات مع الترويكا؟
هارفي: منذ البداية في عام 2011 تقريبًا، وقد قلت ذلك من قبل في مقابلة بالراديو، كنت أرى أن الحكومة اليونانية أمامها خيارين، إما عدم الالتزام بديونها لدى البنوك أو عدم الالتزام بواجباتها تجاه الشعب. وكنت أرجح عدم الالتزام بديونها لدى البنوك، حتى وإن كان ذلك يعني الخروج من الاتحاد الأوروبي. وأظن أن هذا كان حتميًا في ذلك الوقت، لأنه كان سيوضح أن جزءا كبيرا من المشكلة يعود إلى عيوب في ممارسات الإقراض البنكية، والبنوك المقرضة كانت ألمانية وفرنسية بالطبع. وقتها كانت الحكومة الألمانية سوف تضطر إلى إنقاذ بنوكها، بسبب سوء تصرفها في ما يخص اليونان. الأمر تخلله ممارسات فاسدة، فقد كانت البنوك تقرض اليونان لكي تشتري اليونان منتجات ألمانية، وكانت سوق شركة بي إم دبليو للسيارات في اليونان ضخمة لأن البنوك كانت تقرض اليونان الكثير من الأموال لشراء سيارات بي إم دبليو. وعندما عجز اليونانيون عن تسديد الديون كان يجب محاسبة البنوك. لكن ذلك لم يحدث. قال البعض وقتها إن الوضع سيكون كارثي إذا تخلفوا عن الدفع، لكني قلت إن الأمر أشبه بضرس تالف، إما أن تخلعه وتعاني من ألم مؤقت، أو تتركه وتعاني بقية حياتك. والحقيقة أنهم اختاروا في عام 2011 المعاناة بقية حياتهم، وهذا الوضع الحالي. لو كانوا خلعوه كان الوضع سيسوء لمدة عام أو عامين، ولكنه كان سيتحسن بعدها. هذا هو رأيي.
ما كانت الحكومة اليونانية وقتها لتفعل ذلك قط، لأنها كانت متواطئة مع النخبة الأوروبية، كانت جزءًا منها. ثم جاء ائتلاف سيريزا بعدما أدرك اليونانيون أنهم سوف يعانون للأبد ولم يعد في إمكانهم احتمال الوضع، أرادوا شيئًا مختلفًا. أظن أنه كان ينبغي لسيريزا منذ البداية الاستعداد لمغادرة الاتحاد الأوروبي. كانت حجتهم لعدم فعل ذلك أنه قد يضعف موقفهم في المفاوضات. لكني أرى أن ذلك كان من شأنه تعزيز موقفهم في المفاوضات، لأنه إذا صحت المخاوف في أوروبا من تفكك الاتحاد الأوروبي، كان استعداد اليونان لمغادرة الاتحاد الأوروبي من شأنه زيادة حذر الأوروبيين في تعاملهم مع اليونان. لكن لأن اليونان لم تذكر شيء عن مغادرة الاتحاد الأوروبي، لم يظن الأوربيون أنها قد تفعل ذلك طوعًا. كان يجب أن يفعلوا ذلك بمجرد توليهم الحكم، كان يجب الإعلان عن خطة واضحة لمغادرة الاتحاد الأوروبي إذا اضطروا إلى ذلك. بعض الآراء المعارضة كانت تتوقع أن تخرج الأموال من البلد إذا حدث ذلك. لكن البيانات الحالية تشير إلى أن الأموال خرجت من البلد على أية حال. لقد فازوا في شهر يناير، ومع حلول شهر ديسمبر كانت كل الاستثمارات الكبيرة قد خرجت من البلد. كان هناك العديد من الحجج المغلوطة في هذا الشأن في رأيي.
لا أعلم لماذا أجروا الاستفتاء. هناك نظريتان: الأولى أن تسيبراس كان يظن أن النتيجة سوف تكون بالموافقة، ووقتها يستطيع أن يستقيل ويترك لهم أمر المفاوضات. أما الثانية فتقول إنه كان يتطلع إلى نتيجة بالرفض، وكانت حملته تدعم هذه النتيجة، ظنًا منه أن ذلك يعطيه المزيد من القوة، لكنه أخطأ في الحسابات لأنه ذلك لم يحدث — لم يحدث للسبب الذي ذكرته، أنهم لم يخططوا لمغادرة الاتحاد الأوروبي. تجري استفتاء من المحتمل أن تكون نتيجته بالرفض، وهذا الرفض في نهاية المطاف يؤدي إلى مغادرة الاتحاد الأوروبي، لكنك لا تعلن عن خطة لمغادرة الاتحاد الأوروبي في الحملة. كانت هذه إدارة سياسية سيئة من جانبهم
محاور 2: نحن نعلم منذ المفاوضات أن جزءً من الحكومة الألمانية […] أراد خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي. لو كانوا اختاروا مغادرة الاتحاد الأوروبي كخيار أكثر واقعية، إلى أي مدى كان ذلك سيزيد من قوتهم؟
السؤال الثاني، هل كان ذلك ممكنًا في الواقع بالرغم من أنهم لم ينتخبوا على أساس مغادرة الاتحاد الأوروبي؟ فقد انتخبهم الشعب لأنهم الحزب الذي سوف يحارب التقشف مع الإبقاء على اليونان في الاتحاد الأوروبي
هارفي: صحيح، لكن كان من الممكن بعد نجاحهم في يناير أن يصرحوا بضرورة الاستعداد لمغادرة الاتحاد الأوروبي، ثم يبدؤا توعية الناس في اليونان بما قد يترتب على ذلك. فالناس كانت تخشى مغادرة الاتحاد الأوروبي. لكن من خلال مناقشة الأمر كان يمكن إقناع الكثير من الناس. حتى فاروفاكيس قال نفس الشيء مؤخرًا، إنه لم يضع ذلك في الحسبان. بعد مرور عامين قاسيين كان من الممكن لليونان أن تبدأ طريقها للنمو سريعًا. وقتها كانت قيمة الدراخما ستنخفض، وتزدهر السياحة بشكل هائل، وتعود الصناعة اليونانية التي دمرتها المنافسة الألمانية بسبب هذا السوق الداخلي، وتتأقلم الزراعة مع موارد المياه المتاحة، حتى مشاكل الطاقة المحتملة كان من الممكن التغلب عليها باتفاقيات للمساعدة
محاور 2: ماذا عن الخوف من ما يطلق عليه «لوبي الدراخما»، الأثرياء الموجودين خارج اليونان والذين ينتظرون عودة الدراخما ليعودوا ويشترون كل شيء
هارفي: قد يفعلون ذلك بالفعل، لكن وقتها سيكون هناك تدفق نقدي هائل. ولقد حدث ذلك في الأرجنتين من قبل بعد تخفيض قيمة العملة في الأرجنتين. كان كل أصحاب الأموال قد ذهبوا إلى ميامي، وبعد فك الارتباط بالدولار وأصبح الدولار فجأة يساوي 3 بيزو، عاد الجميع بأموالهم من ميامي وتضاعفت ثرواتهم ثلاثة أضعاف. هذا ما حدث في الأرجنتين. لكن على الأقل عادت النقود إلى البلد، وأصبح الناس يشترون الأصول. لكن على الناحية الأخرى سوف تنتعش السوق على الأرجح. هناك عدة أبعاد لهذا الأمر بالطبع، لكن كان يمكن التصدي لذلك من خلال تعديلات ضريبية مثلًا، لكنه أمر حتمي. هذا هو الثمن. وكلما انخفضت قيمة الدراخما كلما زاد حجم الأموال العائدة. وبما أن اليونان في أمس الحاجة إلى الاستثمارات الجديدة، فكل هذه الأموال المتدفقة كانت ستساهم في استعادتها عافيتها. قد يكون هناك بعض الميزات الطبقية خلال ذلك …
محاور 2: لكن عليك وضع ضوابط رقابية.
هارفي: عليك أن تحاول مراقبة ذلك، لكن في ظل الفساد القائم … بالتأكيد هناك الكثير من التأثيرات السلبية، لكن كما قلت، أنا أرى الحل في المغادرة. وقتها كانت الحكومة الألمانية ستضطر إلى إنقاذ بنوكها، وهذا مكسب سياسي. ولذا بدلًا من إلقاء اللوم على كسل اليونانيين وكل هذه الاتهامات العنصرية التي صرحوا بها، دون أدنى إشارة إلى مسؤولية بنوكهم، كانوا سيضطرون إلى مسائلة البنوك التي أعطت كل هذه الأموال إلى اليونان. وبدلًا من أن يناقش الشعب الألماني إنقاذ اليونانيين كان سيناقش عملية إنقاذ البنوك وحبس العاملين بها. وقتها كانت السياسات ستختلف بشكل جذري. لكنهم على مدار السنوات القليلة التالية دمجوا جميع ديون البنوك الخاصة بحيث أصبح الدين ملكًا للصندوق الأوروبي أو صندوق النقد الدولي، ولم يعد البنك صاحب الدين. وهذا يعني أنهم أنقذوا البنوك بالفعل، أصبحت حرة دون أن تدفع الثمن. وأصبح الصراع بين اليونان وهذه المؤسسات الضخمة، وإن محاربتها أصعب من التخلف عن الدفع للبنوك. عدم الدفع للبنك يسلط الضوء على البنك. لكنهم لم يفعلوا ذلك. لا أحد يأخذ بنصيحتي، قلت لهم وقتها لا تدفعوا للبنوك وسوف يوجه لها اللوم على ممارستها سياسات مصرفية غبية. وكأنك بعد إنقاذ البنوك في الولايات المتحدة لم تلمهم على فوات أجل الرهونات. إذا أنقذنا أصحاب البيوت لا تكون هناك أزمة مالية، لا تنقذوا البنوك! لكن في ظل الفصل الطبقي لن يحدث ذلك بالطبع.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top