الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة

 
12-كان أبي، بين الحنين وصادق القول



لم تكن الدكتورة حياة أقلّ  طيبةً أو لطفاً من شقيقتها أندريه. لقد فوجِئَتْ قليلاً في البَدء عندما  
وصلنا إلى منزل الأختين الكائن في الأشرفية، وربّما بالأخض لأنني كنت محمولاً على ذراعيّ ناطور البناية الذي وضعني على كنبة كبيرة في مدخل البيت. قالت الأنسة أندريه هذا تلميذي محمد الذي كلمتك عنه. لقد تعرّض لحادث صحّي ناتج عن جرح، وأمّه غائبة ولذلك سيُمضي عندنا بضعة أيام، نظرت الدكتورة حياة إلي بودّ مجبول بالدهشة، والابتسامة على شفتيها، وقالت سلامتك أيها الشاب الصغير، وأهلا وسهلا بالشاطر محمد. وبادلتها نظرة الودّ بنظرة ودّ والابتسامة بابتسامة وقلت لها شكراً دكتورة. وتأملتني طويلا بشيءٍ من الدهشة المستمرّة التي لا يُمكن إخفاؤها، وقالت: دوام عملي سيبدأ بعد ساعة في المستشفى المجاورة، والآن سأعاين جرحك وأغيّر الضمادات، وعند رجوعي سأحضر لك عكازين طبّيين لتتوكّأ عليهما، وسيساعدانك  على الحركة. فشكرتها. غابت لثوانٍ معدودة - سمعتُها خلالها تقول حسنا سأبتاعها وأرسلها إليك على وجه السرعة-،  لتعود بحقيبتها  الطبية. ثم أخرجت من الحقيبة مقصّا، وقصّت الضمادة وكشفت الجرح. وقالت لي: إنّه مجرّد دمّل بسيط سيلتئم بعد يومين وسيشفى تماما خلال بضعة أيام، وطهرت الجرح ونظفته وأعادت تضميده، ومن ثم أخذت حقيبتها وحقن المضاد الحيوي التي وضعتها معلمتي قربي واتجهت إلى الداخل تاركةً  إيّاي على الكنبة في مدخل البيت  .
في هذه الأثناء كانت معلمتي قد بدّلت ملابسها وعادت، وقالت لي إذا كنت جائعا فالطعام جاهز، كما أنّه يوجد في البراد عصير تفاح وبرتقال إن شئت. وإذا كنت تَعِبا فتستطيع النوم قليلا، وعندما تعود الدكتورة حياة سنتناول طعام العشاء سويّةً. فقلت لا أريد طعاماً الآن لأنّني لا زلت أشعر بالدوار، ولكن سأشرب كوب ماءٍ أو عصيرٍ بكلّ طيبة خاطر. فاستحسنت الدكتورة حياة -التي كانت قد عادت- ما قلته، وأضافت: اشرب الآن عصير الفواكه وسنتعشّى سويّةً عند رجوعي القريب. غادرت الدكتورة حياة المنزل. وساعدتني الآنسة أندريه بالانتقال إلى  الصالون حيث أجلستني على كنبة واسعة مريحة،  وأحضرت لي كوباً من العصير، ومن ثمّ ذهبت لتعود بعد قليل، وهي تحمل  حقيبةً جلديةً كبيرة لم أر حقائب بحجمها من قبل. قالت سوف نبحث لك عمّا يلائمك من ألبسة في هذه الحقيبة. لم أحرّك ساكناً لأنّني لم أفهم ماذا تعني. فتحت معلّمتي الحقيبة قكانت ملأى بالألبسة التي كانت كلّها وفق ما رأيت من مقاسي. فسألتها لمن هذه الثياب فقالت بغصّة شبه واضحة هذه ثياب أخي الأصغر يوسف وسكتت، فقلت لها وأين هو، فقالت: لقد فقدناه منذ سنة مع أمي وأبي إثر حادثة اختفاء السفينة العملاقة التي كانت تُبحر بهم من أميركا الجنوبية إلى أوروبا. فقلت أنا آسف ولكن كيف حدث هذا، هل وجدوا السفينة أو حطامها مثلا؟ فقالت: كلا لم يجدوا لا الحطام ولا السفية. والبعض يعتقد أن السفينة العملاقة قد اصطدمت بجبل جليدي قبالة شواطئ الارجنتين ممّا أدّى إلى تهشّمها وغرقها. وهذا الرأي هو الأكثر شيوعاً إذ إنّه يستند إلى مضمون آخر الاتصالات التي رصدت مع السفينة قبل زوال أثرها، حيث يُحكى عن اصطدامٍ بشيءٍ ما في المحيط، واستطردت قائلةً هذه المنطقة من الكرة الأرضية مضطربة لأنها متاخمة للقطب الجنوبي. في هذه الأثناء كانت قد أَخْرَجَت من الحقيبة "بيجاما" جديدة لم تُلبس، وبذّة وحذاء زرقاوين جديدين أيضاً، فضلا عن بنطال أسود وقميصين أبيضين رسميين. وقالت هذه الأشياء لم يلبسها أخي وهي تناسب مقاسك، فقلت: من غير اللائق أن أرتدي ثياب أخيك المفقود يا معلمتي، فهذا مستبعد فقالت: إسمع، من جهةٍ أولى أخي الأصغر يوسف أكبر منك بحوالي السنتين، فحتّى ولو عاد فلن يلبس هذه الثياب لأنها ستكون ضيقة عليه، ومن جهة أخرى، البذة و"البيجاما" والحذاء وياقة العنق- نعم لقد نسيت ياقة العنق-، (وأخذت من الحقيبة كيسا ورقيا مطويّاً بعناية وضعته مع الأشياء الأخرى)، كلُّها معاً...، كنّا أنا وحياة قد ابتعناها ليوسف كهدية عند عودته، ولكنّه لم يَعُدْ، وهي لا تناسب مقاسه الآن. فأنت تؤمن بالمنطق. فسكتُّ قليلا وقلتُ لها لو كنت أمتلك قدرات والدي الروحية.. لربّما كان باستطاعتي أن أُخبرك عن مصير أخيك المفقود. فنظرت إلي بدهشة... وسمعنا في هذه اللحظة رنين جرس الباب، ذهبت معلمتي، وعادت بعد قليل، وهي تحمل بضع علبٍ، كان واضحاً من الرسوم الظاهرة عليها أنّها تحتوي على ألبسة داخلية، وقالت: لقد أرسلت حياة ما طلبت منها شراءه من محل القطنيات المجاور، فهل تريد أن تغتسل؟ قلت: نعم، فأنا أستحم ّكلّ يومٍ، وأنزعج كثيرا من التعرّق. فأتت بكيس من النايلون، وضعت رجلي اليمنى فيه، وثبتت الكيس حول ساقي بخيط مطاطي، وساعدتني على الوصول إلى الحمام، ومن ثم أحضرت "البيجاما"، والمنشفة، ولوح الصابون، فضلاً عن طقم ٍ ناصع البياض من نصف دزينة اللباس الداخلي الذي استلمته لتَوِّها مرسلاً من الدكتورة حياة بواسطة موظّف محل القطنيات المجاور للمنزل. وقالت إن شئت أستطيع أن أغسلك كأُمّك أو أُختك الكُبرى، فأنا وحياة كنّا دائما نغسل أخانا يوسف، فقلت لها: شكرا أنا أتولى أمر الاستحمام منذ فترة، فحتّى والدتي لا تتدخّل في هذا الأمر. فقالت: حسنا سأترك باب الحمام مفتوحا قليلا وغادرت. غسلت رأسي وجسدي من العرق الذي تصبب مني خلال نوبة الألم والحمى التي أصابتني، ونشفت رأسي وجسمي بالمنشفة. وبدأت أشعر باستعادة قوتي ونشاطي شيئا فشيئا، وارتديت الألبسة الداخلية و"البيجاما" وجربت أن أمشي مُرخيا ثقلَ جسدي على كعب رجلي اليُمنى فوجدت أنّ الأمرَ ممكنٌ وأنّ الألمَ الـمُترتّبَ على ذلك لا يزعجني كثيرا، فخرجت من الحمام مشياً دون مساعدة أحد، وذلك بعد أن انتزعتُ الكيسَ الذي وُضِعَت رجلي فيه لحماية الضمّادة من الماء. عندما رأتني معلّمتي أسرعَت الخُطى نحوي مُبْدِيةً ملامتَها الشديدة، فقالت: لماذا فعلت هذا، فِعْلَتُك هذه قد تجعل الجرح ينزف من جديد، فقلت: أعذريني معلّمتي لقد جرّبت الوقوفَ على كعب قدمي الأيمن فوجدت أنّه لا وجود للألم. فقالت: حسنا، نعيماً، وساعدتني بالوصول إلى الكنبة وسط الصالون، ومن ثم أخذت الهاتف وطلبت رقم الأستاذة عايدة فردّ أبو مارون كما فهمت وبعد تبادل التحيّة سمعتها تقول نعم إنّ حدس السيد يوسف لم يخطئ والمهم أن أطمئنه هل يمكنني من فضلك أن أتكلم معه. وتابعت مساء الخير سيد يوسف.. نعم لقد أردت أن أخبرك أن أختي الدكتورة حياة قد عاينت الجرح ونظفته من جديد، والورم قد زال كليّا، والحرارة عادت إلى طبيعتها وقد أكدت لي أن محمد سيعود إلى وضعه الطبيعي خلال يومين وأنا لست مضطرة لطلب إجازة. فيوم الإثنين يُمكنه الذهاب إلى المدرسة برفقتي ومن ثم الرجوع معي طالما لم تنتهِ فترة العلاج، حيث ستتولى أختي مهمة نقلنا. وسوف تحضر الدكتور له اليوم عكازين يساعدانه على الحركة دون الدوس على الجرح. فسكتت قليلا وقالت: سيد يوسف لا تحمل همّا، فهذه الأشياء من بسائط الأمور ولقد عثرنا له على كل ما يحتاج إليه،... لا فضل لنا بمساعدة محمد.. على الرغم من قناعتي بأنّ هذا من واجبي، أعرف أنّكم أهل شهامة ممّن يقدرون المعروف وهذا واضح من خلال تربية محمد.. وإن شئتم فباستطاعتكم المجيء يوم الأحد لزيارته، والاستاذة عايدة تعرف إحداثيات بيتي وستشرح لك ذلك بدقّة... حسنا الى اللقاء وأعطتني السماعة قائلة ألقِ التحية على والدك، بادرت أبي بالتحية فسألني كيف حالك؟ فقلت: أبي أنا بخير، وأتعافى هل عادت أمّي، فقال لا هي لم تعد بعد وستبقى بضعة أيام أخرى فخالك المسكين في حالة غيبوبة كما أخبرني أحد القادمين من القرية، وسألني أبي عن أخباري الجديدة. فقلت: أبي ثمّة خبر جيد فقد أخبرتني الآنسة أندريه أنّ إدارة المدرسة قد قررت اعتباري من عداد التلامذة المتفوقين ممّا يعني إعفائي من الأقساط المدرسية، ومن جهة أخرى فأنا حزين لحزن معلمتي، أرجوك يا أبي أن تساعد الآنسة أندريه والدكتورة حياة إذا كان ممكنا كما ساعدت غيرهما سابقا فهما حزينتان جداً... وانقطع الخطّ. دُهشت الأنسة أندريه من حديثي، وسألتني كيف سيساعدنا والدك يا محمد؟ وكيف له أن يعرف ما هي مشاكلنا؟ أنا لا أدري كيف يا معلمتي، وباستطاعتي حتّى أن أضيف على تساؤلَيْك اللذين ذكرت تساؤلاً ثالثا: إذا كان والدي قادراً على مساعدة الآخرين فما باله لا يساعد نفسه وعائلته بالخروج من حالة الفقر والبؤس التي تتحكّم بها؟ ولكني أعلم في الوقت عينه أنّه قد ساعد الكثيرين! ومنذ فترة ليست بعيدة، وفق ما سمعته من والدتي في حديث دار بينها وبين إحدى السيدات التي زارتنا لأسباب أجهلها، أنّ والدي على يقين بأنّ استخدام القدرات الروحية لمآرب ذاتية أو نفعية هو عملٌ شيطاني يسيء إلى الناس جميعاً. فاستغربت معلمتي الحديث، وقالت يا محمد هل يؤمن أبوك بالسحر، فقلت: نعم أبي متديّنٌ ومؤمن بعمق وهو بالتالي ككلّ المؤمنين يعترف بوجود السحر الذي يعتبره خداعا شيطانيا ودجلا مسيئا إلى تعاليم الأديان السماوية، ويمكن استخدامه للأذية. فقالت: وماذا عنك، هل تؤمن بالسحر؟ فقلت: تجربتي لا تمكنني من الحسم في هذا الموضوع ولقد حاولت كثيرا الاستفادة ممّا يعرفه أبي ولكنه كان كتوماً ومختصِراً وضبابيَّ الردود. قال لي مرّة السحر هو نقيض الحقيقة والإيمان معا؛ فسألته عن خوارق السحر التي قرأت عنها قليلا  فقال لي: "إنّ كلّ ما يخالف قوانين الطبيعة ونواميسها هو مجرد دجل وخداع، ولن يرى الناس يوما قديسا طائرا ولا نبيا لأن طيران البشر بلا آلة يخالف قانون الجاذبية الذي خلقه الله، وما خَرْقُ إلا خرقٌه للإرادة الربانية، وربّما كان هذا القانون هو عَيْنُهُ أحد الملائكة. غير أنّ الذات البشرية تمتلك من الطاقات الكامنة ما نجهله ونجهل قوانينه، واكتشاف هذه الطاقات والقوانين مرهونٌ بالزمن والتطوّر. في هذه الأثناء عادت الدكتورة حياة وكان برفقتها الناطور الذي كان يحمل بعد الأغراض. فقالت لي لقد أحضرت لك عكازين طبيّين تستطيع تجربتهما. ولكن، كن حذراً ، وأعتقد أنّك لن تحتاجهما طويلاُ فجرحك يلتئم بسرعة. وبعد أن جربت بنجاح وسيلة تنقلي الجديدة على مرأى من معلمتي، قالت لي: هيا بنا لأريك البيت بينما تُعِدّ حياة طاولة الطعام. كان البيت في الدور الأرضي، من الطراز البيروتي التقليدي، فسألتها ما هي مساحته، فقالت: لا عرف بالضبط ولكن بالـتأكيد هي أكثر من  450 مترا مربعا، لأن الطابق الأعلى يتضمّن ثلاث شقق مساحة الواحدة منها 150 مترا وذلك فضلا عن فسحة لم يطلها البناء. لحقت بها بهدوء. فتحت معلمتي الباب الأول فأفضى على قاعة مكتبة كبيرة فيها ألوف الكتب التي صُفت بصورة جميلة على رفوف من خشب الجوز معمولة على جدرانها الأربعة وفي وسطها. وكان في زاويتها الواقعة على يسار المدخل مباشرة  مكتب كبير من خشب الجوز أيضا مفصولٌ بواسطة جدار خشبي-زجاجي رقيق عن باحة المكتبة. قالت ببعض الألم: هذه مكتبتنا وهذا مكتب أبي. سألتها ماذا كان يعمل والدك فقالت: لقد كنّا في باريس حيث عمِل والدي مترجما في المكتبة الوطنية وأستاذا للفلسفة العربية كما عملت والدتي مدرسةً للغة العربية في جامعة السوربون ومن ثم عدنا إلى لبنان سنة 1938 لأن والدي شعر باقتراب الحرب الكونية وتابع عمله في الجامعة الأميركية في بيروت، لقد ولدت أنا وحياة في فرنسا وولد أخي يوسف في بيروت بعدي بستة عشر عاماً وكان والدي يسميه هدية السماء لقد ولدته أمي في سن متأخرة. خرجنا من المكتبة ودخلنا غرفة أخرى، كانت غرفة الأبوين لم نُطِلِ البقاء فيها وانتقلنا إلى الغرفة التالية التي كان على حائطها صورة أدهشتني واستوقفتني مليّا. إنها صورتي! قالت لي الآنسة أندريه، هل أنت مندهش، إنّه يوسف، وثمة شبه كبيرٌ بينكما. ونعم كأنّك أنت هدية السماء التي فقدناها وليس هي فحسب بل فقدنا معها أيضاً أغلى الناس. قلت:أنا آسف يا معلمتي...  عدنا أدراجنا بعد أن تعرفت على البيت فوجدنا الدكتورة حياة قد اعدت طاولة الطعام في المطبخ الواسع، تناولنا العشاء وقامت الدكتورة بحقني بالمضاد الحيوي ومن ثم شعرت برغبة في النوم. أصرّت معلمتي أن أنام في غرفة يوسف. فنزلت عند رغبتها. غفلت سريعا ولكن خطر ببالي قبل النوم أن أمضي الغد وهو يوم سبت في استكشاف المكتبة إذا وافقتني الرأي معلمتي.
أيقظتني الآنسة أندريه حوالي السابعة صباحا بلمسةٍ رقيقة على خدّي. وقالت صباح الخير . فقلت صباح الخير. سألتني كيف تشعر، قلت: بخير، ولكنني رأيت مناما غريبا، فسألتني ماذا رأيت؟ فقلت: رأيت نفسي في مكانٍ غريب فيه سبعُ شموس، وكانت  كأنّها تحتلّ رؤوس مسبّع أضلاعٍ منتظم، وكانت أضواؤها ملونةً ومُريحةً للنظر، لا حِدّة فيها، وكان الحيّز الزمكانيّ المحيط يُشعرني بأنّه أملسَ وأنّ مادّتَه الـمُكَوِّنَةَ ليست كمادة الأشياء المألوفة، ويمتدُّ ذلك الحيّز تحت الأشمس السبع  إلى ما لا نهاية... وقفت ولا أدري على ماذا أقف، ولا كيف أقف... لم أخَفْ، ولكنني بدأت أشعر بالعطش، وبفقداني للشعور الغريزي بالاتجاه، وبالأبعاد الزمكانية، وشعرت وكأنّ أحدهم يقول لي: تريّث قليلا فإنّه قادمٌ إليك، ومن ثمّ قدِم يوسف، وهو يرتدي بذّةً بيضاء جميلة جدّا، ويحمل كوب ماءٍ في يمناه التي مدّها نحوي قائلا : تحيّة يا صديقي، أنت عطِش فهاك الماء، فقلت تحية يا يوسف، وأخذت الماء وشربته فروى ظمأي، وكان طيّب المذاق، وأعدت إليه الكأس، قائلا شكراً سقاك الله، أخبرني ما هذه الشموس السبع. فقال هي أزرار بذّتي التي أرجو أن ترتديها. ويا حبذا لو توقّفت أختي عن البكاء لكي أستطع أن أخبرها بما أعرفه وببعض الأرقام. ويا حبذا لو أخبرتها إنني سعيد وبكاؤها يعكّر سعادتي...اندهشت معلّمتي وقالت ذكرت أرقاما. 
أمضيت يوم السبت في المكتبة، وكان والدي قد اتصل هاتفياً وسأل إذا كان ممكنا أن يأتي الساعة العاشرة صباحا من يوم الأحد لزيارتي برفقة أخي عمر وأختي التي كانت تعمل في مدرسة خيرية داخلية لليتيمات وقد حصلت على إجازة من بضعة أيّام، فوافقت معلّمتي فوراً. صبيحة الأحد أيقظتني معلمتي حوالى الثامنة صباحاً. تناولنا الفطور وغادرت الدكتورة حياة إلى المستشفى بعد أن طلبت من أختها أن تَسْتَبْقي عائلتي  على الغداء لكي تستطيع التعرّف على والدي. وصل الضيوف في الوقت المحدّد وكان أخي وأختي يحملان باقَتَي زهور جميلتين جدا لصاحِبَتَي البيت، أُعجِبَت بهما كثيراً الآنسة أندريه، فعمدت إلى وضعهما فوراً في مزهريّتين بعد أن سكبت فيهما ماءً وأضافت إليه قليلا من السكّر. أما أبي فقد حمل سلّةً كبيرةً فيها مرطبان ٌكبيرٌ من العسل وبعض الفواكه المتنوعة. وسألني أين المطبخ، ومن ثم أعطى السلّة لأختي التي تولّت وضعها في المطبخ ، حيث سمعتها تقول:  أنسة أندريه، والدي طلب منّي أن أقول لك أنّه يستطيع أن يريك أخاك يوسف إن شئت، ويرجوك أن يكون لباسُك محتشما، وألا تطرحي أسئلة محرجة تؤلم أخاك. أندهشت الآنسة  أندريه وقالت ولكن كيف عرف بقصة أخي؟ ثمّ غادرت إلى غرفتها وعادت بعد قليل وهي ترتدي زيّاً تقليديّاً كان سائدا آنذاك لدى السيدات عند دخولهن إلى الكنائس. فاقتربت من أختي وسألتها  هل هذا اللباسُ مناسبٌ فقالت أختي نعم، ولكن خذي دفترا وقلماً معك ففعلت. كان  والدي في هذه الأثناء مستغرقا في التفكير، ينظر إلى حائط الصالون. عندما شعر بجلوسنا قربه قال: يا آنسة أندريه هذا ليس سحرا بل هو وسيلة روحية مجهولة تختصر المسافات الزمنية والمكانية  ولكن لا يستطيع الإفادة والاستفادة  منها إلا القلائل، سترين  أخاك وكائنات رحمانيةً أخرى. والأفضل ألا تطرحي أسئلةً تحرج هؤلاء الناس إلا ما  أبلغك إياه أخوك البارحة عبر طفل بريء. فقالت: نعم. قال أنظري حيث أنظر فنظرت وصاحت إنه أخي يوسف، وفي الوقت عينه صاح أخي الصغير إنّه محمد، فنظرت أنا إلى الحائط فلم أر شيئا فسمعت معلّمتي تقول له كيف حالك ....هل أنت سعيد ...لقد كتبتُها كلَّها فماذا تعني هذه الأرقام؟...أعدُك لن أبكي بعد اليوم ...سأشكره بالطبع. كنت خلال هذا الوقت أنظر بالتتالي إلى أخي الصغير وأختي وأبي ومعلمتي وكان كلُّ شيء في تحركاتِهم وتبدُّلِ ملامح وجوههم  وابتساماتهم  يوحي بوجود حديثٍ يدور بين معلّمتي وطرفٍ آخر لم أره ولم أسمعْه وليس لدي أيّ دليلٍ ملموسٍ على وجوده، وذلك على الرغم من أنّ أختي ومعلمتي وأخي الأصغر أكّدوا لي جميعا أنهم رؤوا الطفل الفقيد يوسف الذي يُشبهني في عالمٍ له سبع شموس...فأنا بكلّ أمانة  أعترف بأنّي لم أرَ على الحائط شيئاً من هذا القبيل....

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top