الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش



الجزء الحادي عشر(11) من مقالة الدكتور محمد الحجيري : " كان أبي، بين الحنين وصادق القول"

تردّدت المعلّمة أندريه كثيراً قبل أن تُخبر المدير أنّ الطفل الجديد ذا السبعة أعوام يُتقن أسس التجريد الجبريّ الأولّي وتقنية ترميز المجهول، كما يستطيع من حيث المبدأ حلّ المسائل الحسابيّة والهندسية التي تُفضي إلى معادلات من الدرجة الأولى والدرجة الثانية، ممّا يجعله متقدّما على زملائه بأشواط كبيرة، وذلك أنّ تلك المعادلات تُدرّس في المرحلة الثانوية، كما هو معروف. لقد أثبتت الأيام اللاحقة أنّ الآنسة أندريه كانت تختزن في وجدانها، وفي "غريزة الأمّ" الكامنة فيها، عاطفةً قويّةً لا تفسير واضح لها تجاه هذا الطفل، وقد جعلتها هذه العاطفة تخاف عليه من الآخرين، كما جعلتها تخشى أن يعمدَ المدير إلى نقله إلى صفٍّ آخر، فهي تريده أن يبقى في صفّها. كانت في تقاريرها عن تلامذتها خلال الاجتماعات الدورية تذكر أنّ دراسته جيدة جدا دون أن تدخل في التفاصيل. لم تشأ أن تطرح الموضوع علانية وقرّرت أن تناقشه مع المدير على انفراد. لم يصدّق المدير ما اخبرته به الآنسة أندريه وقال لها: لقد طرحتُ عليه سؤالاً حسابيّاً عندما اختبرته قبيل إلحاقة مع أخيه بالمدرسة، فأجاب عليه بسرعة وظننت أنّ وقوعه على الإجابة الصحيحة قد كان مجرّد صدفة، لأنّني عندما سألته كيف حصل على الجواب الصحيح، أجابني "لقد عرفتُه، ولكنني يا سيدي لا أعرف كيف عرفتُه"؛ ولو سمعت هذا الكلام على لسان راشدٍ، لفهمتُ فوراً أنّه من المطّلعين على العلوم الفلسفيّة، وعلى مفهومَي اللّغة وما وراء اللّغة، وعلى ما يترتّب على الخلط بينهما من مفارقات، أقلّها مفارقة الكاذب ومفارقة راسل؛ ولكنّه يا آنستي مجرّدُ طفلٍ، ولا يمكن أن يتمتّع بهذه القدرات التي تذكرينها. أخبريني هل يعرف تلامذتُك كيف يجري حسابُ مِساحةِ الشكل المستطيل؟ فقالت نعم . أخذ الأستاذ جوزيف ورقةً بيضاء وقلماً وصاغ عليها بتأنٍّ شديدٍ مسألةً رياضة، وقال: غداً قبل نهاية الحصّة الثانية بربع ساعة اكتبي لتلامذتك هذه المسألة على اللّوح، واطلبي منهم أن يفكروا فيها فرادى، وَألا يتردّدَ أحد ٌ منهم بإخبارك بوصوله إلى الحلِّ فور الحدوث المحتمل لذلك. وأنا سأتولّى الباقي. غداة لقائها مع المدير، بدأت الآنسة الدرس، وعلى غير عادته، بعد حوالى ربع ساعة من التأخّر دخل محمد الصفَ بعد طرقه البابَ، وقال صباح الخير معلمتي، أرجو أن تقبلي اعتذاري عن التأخير، وأن تسمحي لي بالدخول، فأومأت له بالموافقة. واسترعى انتباهها أنّه كان متعرّقا جدّا ومكمدّ الوجه ومنفوش الشعر، وأنّه قد عرج قليلا عندما اجتاز المسافة ما بين الباب ومقعده. واسترعى انتباهها أيضا أنه قد غيّر لباسه السابق الذي كان بذة كحلية ضيقة. فهو يرتدي اليوم بنطالاً فضفاضا ًمن الكاكي الرخيص كان يغطي حذاءه بصورة شبه كاملة. وكان شكل البنطال كاريكاتورياً قليلا ويؤكد أنّه قد جرت عليه محاولات لتصغيره ولكنها باءت بالفشل، وقد نظر بعضُ التلامذة إلى بنطال محمد باستهجان، وبابتسامة خبيثة وقال أحدهم "شارلي" فنظرت المعلمة باتجاه مصدر الصوت نظرة تهديد نارية أفهمت التلامذة من خلالها أنّ الذي يخطر ببال البعض من جنوح الى السخرية من بؤس الناس غير مسموح به. كانت المعلمة بين الفينة والأخرى تنظر إلى محمد حيث لاحظت تعرقة المستمر واكمداد وجهه دون أن تعلم السبب. شارفت الحصة الثانية على النهاية وفي الوقت المحدّد، فعلت الآنسة أندريه ما طُلب منها، فكتبت المسألة الـمُصاغة باللّغة الفرنسية على اللّوح، وهذه هي ترجمتها:
" مستطيلٌ، طولُه أكبرُ من عرضِه بستّةِ أمتارٍ، ومِساحَتُهُ 775 متراً مربّعاً. جِد طريقَةً (خارزمةً) لحسابِ طولِ وعرضِ المستطلِ، واحْسبْهُما." 
وقالت للتلامذة : هذه المسألةُ مطروحةٌ على كلّ واحدٍ منكم ليحلَّها منفرداً، فرجاءً أن تعملوا فرادى، وأنا أنتظر منكم إخباري فور عثوركم المحتمل على أيّ حلٍّ ممكن.
بعد دقائق قليلة رفع محمّدُ يدَه مُعلِناً أنّه وَجَدَ الحلّ، فطلبت منه المعلّمةُ الذهابَ إلى اللّوح، والمباشرةَ في كتابة الحل، واسترعى انتباهها أنّ تعرّقه واكمداد وجه قد زادا وأنّه قد عرج عند ذهابه إلى اللوح. في هذه الأثناء طرَقَ المديرُ بابَ القاعةِ ودخل، فوقف التلامذةُ والمعلّمةُ احتراماً وقالوا بالفرنسية: "صباحُ الخيِر حضرةَ السيّد جوزيف" فردّ المدير كذلك بالفرنيسة "صباح الخير، صباح الخير، تفَضّلوا بالجلوس". جلس التلامذةُ وجلس المديرُ على كرسيّ المعلّمة بعد أن وَضَعَه وّضْعاً ملائما يسمح بالنظر بسهولة إلى اللّوح، بينما جلست الآنسة أندري على كرسي محمّد الذي كان يقف عند اللّوح على رجلٍ واحدة ممسكاً بالطبشورة، متكئاً على اللوح ومنتظراً الإشارة لبدء الحلّ. قال المدير هيا ابدأ يا محمد، فرسم الطفل الشكل المبين في الصورة:
وكتب:
إذا ما رمزنا ب‍ِ "س" إلى عرض المستطيل، فوفق الـمُعطى يكون طولُه مساوياً ل‍ "س+6"، وبناءً على قاعدة حساب مِساحة المستطيل الـمُساوية لضرب الطول بالعرض، نستطيع أن نكتب المعادلة التالية
(س+6).س=775، فإذاً س.س+6س=775، فإذاً زدنا 9 على طرفي المعادلة نحصل على: س.س+6س+9=775+9، فإذا (س+3).(س+3)=784،
فإذاً س+3=28 ؛ فإذا س = 25 (العرض) و س+6 =31(الطول).
فسأل المدير وماذا تُسَمّى الرموز: س، وَ س.س، وَ 6س؟ فأجاب محمد: حضرة المدير، حرف السين يرمز إلى المجهول ويُسَمّى الشيء أو الجذر، أمّا س.س فهو المال، أي مربّع الشيء،أمّا 6 س، فتعني مضروب الشيء ب‍ 6.فقال المدير: حسنا ، هل يمكنك أن تشرح لنا ما الفائدة من إضافىة العدد 9 على جنبتي المعادلة الثالثة؟ فأجاب الطفل : نعم يا سيدي، إنّما نفعل ذلك بغية الحصول على مربّع تامّ للعبارة الجبرية "س+6"، وهذا الأمر يمكّننا من تحويل المعادلة من الدرجة الثانية إلى معادلةٍ أو اثنتين من الدرجة الأولى. فكّر المدير قليلا وقال: فلنصفّقْ لمحمد ونقلْ له برافو. فصفق الجميعُ قائلين برافو محمد. رنّ الجرس فطلبت المعلمة من التلامذة الخروج وخرجت هي بمعيّة المدير، أمّا محمد فأخذ حقيبته
الصغيرة البالية، وذهب لملاقاة أخيه الأصغر، وفي مشيته كان يعرج بوضوح من الألم الشديد في رجله اليمنى. وجد أخاه عند أسفل الدرج واتجها معاً نحو الملعب، ومرّا أمام قاعة الطعام حيث جلس زملاؤهما على الموائد وقام حشد من الراشدين بأطعامهم وخدمتهم بعد أن وضعوا لهم الفوط على صدورهم خشية تلويث ملابسهم. جلس الأخوان الصغيران في مكانهما المعهود قرب بركة الأسماك الملونة التي يفصلها سياج حديدي عن الملعب. سأل محمد أخاه أتريد شطيرة الصعتر أم السكر؟ ثم أخرج من كيسٍ ورقي كان في حقيبتة قطعتي خبز ملفوفتين كان والد الطفلين، في غياب زوجته، قد دهنهما ببعض الزيت النباتي ورش على الأولى بعض السكّر وعلى الثانية قليلا من الصعتر. وقال محمد بصوتٍ ينمّ عن ألمٍ شديد لأخيه، بعد أن أعطاه الكيس والشطيرتين: كُلْ الشطيرتين فأنا لا أستطع الأكل لأنّ الألم في رجلي شديد. وخلع فردة حذائه اليُسرى فوجد الجوربَ الواسع وقطعةَ الورق المقوّى التي وضعتها أمُّه في فردة الحذاء لسدّ الثقب ولِتَرُدًّ عن رجله قساوة حصى الطريق، كلاهما قد تآكلان، فأخذَ قطعةً من الورق المقوى من حقيبته وسدّ بها الثقب وانتعل فردة الحذاء من جديد. أمّا الطامة الكبرى فكانت مع فردة الحذاء اليُمنى التي كان نصفُ أسفلها متآكلاً، والتي خلعها محمد بصعوبة كبيرة، لم يفهم سببَها إلا عندما نزع الجورب الفضفاض المتآكل ليجد رجله متورّمة بشكلٍ مخيف، حيث كان لونها ازرق يميل إلى السواد. وفي هذه اللحظات كان الطفل المسكين يشعر بوهنٍ شديد وجسمه يتصبب عرقاً. وكان الألم في رجله أشدَّ بكثير من الألم الذي شعر به عندما لسعه الدبور الأحمر في الضيعة، وتذكر كيف بكت والدته لبكائه وقالت لوالده: "إنّ "التابعة" تلاحقه فهي قد هددتها بقتله مسموماً من قريبين إليه". تذكّر كيف عالجه والده بالثوم والتراب الأبيض، والغريب أنّه آنذاك بكى أمّا اليوم فهو لا يبكي... كان قد وضع قطعةً ثانية من الورق المقوّى في فردة حذائه اليُمنى ولكنّه لم يستطع أدخال رجله بسبب الورم فنزع الجورب ولكن، على الرغم من ذلك، لم ينجح في إدخال رجله المتورمة في فردة الحذاء الصغير...وحاول الفتى النهوض ولكنّه شعر بدوار شديد وخانته قواه فلم يقوَ على النهوض وسقط ..لم يتسنَّ للطفلين أن يلحظا وجود الأنسة أندريه التي كانت تبحث عن تلميذها لتخبره أن الإدارة قد قررت منحه جائزة المتفوقين في الاحتفال المنوي تنظيمه قريباً بمناسبة الذكرى الخامسة لتأسيس المدرسة.. فرأت وسمعت كلّ شيء دون أن تتمكن من إخبار تلميذها بالخبر الذي حملته... 

تُرى هل الانسان مسيّر أم مخيّر؟ ربما يكون بؤس البعض "نتيجةً حتمية" لمعطيات يراكمُها الآخرون بدافع الحفاط على مصالح خاصة وربما بدافع الجشع البشري المعروف. ولكن السؤال المهم هنا هو التالي، هل تبقى هذه "النتيجةُ الحتميةُ" التي أوجدتها المعطيات الجُزئيّة الملموسة "نتيجةً حتميّةً" عندما تؤخذُ المعطياتُ برمّتها؟ ربّما كان هذا السؤالُ السرمديُّ السِمةِ أبعدَ من وجودِ المنطقِ والحقيقةِ اللذين عهدناهما، وأبعدَ من قدرةِ الإنسان السخيفةِ البدائيةِ المحكومةِ بالخوفِ الأبديِّ من الموت ومن المجهول. فهاكم، إنساننا الرعديد الجبان، نتيجةَ خوفه ومحدوديّته، يخلقُ لنفسه في الوجود الرحب اللامتناهي مَعْلَماً وهميّاً يربطُ نفسَه فيه ويعيشُ في جوارِ هذا الـمَعْلَم الوهميّ متناسياً رحابة الكون ولا نهائيّته...وهذا الارتباط بالوهم كفيلٌ بخلق مجموعةٍ غير منتهية من عوالم وهميةٍ صرفة...وتثبت التجارب أنّ "اللامتغيّر" الدائم الذي لا ريب في وجوده، بغض النظر عن سؤالنا وجوابه، وعن وجود الحقيقة والمنطق أو انعدامهما وعن الخضوع لمقولتي الزمان والمكان أو الاستقلال عنهما، وعن سخف مقدرتنا او صلابتها، إنّما يتجسّد ب‍ِ "مواصفات البؤس". فالبؤس يا سادة هو البؤس حيثما وُجد، له نفس اللون ونفس المذاق ونفس الرائحة ونفس الثقل النوعي والتركيب الجزيئي ..وذلك في كل الأزمنة وكلّ الأمكنه وفي العوالم المختلفة...هذا ما كان يعرفه يوسف جيداً وسيورثه لابنه من بعده.
استُدعِي طبيب المدرسة على عجل لمعاينة الطفل، مضى حوالى أربعون دقيقة من الوقت، وها هو يخرج من غرفة العناية الصحية في الطابق الأوّل لمبنى المدرسة، ويوجّه كلامه إلى الآنسة أندريه التي كانت على وشك البكاء، فقال: لا تخافي كلّ شيءٍ على ما يرام. لا أدري كيف كان هذا الطفل صابراً على كلّ هذا الكمّ من الألم دون شكوى أو بكاء، لقد أخبرني أنه قد جرح رجله منذ أيامٍ ليلاً عندما كان يساعد والده في ري البستان، فأخفى الأمر عن والديه كي لا يمنعاه في المستقبل من مساعدة والده. لقد كانت رجلُه اليُمنى بمثابة دمّلٍ مليء بالقيح، لقد نظفتها جيّدا ولا يوجد علامات للكزاز نظرا لعدم وجود تشنجات عضليّة، ولكنّ الحيطة مطلوبة، لذلك حقنته بحقنة ضد الكزاز وبحقنة مضادّ حيويّ ينبغي أن يُحقنَ بمثلها يوميّاً لمدّة أسبوع، لقد طهّرت الجرح وضمدته ولكنّ هذا لا يكفي فيجب تنظيف الجرح وتغيير الضمادات كل 12 ساعة ، وثمّة ارتفاعٌ بدرجات الحرارة، أعتقد أنه سيزول خلال ساعات. فنظرت أندريه إلى المدير الذي لم يُعِرْها انتباهاً وقال يا سمعان هيئ الاوتوموبيل بسرعة. وقال للآنسة أندريه هيا واكبيه إلى أهله وطلب من معلمة أخرى أن تحلّ محلّها في الساعة المتبقية، فأخذت المعلمة أندريه الضمادات والأدوية وصعدت الى السيارة ودخل سمعان فحمل الطفل ووضعه على ركبتي معلمته في المقعد الخلفي وأجلس عمر قرب أخيه وقال المدير لسمعان: يا سمعان إلى بستان "أبو مارون"، هل تعرف أين ، قال سمعان نعم اعرف، بمحازاة النهر لجهة جسر الاحدب. أومأ المدير لسمعان أن يتوقف قليلا. يبدو أنّ الرجل قد راجع حساباته، وربّما قال في نفسه أنا محروم من الأطفال ولا أستطيع أن أحمّل ضميري بشأن هذا الطفل المسكين، وما هو الفارق أساعدته هو أو ساعدت طفلا لي ولم لا أعتبره طفلا لي؟ فانحنى عند شباك السيارة من جهة جلوس المعلمة وقال: أخبري أهل الطفل أنّه إذا لم يتعاف فالمدرسة ستتولى أمر علاجه. انطلق سمعان وكانت الساعة حوالى الثالثة بعد الظهر وما هي إلا عشر دقائق حتّى كانت السيارة أمام منزل أبو مارون الذي كان أمام المنزل يحتسي القهوة بمعية ابنته الأستاذة عايدة. القى سمعان التحية على" أبو مارون" برفع اليد وفتح الباب الخلفي وحمل الطفل وسأل عمر أين بيتكم ايها الصغير؟ فأشار عمر إلى بيت حجري في وسط البستان وكانت المسافة كبيرة.. . وترجلت المعلمة وفي هذه الأثناء كان قد وصل ابو مارون وابنته ملهوفين بعد أن رأيا منظر الطفل المحمول فلقد كانا يحبانه كثيرا لتهذيبه وفصاحة تعابيره. طلب ابو مارون من سمعان ان يحمل الطفل إلى منزله حيث وُضع على السرير في غرفة الضيوف وكانت المعلمة قد أخبرت عايدة أنّه قد تعرّض لنوبة ألم شديد أفقدته الوعي، وأن الألم ناتج عن جرح ملتهب أصاب الطفل عندما ساعد والده ليلا في ريّ البستان وأنّه لم يُخبر أبويه بالأمر خشية منعه من مساعدة والده في العمل. قالت عايدة مسكينٌ أمُّه غائبة، فقد سافرت الى بلدتها بعد إبلاغها بخبر وفاة أحد أخوتها، ووالده لم يعد بعد، فهو يعمل في براد السمك، وأخواته يعملن بدوام داخلي في مؤسسات المقاصد. فقالت المعلمة سأنتظر الأب فإن وافق معي سأصطحب محمد ليبقى عندي فترة العلاج، وسأطلب إجازة صغيرة من المدير للعناية بالطفل. فقال لها ابو مارون يا ابنتي هذا عمل أنساني نبيل تُقدمين عليه. بعد قليل وصل يوسف مع صغيره عمر ملهوفاً وهو في ثياب العمل. وكان على الرغم من لهفته الشديدة على ابنه مرهفَ الحسّ، فلم يدخل البيت بثيابه المثقلة بروائح الأسماك وثمار البحر على أنواعها، لقد أكتفى بشرح عايدة التي أخبرته بأن الطفل بخير وأنّه قد تستّر على موضوع الجرح الذي أصابه منذ أربعة أيام مّما أدّى إلى التهابه، في هذه الأثناء انضمّت المعلمة إلى يوسف وعايدة اللذين جلسا على أريكة وضعت عند مدخل البيت. نهض يوسف وقال أعتقد أنّك الآنسة أندريه. فقالت نعم، فقال تشرّفت بمعرفتك آنستي، إنّ ذكر اسمك يتردّد دائما على لسان طفلي الذي يحبك حبّا جمّا حتى في المنام يناديك. أنا وزوجتي كنا متشوقين للقائك في ظروف أفضل ولكن ما العمل، فالأقدار لطالما انتزعت أماني الناس وتحكمت برغباتهم وبمصيرهم. أخبرت المعلمةُ يوسفَ بما قاله الطبيب وكيف أنّه طمأنها عن محمد شريطة أن يُتابع علاج المضادات الحيوية وأن يُصار إلى تغيير الضمادات وتطهير الجرح دورياً. فقال يوسف لن أنسى فضلك وفضل الأستاذ جوزيف ما حييت، وسألها لمن بالضط ينبعي تسديد بدل الطبابة والدواء، فأخبرته بكلام الأستاذ جوزبف حول تولّي المدرسة موضوع كلفة الطبابة والعلاج. فقال يوسف شكرا جزيلا فهذا الموقف كلّه شهامة ولكنّني لن أقبل، واستطرد، لا بأس لقد فهمت مع من سأتابع المسألة. قالت أندريه: سيد يوسف أنت وحيد مع طفلين وعليك متابعة أعمالك وأنا لدي إجازة وأختي طبيبة أطفال، فأرجو أن تسمح لي بأخذ محمد معي للعناية به ريثما تنقضي فترة العلاج والتعافي. فأجاب الرجل هذا موقف كريم جداً يا آنستي، وأنا لا أمتلك أمكانية ردّ معروفٍ بهذا الحجم، واعذريني لفظاظتي، في إجازتك من حقك أن تخلدي إلى الراحة لا أن تهدري وقتك على أطفال الأخرين، وفي مختلف الأحوال لنستشر صاحب العلاقة، فقالت الاستاذة عايدة يا سيد يوسف هو أبدى رغبةً في الذهاب مع معلمته، ولكنه قال والدي لن يوافق. ففكّر يوسف قليلا وقال: حسنا فليكن، ولكن لي شرط واحد وهو ان تقبلي أن أردّ لك كل المصاريف بما في ذلك بدل أتعاب أختك الطبيبة التي ستتابع حالة ابني .. قالت الاستاذة عايدة: هل لديك هاتف آنسة أندريه لكي نتواصل عبر الهاتف؟ فقالت أندريه نعم فلنتحادث في مثل هذا الوقت غداً ونتفق حينها على الموعد اللاحق فوافقت عايدة التي كانت قد كتبت عنوان أندريه الكامل في الأشرفية. بعد معاينة الأب لابنه وهو محمولاً بين ذراعي سمعان، وتأكده من حالته وتقبيله، قام سمعان بنقل الطفل ومعلّمته إلى الأشرفية، وعاد أدراجه إلى المدرسة حيث قصّ على المدير ما حدث. أمّا يوسف فقد اصطحب طفله الصغير إلى منزله. وسار بين الأشجار تًعِباً متفكّراً في هذه الأحداث التي يعيش فصولها وعائلته. أما أبو مارون الذي كان تقيّاً وصالحاً ومحبّاً للناس قال لابنته: عايدة لا يجوز ان نبقى على الحياد في موضوع إصابة ومرض هذا الطفل، فهو قد جُرح في بستاننا فوافقته ابنته الرأي...

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top