أغنية حـبّـي لـ ت.س. إليوت| مونيكا لوينسكي| ترجمة: عبد الكريم بدرخان

1:10:00 م

 عن موقع الموجة


كنتُ في السادسة عشرة من عمري، في حصّة الأدب الإنكليزي في المدرسة الثانوية، في صفّ الـمُدرِّسة “باتروورث”، ولم أكنْ أدركُ أنّ عالمي الأدبي، كما كان في تلك السنّ الحسّاسة، سوف يهتزّ بأكمله.
كان قلبي مُفعماً بهواجس المراهقين في تلك السنّ، ومن منّا لم يكن كذلك؟ فهذه هي السنة الأولى في المرحلة الثانوية، السنة التي نحاول فيها أن نثبّتَ أقدامنا وننسجم مع الآخرين، وفي المقابل، نستميتُ في سبيل تحقيق شخصيّتنا المستقلّة والمتميّزة عنهم.
وسطَ بحر من الخوف والقلق والرغبات المضطربة، قرأت السيدة “باتروورث” بصوتها الجَهُور أمام الطلاب: “لنذهبْ معاً، أنا وأنت، حين يتمدّدُ المساءُ على السماء، مثل مريضٍ مخدَّرٍ على فراشه” [3]. وفورَ سماعي لهذه المقدّمة، انخطفتُ وانشدهت.
كان سماعي لها، بمثابة إنهاء علاقة حبّي مع إ.إ. كمنغز وقصيدته “مكانٌ ما لم أذهبْ إليه”. فوجدتُ نفسي أخونه وأهجرُه مستسلمةً إلى افتتاني بـ ت.س. إليوت، وغارقةً في عشق قصيدته المتوهّجة “أغنية حبّ ج. ألفرد بروفرورك” [4]. ومنذ عشرين سنة إلى اليوم، لم تخبُ مشاعري تجاهها.
مضى قرنٌ كامل على نشر ت.س. إليوت لقصيدة “أغنية حبّ ج. ألفرد بروفروك” في مجلة “شعر” عدد حزيران/يونيو 1915. (كل مئة سنة وأنت بخير يا بروفروك). وقد كانت أولى القصائد الكبرى التي ينشرها إليوت، بعدما قام صديقه إزرا باوند بمراجعتها وتنقيحها.

يومها، كان إليوت شاباً يافعاً يكتب بحكمة الشيوخ، كان عمره عشرين عاماً عندما ولدت القصيدة، وستة وعشرين عاماً حين نشرها. كانت بمثابة التجربة الأولى للشابّ الأعذر أدبياً وجنسياً، (تزوّج من “فيفيان هايوود” في ذات الشهر الذي نُشرتْ فيه القصيدة). يا لَها من تجربةٍ مخيفةٍ وخطيرة، حماسيّة وعجيبة. كقوله في القصيدة: “كيف لي أنْ أبدأ؟”. كان إليوت -على الأرجح- يبحثُ عن معنىً ما، لهذا العالم المتناقض- المنسجم في تناقضه، لكنه معنى لا يُطال.

خضعت القصيدةُ لعشرات الدراسات والتحليلات والتأويلات منذ نشرها وإلى اليوم، أبياتُها الأصيلة ترسّختْ في ذاكرة الأجيال، وترسّبتْ في وعيهم. مثل: “لنذهبْ معاً، أنا وأنت”، “سيكون هنالك وقتٌ، سيكون هنالك وقت”، “هل سأجرؤ على أكل الدرّاق؟”، “في الغرفة تروح النساءُ وتغدو، يتحدّثنَ عن ميكيل آنجلو” [5]. صياغتُها المتينة ودلالاتُها الإشكاليّة لا زالتْ تسحرنا إلى اليوم: “أقيسُ عمري بعدد ملاعقِ القهوة”، “هل لي بعدَ كل هذا الشاي والكعك ومكعبّات الثلج، أنْ أجبرَ اللحظة على بلوغ ذُروتها؟”.

وعلى خلاف قصيدة “كيف لي أنْ أحبّكَ؟” لـ إليزابيث باريت براونينغ، لطالما أربكتْ “بروفروك” النقّاد وأحارتهم. فقد تضاربت آراؤهم حول كلِّ ما في القصيدة تقريباً، بدءاً من تحديد مَنْ هو المخاطَب بضمير “أنت” في البيت الأول. ومع أن هذه الجدالات الأكاديمية مهمّة، إلّا أنّ السؤال الذي يتردّد في ذهني مختلفٌ عنها: أتساءلُ كيف استطاعت هذه الأبياتُ أن تتغلغل في الثقافة، وفي مختلف أشكالها التعبيرية؟ وأنْ تظهر -أحياناً- في تجلّياتٍ غريبةٍ غير متوقعة، حتى بعد مئة عام على نشرها؟!

فهذا الكاتب ريموند تشاندلر يشير إلى القصيدة في روايته “الوداع الطويل”، وكذلك المخرج فرانسز فورد كوبولا في فيلمه “القيامة الآن”. أما الممثلة ميغ رايان فقد أسمتْ شركتها الإنتاجية “بروفروك بيكتشرز”، وها هو المخرج مايكل بيتروني يُعنْوِن فيلمه الأول بـ “حتى توقظنا الأصواتُ البشرية”، وهي العبارة الواردة في نهاية القصيدة. ونرى أيضاً الممثّل جاخ براف يُلقي القصيدة في فيلم “أتمنى لو كنتُ هنا”. وفي عام 2000، عبّر الممثل بين أفليك عن إعجابه الشديد بالقصيدة في لقاءٍ أجراه مع ديان سوير، مردّداً أبياتاً منها (يحفظها غيباً) على مسامع المشاهدين:
“لستُ نبياً، وليسَ الأمرُ مهمّاً.
شاهدتُ أعظمَ لحظاتِ حياتي، تتبخّرُ أمامي.
رأيتُ الخادمَ الذي أناولُه معطفي، يسخرُ مني خِلسةً.
باختصار، كنتُ مرتعباً”.
كما قام المخرج السينمائي الشهير وودي آلن، بتوظيف القصيدة في ثلاثةٍ من أفلامه. ففي فيلم “شهرة” 1998 يردّدُ الممثل كينيث براناه في مشهد احتضاره: “أنا بروفروك الملعون، بغلتُ الأربعين توّاً، ولا أريد بلوغ الخمسين، لأكتشف حينها أني قِسْتُ حياتي بعددِ ملاعق القهوة اللعينة”. وفي فيلم “الحبّ والموت” 1975 تُمسكُ إحدى شخصيّات وودي آلن قلماً بيدها، وتخربشُ أبياتاً من القصيدة على ظهر ورقة. أما ممثلي المفضّل، أوين ويلسون، وأثناء أدائه لشخصية “جيل” في فيلم “منتصف الليل في باريس”، يقولها بكل جسارة: “بروفروك… هي صلاتي المقدّسة”!

تظهر تجلّيات أخرى لـ “بروفروك” في الأغاني الحديثة، فالمغني الأميركي تشاك دي لديه أغنية بعنوان: “هل أجرؤ على خلخلة الكون؟”، وهي من الأبيات الأشهر في القصيدة. كام قام المؤلف الموسيقي جون كارتون بتلحين القصيدة كاملةً، وإعدادها للغناء.

يمكن للمرء أن يشرب الشاي مع قطعة كعك في مقهى “بروفروك” في لندن، أو يتناول عشاءه في مطعم “بيتزا بروفروك” وسط مدينة لوس آنجليس. وما زلتْ “بروفروك” تصل إلى الأجيال الجديدة، حتى خارج الكتب المدرسية ومناهجها، عن طريق واحدة من أكثر الروايات مبيعاً في العالم، رواية جون غرين “ما تخبّئه لنا النجوم”، فقد وظّف القصيدة ضمن الرواية توظيفاً ناجحاً.
نأخذ روائياً آخر، هاروكي موراكامي، وفي أكثر أعماله بروفروكيّةً “يوميات الطائر الدمية”، نجدُ حالة العزلة التي تعبّر “بروفروك” عنها، وظلال الوحشة التي تخيّم عليها. بالإضافة إلى أسئلة الحقيقة والهوية، وآلام العزلة والاغتراب.

بالنسبة لي، أحسستُ وكأني استعدتُ وطني، عندما انضممتُ إلى شبكةٍ نسوية على الإنترنت، وتفاجأتُ أنّ أكثر من نصف الرسائل الإلكترونية التي وردتْني من أعضاء الشبكة، تضمّنت الأبيات التي تُحبُّـها كلُّ عضوٍ منهنَّ مِنْ قصيدة “بروفروك”. والسببُ في ذلك، أنّ عنوان بريدي الإلكتروني يحتوي إشارةً إلى القصيدة. (ما زلتُ مخلصةً لحبّي القديم).
وعلى الرغم من الاحتفاء الكبير بالقصيدة، إلا أنّ شاعرها لم يأخذ حقّه من الاهتمام في الألفيّة الثالثة، إذ توشكُ شهرةُ الشاعر النوبّـلي على الأفول. ومع أن “بروفروك” تعتبرُ أوّلَ قصيدةٍ حداثوية أصيلةٍ ومُؤسِّسَة، إلّا أنّ جرأة إليوت الحداثوية خضعتْ لترويضٍ طويل، وربما تجاوزتها السنوات، بفعل طُروحات ما بعد الحداثيين، ومَنْ جاء بعدَهم. بالإضافة إلى تأثير موقفه الشخصي الـمُعيب، أعني عداءَه للساميّة. وهذا ما يطرح السؤال القديم المتجدّد: هل المهمُّ في عالم الأدب؛ هو تجربة الكاتب؟ أم تجربة المتلقّي؟ أنا شخصياً أقعُ في تناقضٍ معرفيّ إزاء هذه المسألة، لكن الانتقاداتِ التي طالت مواقف الشاعر، لم تأثرْ يوماً على شغفي بإبداعه.
في يومنا هذا، في عالمٍ يزخر بتغريدات تويتر والرسائل الصوتية الإلكترونية، في زمن الرسائل النصّية الـقصيرة الواضحةِ المعاني، ربما نحن بأمسّ الحاجة إلى النباهة والحيوية والتكثيف البليغ الموجود في الشِعر، إلى الصور الشعرية التي تحفِّزُ الخيَال، وتُولّدُ فيه صوراً ترسُخ في الذاكرة أكثرَ من الصور التي نتبادلها عبر وسائل التواصل الحديث. ربما يجب علينا أن نستعيد الدافع المحفّز على القراءة، فلا نكتفي بقراءة عناوين الصحف أو عناوين المقالات. نحتاج حقاً إلى قصيدة حبّ تأخذنا إلى جوهر الأشياء.
ولهذا، كما أعتقد، أذهلتْني أبياتُ القصيدة حين سمعتُها لأول مرة، وما زالت تدهشني. كانت “بروفروك” تعلّمني ضرورة امتلاك القوة، رغماً عن كل مخاوفي. تعلّمني “أنْ أُجبرَ اللحظةَ على بلوغِ ذروتها”. وكيفَ مِنْ قوة الشعر ذاته، أكتشفُ جمالياتِ الحياة المتنوّعة، “كما لو أنّ مصباحاً سحرياً يكشفُ ما يعتري الأعصاب، فتظهر كخرائطَ على اللوح”. إيقاعُ القصيدة وأسلوبُـها السرديُّ البديع، بعد سنواتٍ طوالٍ من درس الإنكليزي الذي أعطتنا إياهُ السيدة “باتروورث”، ما برَحَـا يقودانني دوماً إلى “السؤال المُفحِم”، بالأحرى: الأسئلة المفحمة!
في النهاية، ليس المهمُّ لماذا أحبُّ قصيدةً ما، أو ما تعنيه بالنسبة لي، أو لماذا تتغيّر دلالاتها مع مرور السنوات. ما يهمُّ حقاً؛ هو إلى أيّ مكانٍ قصيّ يمكن للقصيدة أنْ تحملكَ إليه؟ هناك… ما وراء المعاني.

هوامش للمترجم:
[1] نُشرَ المقال في مجلة “Vantiy Fair” الأمريكية، عدد حزيران/يونيو 2015، بعنوان “My Love Song to J. Alfred Prufrock”.
[2] مونيكا لوينسكي: محرّرة مساهمة في مجلة “Vanity Fair”، اشتُهرتْ عالمياً في تسعينات القرن الماضي، بعد فضيحة علاقتها مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون. شغلتْ عدة مناصب سياسية ودبلوماسية.
 [3] تشكّل هذه المقدمة ثورةً على الرومانسية ومفاهيم علم الجمال الرومانسي، فالغروب من المواضيع الأثيرة لدى الرومانسيين، وهو من أشجى المناظر وفق رؤياهم الجمالية. لكن إليوت نسفَ كلّ ذلك، عندما شبّه الغروب بمريض مخدّرٍ مستلقٍ على فراشه.
[4] أغنية حبّ ج. ألفرد بروفروك: القصيدة التي صنعتْ بداية ت. س. إليوت كواحد من أعظم شعراء القرن العشرين، تُعرف اختصاراً باسم “بروفروك”، وربما لا تخلو أنطولوجيا للشعر الإنكليزي أو الأمريكي منها. استفاد إليوت من فتوحات علم النفس الحديث آنذاك، واستخدم فيها أسلوب “تيار الوعي”.
[5] لهذين البيتين عدة تفسيرات، منها أنه يصف حالة الزيف والرياء في هذه المناسبات الاجتماعية، إذ تتحدث النسوة عن أمورٍ يجهلنها. وهناك تفسير آخر يقول إنه وضع “ميكيل آنجلو” لكي يناسب قافيةَ البيت السابق المنتهية بـ “go”، كنوعٍ من السخرية من شكل القصيدة السائد في القرن 19، حيث يلتزم كل بيتٍ بقافية البيت الذي يسبقه.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا