الطبيب حسان يحيى: نطالب امين معلوف بمراجعة نقدية تليق بمقامه

4:23:00 ص


عن النهار
دعت قناة تلفزيونية اسرائيلية أمين معلوف الأديب الفرنسي من أصول لبنانية الى مقابلة موضوعها كتابه الأخير وعضويته كأحد "الخالدين" في الأكاديمية الفرنسية.

استرعاني هذا الأمر من وجوه عدة... وكنت قد حضرت المقابلة ثم تابعت من بعدها، فيض المقالات وضجيج الكثير من التعليقات. هنا محاولة هادئة للتبصر...
كمقيم في فرنسا، كنت قد علمت بوجود قناة تلفزيونية جديدة في عالم الإعلام الفرنسي، بسبب الدعاية القوية التي قامت بها عند انطلاقتها في محطات المترو وغيرها. وأيضاً، بسبب تزاحم القنوات الرئيسة الفرنسية للترحيب بها، واستضافة المشرفين عليها. وكنت قد شاهدت على شاشتها، قبل نحو شهر، رئيس الوزراء الفرنسي ايمانويل فالس في مقابلة خاصة، وكان على جاري عادته، يتصرف كمن يلبي واجباً إعلانياً تجاه إسرائيل. القناة تقدم نفسها بوضوح على انها تجربة رائدة في عالم الأخبار والإعلام تهدف الى تلميع صورة الدولة العبرية. وأنها تبث بالإنكليزية والفرنسية والعربية. أجرى أمين معلوف، عن سابق وعي، المقابلة مع وسيلة اعلام ايديولوجية متعصبة لا تُخفي مقاصدها إذ هي ُوجدت أصلاً لخدمة أدوار ترويجية لكيان يحتل ويمارس التمييز العنصري.
الحلقة نفسها، دارت في اطار ثقافي عام ومتعدد الفقرة. واحدة منها، مجدت العيش المشترك وحدثتنا عن مهرجان في قرية "مسلمة" كان قد شهد مشاركة "متدين يهودي" ورجل دين مسيحي. وفقرة ثانية، لفرنسية من أصل مغربي تحكي رواية نضالها ضد الإرهاب الإسلامي. وفقرة ثالثة تغطي حفلاً لمهرج جاء ليحيي حفلات لأطفال حيفا، بالإضافة الى نقل لعمل فني كتحية للموسيقى ذات الأصول اليمنية. أما الحوار مع أمين معلوف، فكان له نصيب الأسد ربما لأن الصيد ثمين. وهو ُعرض على قسمين، تحدث فيهما عن نشاطه وأقرانه في الأكاديمية الفرنسية وعن أعمالها اللغوية، وعن كتابه "مقعد على نهر السين". وكان باستطاعة المشاهد متابعة الإبتسامات المتبادلة والكلام المحسوب بحرص، وكانت حيادية معلوف لافتة كأنه آت من كوكب آخر، متناسياً، أنه في حمى "الهويات القاتلة". ولفتني أيضاً، كم كانت مقدمة البرنامج سعيدة باستقبال "الأكاديمي من أصل لبناني" وهي تسأل عن طبيعة العمل في ألأكاديمية وماذا ينفع؟ بلا شك كان انتفاع القناة عظيماً من هذا البرنامج "الثقافي" المُتقن الإعداد وكان من الطبيعي أن يليه مباشرة، كلام عن برنار هنري ليفي. لقد تورط معلوف في لعبة، وأهدى صورته وتاريخه إلى إعلام وظيفته البروباغندا. انها بالفعل سقطة كبيرة ستؤثر على صورته عند الكثيرين من مريديه. وتهيأ لي للوهلة الأولى أن حديثه لم يُبث كاملاً لكن تبين لاحقا أنه لم يصدر منه أي موقف ورأي توضيحي على غرار كبار يتعالون على الجوائز ولا تختلط عندهم المبادئ والمفاهيم.

ردود الفعل
البعض لم يفهم ظهوره على الشاشة الإسرائيلية، اعتبره غلطة سياسية غير محسوبة، وعبّر عن غصته لأن معلوف أختار مكاناً لا يليق به. وهناك من انتقد ولام أو عتب، والبعض اندفع بغضبه حتى الإعلان عن مقاطعة مؤلفاته أو الى عقابه عبر ارسال كتبه عبر البريد. وبالنسبة الى كثيرين، كانت فعلة أمين معلوف مرذولة ومستنكرة استدعت، في مداها الحماسي، استخدام لغة التحقير فهو :الخائن لقضايا شعبه والمطبّع مع العدو ؛ وما ارتكبه هو تعامل مباشر مع العدو يقع تحت طائلة القانون اللبناني.
والحال أنه غالباً ما يتم التعامل مع القضايا الخلافية بشكل حربجي ُيغلّب بناء المتاريس. لنذّكر بصورة هادئة وواقعية، من هو أمين معلوف وكيف يفكر؟ وعلى ماذا نختلف معه؟ هو كاتب نجم يخلط هويات متعددة، يرى نفسه، في واقعه الراهن، فرنسياً اصيلاً. لكنه يدين لجذوره اللبنانية في كل ما حققه من نجاحات وجوائز. ولقد استمد من انتمائه هذا، مواضيع وأسئلة جعلته معروفاً بلبنانيته وشرقيته بل وحسبه العرب منهم. ولم يكن أمين معلوف يوما، عروبيا ولا أعلن انتماءه لتيار مقاطعة إسرائيل. بل ذهب لمفاوضتها كناطق للوفد الرسمي اللبناني. ولم نعرف عنه أي نبرة حماسة او دعم يوما التيار الذي يتوسّع والذي يزداد قوةً يوما بعد يوم في أوروبا وآسيا. بالرغم أن ذلك، كان سيشرفه. أفكاره خاصة به أولاً. مضمونها غني بالفعل. هو أديب يقف عند التقاطعات وينظر اليها من علٍ. انت تدخل عالم انتاجه الروائي ولا تخرج منه. تنسحر من انسياب كلماته. فنراك تتابع الأفكار والشخصيات بسلاسة. وتُنبهّك كتاباته الى معان وقضايا انسانية سامية. وكان قد خصص كتاباً كاملاً عن الهويات القاتلة. وعرف عنه الآراء المتسامحة والإنسانية وأيضاً التسامحية التي تصل، أحياناً، الى درجة تسطيحية تمحو الفوارق بين الغاصب والمغتصب. ومن الممكن العودة الى مدونته الخاصة، وفيها نصوص سياسية تتحدث عن "ربيع واشنطن" وعن فرصة للتصالح مع المنطقة. وتبرز أنه عضو في نادي الرؤساء والزعماء. كان مستشاراً لجاك شيراك يرافقه في الرحلات الخارجية ويقدم المشورة والنصيحة لمن يطلبها من كبار القوم.
أخطأ امين معلوف في ظهوره التلفزيوني سياسياً وأخلاقياً وهدم تاريخاً بأسره من الثقة مع ناسه. صحيح أنه لم يخرق أي عهد ولا نكث بأي وعد. نحن الذين كنّا نتوقع منه الكثير، ولم يفعل. لقد خذلنا في تموضعه. ولأنه أضفى صبغة انسانية زائفة، وشرعية أخلاقية مجانية على من لا يستحق بل ويجافي الحق. أخطأ لأنه لم يقف للمضطهدين محامياً. ولأنه تناسى أن من يحاوره يعمل لمصلحة دولة خارجة عن القانون.
إسرائيل ليست وجهة نظر. هي مخلوق يعتمد نهج التمييز العنصري، وكان من الطبيعي على من هو بدراية أمين معلوف وقامته أن يقارعها، ولو بالكلمة. وهو الخبير في عالم الكلمات وقدرة تأثيرها. لماذا بلع لسانه؟ وهو المهجوس كما يردد، في خطبه وكتبه، بالعمل على هدم "الجدار" بين الهويات الثقافية؟
وليست المشكلة في مخاطبة العدو عبر وسائله الإعلامية ولكن في غياب تام للقضية الإنسانية.
نطالبه بمراجعة نقدية علنية وفارقة، تليق بمقامه العالي. ونطالبه بالتموضع الطبيعي مع والده رشدي المعلوف الذي "يرى مناماته بلغته الأم" ومع جبران خليل جبران الذي عاد بعد مماته ليحتضن عشق شعبه، وأيضاً، مع كثيرين من المثقفين الأوروبيين والأميركيين الكبار الذين يقاطعون دولة الإحتلال من موقع أخلاقي وإنساني.

طبيب لبناني مقيم في باريس

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا