الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

عن الفايسبوك

شهدنا في الأسبوع الماضي مسرحية قد تكون مضحكة لولا اصرار أصحابها على اعتبار أنفسهم طليعة ثقافية أنيطت بها مهمة مقدسة تقضي بإقامة سد منيع امام المؤامرات الآتية من كل جانب والهادفة للاعتراف بدولة اسرائيل والترويج للتطبيع الثقافي معها.

وقد قلبت هذه المجموعة الدنيا ولم تقعدها بسبب مقابلة اجراها أمين معلوف مع القناة الإسرائيلية الفرنسية i24 من مبنى الأكاديمية الفرنسية في باريس، عرض فيها كيفية عمل الأكاديمية الفرنسية لتطوير المعجم اللغوي الموسوعي وادخال كلمات جديدة عليه، كما تكلم بطريقة شيقة وبليغة عن كتابه الأخير "كرسي على ضفة السين" الذي يعرض فيه طبائع من سبقوه على المقعد رقم ٢٩ أمثال مونتسكيو وكورني وأرست رينان وكلود ليفي ستراوس. 

ولم يعترض الذين نصبوا أنفسهم شرطيي المقاطعة على فحوى ما جاء على لسان أمين معلوف اذ ربما اعتبروا ذالك ترفا سخيفا لا يستاهل التطرق اليه. فلا معنى في نظر هؤلاء للنتاج الأدبي والفني بمعزل عن التحريض السياسي ورفع الشعارات التعبوية التي يرجى ان تصب في خانة محاربة أعداء الأمة. بل ان اعتراض هؤلاء انصب على مجرد الظهور على شاشة المحطة الإسرائيلية الفرنسية والذي اعتبر جرما شنيعا بمثابة خيانة عظمى يقتضي محاسبة من ارتكبها امام القانون وتجريده من الجنسية اللبنانية ومنعه من دخول أراضي الوطن. 

قد يأسف البعض لان أمين معلوف لم يغتنم فرصة ظهوره على الشاشة هذه لتوجيه رسالة مباشرة ينتقد فيها العنف الاسرائيلي ضد الفلسطينيين. وقد نختلف حول تقدير ما اذا كان مثل هذا الكلام ملائما في حلقة تدور حول الأكاديمية الفرنسية. لكن لا يحق لأحد ان يُطاق التهم الزائفة حول التعامل مع العدو او خدمة الأهداف الصهيونية. 

وفي الحقيقة، فان هذا الموضوع لا يهم هؤلاء المطاوعون الجدد الذين احترفوا فن التخوين. فإذا كان هؤلاء يجتمعون تحت راية ما يسمونه "اللجنة اللبنانية للمقاطعة الثقافية والاكاديمية لإسرائيل" الا ان مفهوم المقاطعة لديهم يختلف كل الاختلاف عن المبادىء التي ارستها الحركة العالمية لمقاطعة اسرائيل BDS التي انطلقت سنة ٥..٢. وقد استطاعت هذه الحركة ان تطال شخصيات ثقافية عالمية أمثال دسموند توتو وستيفان هيسل وهنينغ مانكل ونايومي كلاين وجون برغر وارنداتي روي، كما استطاعت ان تستحصل دعم مثقفين اسرائيليين أمثال اييال سيفان وياءل ليرر وميشال فرشفسكي. 
فحملة BDS العالمية تهدف بالأساس الى عزل اسرائيل بصفتها دولة عنصرية عبر الدعوة لاعتماد نظام للمقاطعة شبيه بالذي طبق على افريقيا الجنوبية ايام نظام الابارتايد. وهي لا تدعو لمقاطعة الأفراد كما لا تدعو لمقاطعة وسائل الاعلام الإسرائيلية بل تعتبر انه ينبغي الاستفادة منها كمنابر لايصال صوت الحق والوقوف بوجه التوجهات الفاشية والعنصرية المتطرفة التي تنتشر الان في المجتمع الاسرائيلي .

لكن الأيديولوجية القومجية لمحترفي التخوين تجعلهم يحتقرون مثل هذه المقاطعة "الفاترة". وهم يريدون فرض أشكال مقاطعة اكثر راديكالية، غير مبالين لما قد ينتج عن ذالك من عزل للقضية الفلسطينية على الصعيد العالمي وتصويرها كحركة فاشية معادية للسامية بدلا من عزل اسرائيل بصفتها دولة عنصرية. فهل يجوز ان نخون دسموند توتو مثلا بسبب مداخلاته المتعددة في وسائل الاعلام الإسرائيلية التي يشبه فيها معاملة اسرائيل للفلسطينيين بنظام الابارتايد في جنوب افريقيا؟ وهل نخون ايضا ستيفان هيسل بسبب الحوار المطول الذي أجراه مع جريدة هآرتس شارحا فيه ان موقفه الداعم للشعب الفلسطيني ينبع من الظلم الذي لاقاه في معتقلات الموت النازية؟ وهل نخون ايضا وايضاً الروائي السويدي المشهور هنينغ مانكل بسبب قبوله الكتابة في ملحق هآرتس الأدبي على الرغم من وقوفه الى جانب الشعب الفلسطيني وتحديه للعسكر الاسرائيلي من على متن السفينة التركية التي حاولت فك الحصار عن غزة؟ 

حين ذاك علينا ان نخون ايضا اهم مثقف فلسطيني معاصر ادوارد سعيد واهم شاعر فلسطيني محمود درويش بسبب عدم احترامهما نظام المقاطعة كما حدده المطاوعون الجدد وظهورها المتكرر في وسائل الاعلام الإسرائيلية وقبولهما إصدار كتبهما باللغة العبرية من قبل دور نشر إسرائيلية. اذ ذاك، نكون قد عادينا كل من له مكانة فكرية تتخطى الحدود الضيقة للإستبلشمنت الثقافي المحلي ولا يبقى في الساحة سوى هؤلاء التعساء الذين لا يحسنون سوى تكرار الشعارات الفارغة التي تخفي خضوعهم لانظمة الاستبداد وتمجيدهم للطغات اللذين فتكوا بشعوبهم من صدام حسين الى بشار الأسد.

وفي شطحات شبيهة بالتي كان يعتمدها فيشينسكي، المدعي العام الستاليني الذي ادار محاكمات موسكو السيئة الذكر، يذهب بعض هؤلاء الموتورون الى حد البحث عن بذور ذالك "الانحراف" الخطير في الروايات التي كتبها أمين معلوف، اذ اكتشفوا في رواية "موانئ المشرق" شخصية كلارا المناضلة اليسارية اليهودية التي احبها عصيان، بطل الرواية، وافترق عنها قسرا بسبب تقسيم فلسطين. ورأى هؤلاء بمجرد ادخال بطلة يهودية في هذه الرواية تبريرا للتطبيع مع العدو ومبايعة رمزية للكيان الصهيوني. وهم تجاهلوا ان الأدب الفلسطيني مليء بمثل هذه الشخصيات، بدءا بشخصية مريم الناجية من معتقلات الموت النازية، بطلة كتاب غسان كنفاني "عائد الى حيفا"، وشخصية ريتا اليهودية التي غازلها محمود درويش في قصائده. 

لكن اسوأ ما في هذه الحملة الموتوره التي شنت ضد أمين معلوف هو محاولة التذكير باستدعائه من قبل الحكومة اللبنانية في أوائل عهد أمين جميل بهدف تنظيم التغطية الصحفية للمفاوضات حول شروط انسحاب الجيش الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية التي جرت سنة ١٩٨٣، والايحاء انه ارتكب جرم التعامل مع العدو، مع العلم ان أمين معلوف استقال من عمله قبيل توقيع اتفاق ١٧ أيار وعاد الى باريس للتفرغ للكتابة. 

لكن الذي يسكن في منزل من زجاج عليه الامتناع عن رشق الحجارة على الآخرين. هل نسال احد الصحافيين البارزين الذي كان على راس حملة تخوين أمين معلوف أين كان والى أية جهة كان ينتمي حين اجتاح الجيش الاسرائيلي الاراضي اللبنانية سنة ١٩٨٢ وأشرف على مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها مليشيات القوات اللبنانية آنذاك؟ وهل نذكر بأن أمين معلوف لم يكن وحده يغطي المفاوضات التي أدت الى اتفاق ١٧ أيار بل كان، من بين الذين رافقوه، صحافي لامع أصبح بعد ذلك رئيساً لتحرير جريدة "الأخبار"؟ 

اذ ان منطق التخوين لا جدوى منه وهو ينقلب دائماً على أصحابه تماما كالحية التي تبتلع ذنبها."


(*) مهندس لبناني مقيم في باريس، صاحب كتاب "الاعمار والمصلحة العامة في التراث والحداثة" دار الجديد.

1 facebook Blogger 1 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top