الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

قبل خمسة أعوامٍ تقريبًا، وفي 13 آب 2011 تحديدًا، كتب الصحافي الشهير روبرت فيسك مقالًا في صحيفة الاندبندنت البريطانية، تحت عنوان "خلود مؤرخ عظيم"، تحدّث فيه عن مشاركة الكاتب اللبناني أمين معلوف بالبعثة اللبنانية التي زارت الأراضي الفلسطينية المحتلة، والموفدة من أمين الجميل، ساخرًا من فكرة أن يكون "الكاتب العظيم" قد زار الأراضي المحتلة لـ"تفقد الأضرار التي أصابت (المستعمرة الإسرائيلية) نتيجة صواريخ الكاتيوشا الفلسطينية". وجاء في المقال:
كم من أميرالات قوات حلف شمال الأطلسي الذين يقاتلون وحش طرابلس الغرب يدركون أصل لقبه؟
الأميرال كلمة مشتقة من الفرنسية وتشتق بنفسها من كلمة "أمير البحر" العربية. وكلمة "لورد البحر الأول" البريطانية تعني حرفية الكلمة. ثم هناك البطل الإسباني "السيد" والمشتقة من العربية. تعلمنا شرب عصير الليمون المشتق أصلًا كلمة "الشربات" العربية، وننام على فراش ناعم وهي كلمة مشتقة من العربية أيضًا "مطرح" إلخ...
ووعد أمين معلوف بإجراء دراسة معمقة حول "الايتومولوجيا" (أصل الكلمات) بصفته عضوًا جديدًا في نادي "الخالدين"- حيث تم انتخابه أخيرًا إلى عضوية الأكاديمية الفرنسية في باريس- وهو سيضع ثقافته العربية- الأوروبية في مكانها الصحيح في اجتماعات الأكاديمية الدورية كل يوم خميس. وإذا كان الفرنسيون قد حظروا ارتداء البرقع، عليهم أن يدركوا أن كلمة "الهراوة" بالفرنسية مشتقة من كلمة عربية هي "المطرقة". ومعلوف مشهور في فرنسا أكثر من بريطانيا على الرغم من أن العديدين قد أعجبوا برواياته الرائعة من بينها "صخرة طانيوس" وهي رواية دقيقة قاتمة ومؤلمة عن الحياة الطائفية في جبال الشوف في لبنان والتدخل الاستعماري في الشرق.
غير أني أعتقد أن أعظم أعماله على الإطلاق هي "الحروب الصليبية كما رآها العرب"، وهي رواية غير خيالية عن أول "حروب الحضارات" ووضعت بغالبيتها استنادًا إلى وثائق عربية وليس أوروبية. وتكشف الرواية كيف أن الفرسان الصليبيين الجائعين التهموا ضحاياهم المسلمين بالقرب من مدينة حمص السورية. حتى أنصار (الرئيس السوري بشار) الأسد لم يلجأوا إلى ذلك.
ويعود معلوف الآن مع مزيد من الواقعية، عالم بلا نظام، وضع مسيرة للقرن الحادي والعشرين، وأخشى على سمعته. لقد وصفته صحيفة نيويورك تايمز "بالصوت الواضح، الهادئ والمقنع من العالم العربي الذي كان ينتظره الغرب". لكن ذلك غير صحيح. معلوف المسيحي الذي أمضى السنوات الثلاثين في منفى اختياري في العاصمة الفرنسية باريس يعترف "لست خبيرًا في العالم الإسلامي، ولست عالمًا إسلاميًا".
ربما لهذا السبب فإن نظرته إلى الشرق الأوسط- العالم الغربي مذهلة لكنها معيبة في الوقت نفسه. عندما يقول إن "نهاية توازن الرعب أوجد عالمًا مهووسًا بالإرهاب"، لا يمكن سوى موافقته على ذلك. غير أنه عندما يقول لنا إن "الغني أو الفقير، المتعجرف أو المسحوق، المحتلين أو الخاضعين للاحتلال، كلهم ونحن أيضًا- على متن العوامة الهشة نفسها، وسوف نغرق جميعنا معًا" فلا يمكنني سوى القول إن هذا هراء.
فالفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي، و"إسرائيل" التي تحتل الضفة الغربية ليسوا في "العوامة الهشة" نفسها. فريق ربح (حتى الآن) فيما خسر الفريق الآخر. السؤال الحقيقي في قضية فلسطين- هو ما إذا كان الإسرائيليون سيتوقفون عن سرقة الأرض الفلسطينية التي لا يملكونها، والتي يبنون عليها مستعمرات للإسرائيليين والإسرائيليين وحدهم، خلافًا لكل القوانين الدولية.
من المفيد الإشارة وهو ما لم يفعله معلوف- إلى أنه في العام 1983 كان عضوًا في البعثة اللبنانية التي زارت "إسرائيل" موفدة من (الرئيس اللبناني السابق) أمين الجميل الذي كان يسير وحيدًا مع الرغبة الأميركية اليائسة لتحقيق اتفاقية سلام بين لبنان و"إسرائيل". لقد تفقد معلوف الأضرار التي أصابت (المستعمرة الإسرائيلية) كريات شمونة نتيجة صواريخ الكاتيوشا الفلسطينية؟ أعرف اليوم لماذا دفن نفسه خلف نظرية "الجانبان يخسران" لكن هناك جانب أخلاقي ومعنوي يبدو أنه ناقص من كتابات معلوف. لقد ألحق الإسرائيليون في العام 1982 أضرارًا مادية وبشرية (أكثر من 17500 قتيل معظمهم من المدنيين) بلبنان، أكثر مما تسبب به الفلسطينيون في "إسرائيل".
وعندما يصل الأمر إلى الديموقراطية، يقول لنا معلوف إنه "لا يعرف ديموقراطيات كثيرة تعمل جيدًا" أكثر من أميركا. حقًا؟ وعندما يسأل نفسه "ألا يتحمل الأميركيون والإسرائيليون خلال العقود القليلة الماضية مسؤولية محددة عن انحدار العالم" فجوابه حتمًا "ربما" وهذا ليس كافيًا.
لكنه يحمل روحًا صديقة. لقد التقيت به منذ سنوات عديدة مباشرة بعد نشره رواية "صخرة طانيوس" في أحد الأديرة المارونية في أعالي تلال قضاء المتن في لبنان، حيث يقدم الرهبان مشروب العرق مع الترويقة. ومعلوف الذي يحمل وزنًا زائدًا قليلًا ويملك حس الفكاهة بدا تمامًا ما كان وما هو عليه اليوم: مؤلفًا عظيمًا. إلا أنه في السياسة، يبدو أحيانًا وكأنه أسقف ممل. ويقول "قناعتي الراسخة هي أن هناك اعتبارًا زائدًا لتأثير الدين على الأشخاص، مقابل الاعتبار القليل لتأثير الأشخاص على الدين". قد يثير هذا الكلام إعجاب "الخالدين" لكن ليس أنا أو الأشخاص العاديين. لكن لنكن أقل قسوة على الرجل العظيم.
ويكتب معلوف "لم يشر أي مراقب جدي من الذين قاموا بتفحّص روايات الاجتماعات التي اتخذ خلالها قرار الذهاب في الحرب ضد العراق في العام 2003، إلى أن الدافع الحقيقي كان إحلال الديموقراطية في العراق". عوضًا عن ذلك، أنشأت الولايات المتحدة نظام تمثيل سياسي قائم على الأصول الدينية أو الأثنية. ويضيف "أن تكون الديموقراطية الأميركية العظيمة قد أوجدت للشعب العراقي هذه الهدية السامة للطائفية المقدسة، فهذا عار ومهانة".
ثم جاءت "ضربة" معلوف. كتب أنه "ذهل لوجود رائد الديموقراطيات الغربية يتساءل في فجر القرن الحادي والعشرين عما إذا لم تكن في نهاية الأمر فكرة صائبة بدعم نشوء الأنظمة الديموقراطية في مصر، المملكة العربية السعودية وباكستان... لكن هذه الفكرة الجيدة سرعان ما أصبحت طي النسيان... لقد توصلت بلاد إبراهام لينكولن إلى خلاصة مفادها أن كل ذلك كان محفوفًا بالمخاطر... الانتخابات الحرة قد تأتي بأسوأ العناصر المتطرفة إلى السلطة... على الديموقراطية أن تنتظر".
لنأمل أن يستمع "الخالدون" الآخرون إلى هذا الكلام.

ترجمة صلاح تقي الدين

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top