سلافوي جيجيك: خروج بريطانيا وفرص اليسار الضائعة

10:45:00 م
سلافوي جيجيك
ترجمة عن نيوزويك
 عن المنصة

في فترة متأخرة في حياته، طرح فرويد سؤاله الشهير: "ما الذي تريده المرأة؟"، معترفًا بارتباكه تجاه لغز الجنسانية النسوية. يُثار ارتباك مشابه اليوم، متعلق بالاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit)، ليُطرح السؤال: ما الذي تريده أوروبا؟

تصير الخطورة الحقيقية للاستفتاء واضحة إذا وضعناها في سياقها التاريخي الأكبر. في أوروبا الغربية والشرقية، هناك علامات على إعادة ترتيب طويلة الأمد للسياسة. حتى وقت قريب، سيطر على المجال السياسي حزبين رئيسيين خاطبا الكيان الانتخابي بأكمله، حزب يمين الوسط (الديمقراطية المسيحية، والمحافظة الليبرالية، والشعبوية) وحزب يسار الوسط (الاشتراكية، والاشتراكية الديمقراطية)، إلى جانب أحزاب صغيرة موجهة لناخبين قليلين (ناشطو البيئة، والفاشيون الجدد). الآن، هناك حزب واحد يمثل الرأسمالية العالمية، وغالبًا ما يكون متسامحًا بشكل نسبي تجاه قضايا مثل الإجهاض وحقوق المثليين، والأقليات الدينية والعرقية؛ وفي مواجهة هذا الحزب يكون هناك حزب شعبي قوي مُعاد للمهاجرين، وعلى هامشه توجد المجموعات الفاشية الجديدة العنصرية بشكل صريح.



بولندا مثال نموذجي على هذا؛ بعد اختفاء الشيوعيين السابقين، كان الحزبين الرئيسيين هما حزب الوسط الليبرالي (المعادي للأيدولوجيا) الذي يقوده رئيس الوزراء السابق دونالد توسك (الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي)، و الحزب المسيحي المحافظ الذي يقوده الأخوان كاتشينسكي (التوأم المتطابق الذي شغل أحدهما منصب رئيس بولندا بين عامي 2005 و2010، وشغل الآخر منصب رئيس الوزراء في عامي 2006 و2007). خطورة الوسط الراديكالي اليوم تتمثل في سؤال: أي من الحزبين الرئيسيين، المحافظ والليبرالي، سينجح في تقديم نفسه كمُجسّد لـ "اللا سياسة" ما بعد الأيدولوجية، وذلك في مواجهة الحزب الآخر الذي سيتم التعامل معه على أنه "ما زال حبيس الأطياف الأيدولوجية القديمة"؟ في بدايات التسعينيات من القرن العشرين، كان المحافظون هم الأنجح في ذلك، وبعد ذلك بدا أن لليساريين الليبراليين اليد العليا، والآن عاد المحافظون مجددًا.
أعادت الشعبوية المعادية للمهاجرين المشاعر إلى مجال السياسة، فهي تتحدث بمصطلحات المواجهة؛ "نحن" في مقابل "هم"، وإحدى علامات الارتباك في ما تبقى من اليسار هي فكرة أنه عليه أن يستعين بهذه المقاربة الانفعالية من اليمين: "إذا كانت زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا مارين لوبان قادرة على هذا، لم لا ينبغي علينا أيضًا أن نفعل ذلك؟" بالتالي على اليسار إذن أن يعود للدفاع عن الدول القومية القوية وأن يحرك المشاعر الوطنية. وهذا نضال أحمق، وخاسر مسبقًا.

أوروبا واقعة في شراك مدار خبيث، تتأرجح بين تكنوقراطية بروكسل غير القادرة على انتشالها من حالة الجمود، والغضب الشعبي ضد هذا الجمود، هذا الغضب الذي تستخدمه الحركات اليسارية الجديدة الأكثر راديكالية، في حين أنه شيء أساسي لدى الشعبوية اليمينية. استفتاء خروج بريطانيا سار بين حديّ هذه المواجهة الجديدة، وهذا هو سبب أن هناك شيئًا خاطئًا فيه. لاحظ التحالفات العجيبة التي ظهرت في المعسكر المؤيد لخروج بريطانيا: امتزج "وطنيو" اليمين والقوميون الشعبويون الممتلئون خوفًا من المهاجرين بالطبقة العاملة الغاضبة واليائسة؛ أليس هذا المزيج من العنصرية الوطنية المختلطة بغضب "الناس العاديين" هو الأساس المثالي لشكل جديد من الفاشية؟


لا ينبغي أن تخدعنا كثافة استخدام المشاعر في الاستفتاء، الخيار المطروح أخفى وراءه الأسئلة الحقيقية: كيف نواجه "اتفاقات" التجارة مثل اتفاقية التجارة العابرة للمحيط الأطلسي والشراكة الاستثمارية (TTIP) التي تمثل تهديدًا واقعيًا على السيادة الشعبية؟ وكيف نواجه الكوارث البيئية وعدم المساواة الاقتصادية التي تولد فقرًا وهجرات جديدة؟ الخيار بين الخروج أو البقاء في الاتحاد الأوربي يعني انتكاسة خطيرة لتلك النضالات الحقيقية، يكفي أن نضع في أذهاننا طرْح مؤيدي الخروج عن "تهديد اللاجئين". استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي هو دليل على أن الأيدولوجيا (بالمعني الماركسي القديم والسليم عن "الوعي الزائف") حاضرة وحية في مجتمعاتنا.

عندما سؤل ستالين في نهاية العشرينيات من القرن الماضي عن أي من الاتجاهين السياسيين هو الأسوأ؛ اليمين أم اليسار؟ أجاب باختصار: "كلاهما سيء". أليس هذا هو الأمر نفسه في ما يتعلق بالاختيار الذي واجهه المصوتون البريطانيون؟ البقاء كان "سيئًا" لأنه يعني الإصرار على الجمود الذي يؤدي إلى تدهور أوروبا. والخروج كان "سيئًا" لأنه لن يؤدي للتغيير المرغوب.

في الأيام التي سبقت الاستفتاء كانت هناك فكرة شبه عميقة متداولة في إعلامنا: "أيًا كانت النتيجة، لن يكون الاتحاد الأوروبي على ما كان عليه أبدًا، سيُدمّر بشكل لا يمكن إصلاحه". ولكن العكس صحيح: لا يوجد شيء تغير حقًا، باستثناء أن جمود أوروبا صار من الصعب تجاهله. أوروبا ستضيّع الوقت في مفاوضات طويلة بين أعضاء الاتحاد الأوروبي الذين سيستمرون في جعل أي مشروع سياسي واسع المدى غير ممكن. هذا الذي لم يره المعارضون للخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي يَشكون الآن، بعد صدمتهم، من "لا عقلانية" المصوتين على الخروج، متجاهلين الحاجة الملحة للتغيير التي جعلها التصويت واضحة.

الارتباك الكامن وراء استفتاء خروج بريطانيا لا يقتصر على أوروبا؛ إنه جزء من عملية أكبر متعلقة بأزمة "صناعة الوفاق الديمقراطي" في مجتمعاتنا، وبالفجوة المتنامية بين المؤسسات السياسية والغضب الشعبي، الغضب الذي أدى لوجود ترامب إلى جانب ساندرز في الولايات المتحدة. علامات الفوضى موجودة في كل مكان؛ مثل الجدل الأخير عن الرقابة على بيع الأسلحة في الكونجرس بالولايات المتحدة الذي تدهور وتحول إلى اعتصام للديمقراطيين. إذن هل حان الوقت الذي علينا أن نيأس فيه؟

لنستعيد شعار ماو تسي تونج القديم: "كل شيء تحت السماء في حالة فوضى تامة؛ الموقف ممتاز". لا بد أن تؤخذ الأزمة بجدية، وبدون أوهام، ولكن أيضًا لا بد من اعتبارها فرصة يجب أن تُستغل. على الرغم من أن الأزمات مؤلمة وخطيرة، فهي بمثابة المواقع التي لا بد أن تُشن فيها المعارك من أجل الانتصار. أليس هناك نضال في السماء الآن أيضًا، وأليست السماء منقسمة أيضًا، وألا يقدم لنا الارتباك القائم فرصة فريدة للاستجابة للحاجة لتغيير راديكالي بشكل أكثر ملائمة، عن طريق مشروع يقوم باختراق المدار الخبيث الذي تشكّل من تكنوقراطية الاتحاد الأوروبي والشعبوية القومية؟ الانقسام الحقيقي في سمائنا ليس بين التكنوقراطية البليدة والمشاعر القومية، ولكن بين مدارهما الخبيث من جهة، والمشروع الأوروبي الذي سيتعامل مع التحديات الحقيقية التي تواجهها الإنسانية اليوم من جهة أخرى.

الآن، وبعد صدى انتصار مؤيدي الخروج البريطاني، ستتضاعف مطالبات الخروج الأخرى من الاتحاد في أنحاء أوروبا. ويستدعي الموقف مثل هذا المشروع، ولكن من سيستحوذ على الفرصة؟ للأسف لن يكون اليسار القائم، المعروف بقدرته المستمرة على عدم تضييع فرص تضييع الفرص.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا