الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


ولجَتْ جدتي صالة السينما الضاربة في ظلمة حالكة ،رغم ما أفلتَ من الشاشة العملاقة من شعاعات نورانية منعكسة على المقاعد المتراصّة ، فتحسّست طريقها بعصاها ، وهي تتمتم بازدراء : "يا للعجب ! ... في العتمة نبصر بالعقل !". 
كنتُ متشبثة بمعصم جدّتي الأيمن، أساعدها في تخطي الدرجات العريضة نزولاً، فننتقل من واحدة إلى اخرى كمَن يمشي وفي رجله حصاة، ورغم أن منظّم الصالة كان مُعينَ جدّتي الثاني، إلا انها لم تثق سوى بعصاها، فكانت تضرب بها حيناً جنبات المقاعد لتقدّر مسافة افتراضية بيننا، وتقذف بها حيناً أخرى –دون افلاتها– إلى الدرجة التالية لتقدّر مدى انخفاضها عن سابقتها، مخترقةً بطرقات عصاها رومانسيةً تسري بين المقاعد ، فيرميها المنسجمون بالتفاتة مستهجِنة.. 
... وما ان لامست قدما جدّتي المنهكتان الدرجة الخامسة،حتى صاحت بالمسؤول غَضَباً: "يا ابني! ضمن هذه المسافة التي قطعناها، ألا يتوفّر مقعدان خاليان من مؤخّرتيْن ؟!!"، بيد أنّ طرافة الموقف دفعته ليهمس في أذنها بنبرة مرِحة: " بلى يا حجة، هنا إلى يمينك حيث تقفين" .. 
كان الفيلم رائعاً!.. وكثيراً ما نبّهتني رومنسيته لخفقان قلبي. وبين الفينة والفينة، كنت اشعر بشيء ما يتصاعد من حافة عينيّ السّفليين ،ويرتفع إلى الأحداق ويجعلها تلمع، فأبكي بصمت دون حركة.
ودون سابق انذار، التصقت على الشاشة شفتا "نور الشريف " ب شفتيّ عروسه الهاربة من أهلها . حينها داخلني، وأنا أشاهد القبلة بخفر ، احساس غريب بأنني مفضوحة وكلّ الاعين تراقبني !... فمن فرط اضطرابي تقطّبتْ أصابعي ببعضها البعض، و لشدّة خجلي من الشاب الوسيم الذي يحتلّ الكرسيّ الأوّل بجواري ، دمدم الدّم في أذنيّ الصغيرتيْن اللتيْن لم تتجاوزا الرابعة عشر من العمر بعد.
راقبتُ الشّاب بطرف عيني لأتأكد من عدم تنبّهه لحَرَجي، فوجدته مشدوداً بالمشهد شدّاً، لا يرفّ له جفنٌ ،وكأنّ حرارة عينيه انخفضتْ إلى درجة التجمّد... وطالت القبلة ... طالت ! ... كيف أختفي؟!... لا ادري !...
فجأةً، تململ الشاب في مقعده غير مرتاح، وأخذ نفساً عميقاً يُسمع صداه، ثمّ باغتني، وهو يلفّ وجهه صوبي، بنظرة جريئة من عينين يقظتيْن وصوت متكلّف ، وقال: " هل تعرفين أنّك إذا نفضتِ المخاط في القطب الشمالي، يصير جليداً قبل أن يلمس الأرض؟" ... فانفجرتْ مني ضحكة طفوليّة عفويّة في الصالة، مرافَقةً ببعض التقزز من الصورة التي لمعت في ذهني إثر كلامه، ثمّ تابع بنبرة أكثر هدوءاً هذه المرّة واقل مرحاً: " هل تعلمين ان شعرَك تفوح منه رائحة الفلّ . تلك الرائحة التي سرعان ما تحرّك شعوراً في القلب ؟"
لكنّ جدّتي التي كانت تتابعنا على مضض ولم ترُق لها ضحكتي، باغتتْه وهي تقترب منه، بردٍّ يأخذ فيه صوتها نبرة حادة: "وهل تعلم متى يكون الخدّ أسخن عضو في جسم الإنسان ؟" 
قال: لا، متى ؟!!
فصفعته على خدّه المكتنز صفعةً لئيمة سُمع لها دويّ، وأجابته بنبرة ناريّة: حين يُصفَع !!
ثمّ استأنفتْ موجّهةً كلامها لي:
وأنتِ يا "زريعة" الفلّ أنتِ... الفيلم القادم ستشاهدينه بعد قليل في البيت... وسيكون من بطولتي !

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top