محمود الحجيري... عن ارث المخترة

11:53:00 ص

انتهت الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان بعد اربعة جولات شملت كافة المحافظات وقد انتجت 1018 مجلسا بلديا ينضوي منها 627 بلدية في 53 اتحاد بلديات. وكذلك انتجت 2560 مختارا بين من حافظ على منصبه وجديد يتوزعون على 1412 قرية وبلدة ومدينة...


واذا فتشنا في التاريخ عن المخترة والمختار فنجده من مخلفات قوانين واجراءات الدولة العثمانية، حيث نعود ادراجنا الى النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتحديدا عام 1864 عندما صدر عن الباب العالي قانون الولايات .

وبموجب هذا القانون جرى تقسيم الدولة العثمانية الى ولايات، والولايات تقسم إلى ألوية. والولاية يقودها متصرف يعين بفرمان من الباب العالي، وكل لواء يقسم الى اقضية الى نواحي تدار على يد مدير الناحية، وتضم الناحية عدة قرى ينوب عن مدير الناحية في كل منها شخص من سكانها يدير شؤونها يطلق عليه مختار.

ويتم انتقاء او انتخاب المختار من قبل سكان القرية، بإشراف مسؤول حكومي كمدير الناحية او القائم مقام، حيث يطلب من سكان القرية ترشيح أشخاص بالغين، ويقوم باختيار الأفضل منهم، وفق معايير محددة، من أهمها أن يكون المختار من أصحاب الأملاك، ومن عائلة أو عشيرة كبيرة، وان يتصف بالحكمة والذكاء والدهاء والفطنة، وان يكون كريم النفس جواداً وصبوراً ذا مهابة، له شخصية كبيرة، ويُحسب له كل حساب، ويجيد تدبير الأمور، ويلقى قبولا حسناً لدى سكان القرية.
من هنا جاءت تسمية المختار بهذا الاسم.

 وكانت شخصية "المختار" جزءاً من النسيج الاجتماعي اللبناني، خاصة في مناطق الأرياف، تجتمع فيها الكثير من الصفات والخصال الحميدة، وتجسد واقع المجتمع الذي تعيش فيه، فكان لكل قرية مختار او اكثر، وذلك حسب عدد نفوس القرية، وغالبا ما كانت أعمار المخاتير كبيرة نسبيا، ذلك انه كان من أهم وظائف المختار هو حلّ النزاعات بين الناس، وتمثيل البلدة أمام الجهات العليا في الدولة، وبناء علاقات متينة وصلات قوية مع كَثير من المسؤولين، وذلك ليتمكن من خدمة بلده وأهلها.


  ويمثل المختار سكان قريته او عشيرته أمام الجهات الحكومية، وهو حلقة الوصل بين أبناء محلته والجهات الرسمية، والعين الساهرة على مصالح أهلها، ناهيك عن اعتبار وظيفة المختار نوعا من الوجاهة الاجتماعية، حيث يعتبر المختار من الناحية العشائرية من أبرز وجهاء القرية.


وكان بيت المختار أو مضافته مقصداً للضيوف والوفود الرسمية والشعبية وعابري السبيل، وكان عليه استقبال رجال الشرطة، الذين كانوا لا يدخلون بيتاً من بيوت البلدة إلا والمختار معهم. وأحيانا يستضيف ممثلي السلطة القادمين إلى القرية، وتقديم وجبات الطعام لهم، وتأمين المبيت لهم إذا اقتضت الضرورة ذلك. ومن اجل ذلك كان أقاربه ورجاله يعينونه على ذلك.
كما كان عليه الالتقاء بالحاكم الإداري او متصرف المدينة، ليعرض أمامه احتياجات أهل القرية، ويسعى لتلبية احتياجاتهم في نطاق قدرته وصلاحياته.

وفي الكثير من الحالات كان منصب المختار وراثيا للابن او الأخ او اقرب الأقربين وكانت السلطات التركية في بدايات القرن الماضي تكلّف المخاتير بإعداد قوائم عن الأشخاص الذين تشملهم الخدمة العسكرية الإجبارية وتسليمها للجهات المختصّة، حيث كان يحتفظ المختار بسجلات للسكان، ويعرف الأشخاص الذين بلغوا سن الخدمة العسكرية الإلزامية.
وكان المختار في العهد العثماني يتم اختياره من بين أكثر الأشخاص قبولاً واحتراما بين الناس، وله منزلة اجتماعية محترمة في نفوس أبناء العشيرة أو القرية، وهو أعرف الناس بشؤون المنطقة التي يعيش فيها.
كما أن المختار إلى جانب كونه وجها إجتماعيا معروفا، شكّل أهمية بالغة من الوجهة السياسية، فكانت مجموعة المخاتير تمثل الحكومة في المنطقة وممثلة للسلطة السياسية، فلكل عشيرة مختار يمثل أفرادها التي ينتمي إليها أمام الجهات الرسمية...
مهمة المختار اليوم، بالاضافة الى عمل المختار اليومي المتعارف عليه وهو مروحة شهاداته المتشعبة فان للمختار مهمات اخرى منها معاملات حصر الارث، عقد رهن او بيع، التصديق القانوني على الامضاء، شهادة باثبات حجز الأملاك، تسجيل قائمة جرد التركة، ومن مهام المختار المحافظة على سجل نفوس القرية او المحلة وتسجيل كل الوقائع الجديدة التي تبلغ اليه من دائرة النفوس والتصديق على وثيقة الزواج او الطلاق.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا