الدكتور محمد الحجيري... الفراق المحزن ونبوءة يوسف(7)

6:36:00 ص
الحزء السابع من مقالة الدكتور محمد الحجيري "كان أبي، بين الحنين وصادق القول"

قبيل نزوحها إلى حزام البؤس الذي يلفّ العاصمة بيروت، وتحديدا في بدايات العقد السابع من القرن الماضي، كانت عائلة يوسف تقيم في وسط البلدة في بيت ترابيّ مكونٍ من أربع غرف واسعة فضلا عن غرفة "مونة"، كما  كانت إحدى الغرف الأربع منفصلةً، وقد أضيفت إلى المنزل سنة 1959، وهي تتاخم غرفة "المونة" وتُفضي عبر بابٍ إلى زقاق للراجلين يسمّى "زقاق بكر" أو "زقاق السبعة أكواع"، وكانت هذه الغرفة واسعة وتُستخدم لتخزين الحطب والشيح والوقود عموماً، فضلا عن عدّة الفلاحة: الصند والنير والسكة والخوابير والمسّاس الخ. وكانت تستخدم أيضا لإيواء الأخضر (هكذا كانت عائلة يوسف تسمّي حمارَها الصبور الهادئ)، والخروفين الموسميّين اللذين اعتادت العائلة على شرائهما وإعلافهما جيدا عدة أشهر ليتحولا أولاً إلى كبشين ولاحقا إلى قوارمة تملأ أربع خوابٍ فخارية ضخمة، تكفي العائلة على مدار السنة، وتغنيها عن شراء اللحوم إلا إذا كانت الغاية من ذلك إعداد شواء، وهذا غالبا ما يحدث في الأعياد أو لدى استقبال الضيوف. كان يوسف قد أسس لنفسه تجارة متواضعة يعتاش منها، فمردود زراعة الغلال لا يمكن أن يفي بحاجات العائلة لسببين: أولاً لا يمتلك يوسف ما يكفي من أرض لزراعة الحبوب، فالأرض التي يمتلكها متواضعة ولا تكفي حتى لتأمين مؤونة العائلة من دقيق وبرغل وسوى ذلك، ثانيا، إن اجتياح سوق الغلال المحلية بالقمح التجاري الرخيص المستورد من أميركا وأسترالية وغيرهما قد شلّ حركة إنتاج الغلال المحلية، ذلك أن كلفة إنتاج هذه الغلال قد قارب مردودها بسبب تدنّي الأسعار فجنحت عملية الإنتاج تلك نحو التوقف النهائي ممثِّلةً بذلك ضربةً مميتة لهذا القطاع الأنتاجي المحلي ولمن يعتاش منه.
كانت تجارة يوسف تُختصر بمجرّد دكان تباع فيها حاجيات وأشياء الفلاحين والرعاة من أغذية محفوظة وزيوت ومواد تنظيف وألبسةٍ وعِدَد وتبغٍ وتنباك. ومُختصراَ أفضلُ ما يمكن أن نصف به تجارة يوسف هو أن نسميها "دكان لبيع كل السلع التي قد تخطر على بال المشتري العرسالي حينذاك".  وقد كان يوسف يحبّ القانون فسعى رغم الكلفة الباهظة إلى قوننة كل ما له علاقة بعمله.
لنعد بالزمن إلى ما قبل ذلك، إنّه العام 1949 في صبيحة يوم بارد ولكن مشمس من كانون الأصم يدخل يوسف بلَوعةٍ وحزنٍ واضحين إلى الغرفة الكبيرة من البيت ومعه صديق له، فيحمل جثمان طفله الذي كفنه ووضعه على السرير منذ قليل، ويخرج من البيت الذي علا فيه النحيب، وينطلق بهدوء باتجاه  مقبرة البلدة ليواري طفله محمود في الثرى بالقرب من جدته فاطمة وأخويه اللذين سبقاه، لقد أبكر محمود الفراق خلافا لأخويه السابقين فهو لم ينهِ الشهر السادس. غصّة الأهل عند فقدانهم أولادهم مؤلمة لا يعرف مدى ألمها إلا من خاض التجربة. لدى مرور الجنازة، وعلى مدى الطريق الممتدة من منزل يوسف حتى المقبرة، أقفلت المحال أبوابها لدقائق احتراما للموت، وتوافد الناس من كل الجهات للمؤاجرة في جنازة الطفل محمود. كان أهل الخير قد أعدّوا اللّحدَ فوُضع الجثمان قرب القبر وبدأ يوسفُ بالصلاة على طفله فتنادى الناس الذين كانوا ينتظرون حضور الشيخ إلى مشاركته الصلاة على الطفل محمود، وأنهى الأب المكلوم الصلاة على جثمان طفله وقال:"يا بني، أنا والدك والله هو خالقك ومبدعك، وليس لي أن أحتج على قضائه وقدره ولكنني أودّ أن أقول لك إنّي وأمّك نحبك كثيرا يا طفلي ويصعب علينا ويؤلمنا فراقك كما آلمنا فراق أخويك من قبلك، فحسبنا الله ونعم الوكيل". أنزلوا جثمان الطفل في اللّحد الصغير ووضعوا فوقه بلاطة لتفصل بينه وبين التراب الذي سيضعونه على القبر. نثر يوسف قبضة تراب فوق قبر ولده ودموعه تغلبه، ومن ثم عاد أدراجه إلى منزله حزينا مكسور القلب على أطفاله الذكور الذين كان محمود ثالثهما. واكب الأبَ المسكين بعضُ أقربائه وأصدقائه، حيث بدأوا يعدّون العدّة لاستقبال المعزين.


انتهى اليوم الثالث للعزاء وتغلب يوسف على عواطفه ففتح دكانه وأمضى يوم عملٍ في غاية الصعوبة فما كان ليغيب عن باله كيف كان طفله يمسك باصبعه ولا يتركها وكيف كان يتشبث بشعره عندما يقترب برأسه منه.. كان الطقس مثلجا عاصفا وباردا جدا فأغلق دكانه وعاد باكرا الى البيت، كان يشعر أن عليه أن يواسي قليلا زوجته وطفلتيه. كان الثلج يتساقط والعاصفة مستمرة عندما جلس يوسف وزوجته وابنتاه الصغيرتان قرب الموقد، وفجأة سأل الأب: هل تسمعن طرقا على باب الدار؟ فقالت الطفلة الكبرى: لعله الضبع، فاسكتتها أمها وقالت: لا أسمع طرقا ربما هذا صوت العاصفة. خرج الأب بعد أن وضع معطفه على كتفيه ليعود بعد ثوانٍ بصحبة صديقه "أبو علي" وزوجته أم علي. وبادر أبو علي سيدة البيت بالقول: أعذرونا يا جماعة، المصاب مشتركٌ، لقد كنا خارج البلدة وقد تأثرنا كثيرا لوفاة الملاك الصغير محمود  فصبرّكم الله وألهمكم السلوان. جلس أبو علي قرب الموقد متربعا وأخرج علبة التبغ وبدأ بلف سيجارة، في هذه الأثناء اصطحبت الأم الفتاتين إلى غرفة النوم وقالت للكبرى ألم أقل لك إنه لا وجود للضبع هيا ناما. ثمّ عادت لتجلس مع صديقتها أم علي، التي بادرتها بالقول الناس لا تؤمن، إنّها التابعة لا أحد سواها فنظر إليها زوجها بملامة وقال كفانا خرافات هذا كلام بعيد عن العقل، لا وجود للغيلان ولا للتابعة. وأخرج من كيس قماشي كان يتأبطه كتابا وناوله ليوسف وقال له هذه هدية اشتريتها لك من دمشق. فتصفح يوسف الكتاب وقال كتاب الأبشيهي "المستطرف في كل فن مستظرف" كتاب رائع كان لدي نسخة منه استعارها احدهم مني ولم يرجعها اشكرك أخ ابو علي، ما هي أخبار الدنيا فنحن هنا مبعدون ومنقطعون عن أخبار العالم.

فقال ابو علي لقد انتهت الحرب الكونية منذ أربع سنوات ولكن بذور الحروب المستقبلية قد بُذرت فور انتهاء الحرب المشؤومة وربّما قبل ذلك، ويبدو أن الحرب بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين والاتحاد السوفييتي والشعب الكوري من جهة ثانية على وشك النشوب في كوريا. ويبدو أن هذه الحرب ستكون مدمرة وتهدد الوجود البشري لأنها ستكون حرب نووية تستعمل فيها أسلحة دمار شامل كتلك التي استعملت تعسفا وانتقاماً وبلا لزومٍ ضد مدنيي الشعب الياباني على الرغم من هزيمة الطغمة العسكرية اليابانية آنذاك. فقتلت مئات الألوف ولا زالت تقتل. فقال يوسف وهل ستُعَبّأ أعدادٌ كبيرة من الجنود؟ فقال أبو علي بالطبع، عشرات الملايين وربما أكثر ممّا عُبّئ في الحربين الكونيتين مأخوذتين معاً. صفن يوسف وذهب بخياله بعيدا.

تداول الرجلان والسيدتان الأحاديث المختلفة  حتى ساعة متأخرة من الليل قبل أن يغادر أبو علي وزوجته إلى منزلهما.

وفي صبيحة اليوم الثاني كانت النبوءة، حيث عمد يوسف إلى نصح الغنّامة  والرعاة بألا يبيعوا مواسمهم من الصوف لأنّ الأسعار سستتضاعف، وانتشر الخبر كالنار في الهشيم. والذي حدث، للعجب العجاب، هو أنّ من استسخف الكلام وباع صوفه ندم، ومن التزم بالنصيحة أفلح وربح، ذلك أنّ نشوب الحرب الكورية ترافق مع أزمة عُرفت ب‍ "أزمة الصوف" ازداد خلالها الطلب على الصوف ممّا أدّى إلى ارتفاع جنوني في اسعاره.


(*) باحث في الجامعة اللبنانية، كلية الهندسة الفرع الاول له عدة مؤلفات منشورة وغير منشورة.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا