الدكتور محمد الحجيري: النزوح إلى حزام البؤس، وقصّة الطبشورة (2)

9:10:00 ص



الحلقة الثانية من مقالة الدكتور محمد الحجيري بعنوان "كان أبي ، بين الحنين وصادق القول"



لم تكن قسوة الحياة على والدي يوسف ربّ الأسرة بأقلّ مما كانت على يوسف الطفل اليتيم. فالضائقة المادية، والفقر، وانغلاق أبواب الرزق، وانعدام إمكانية الحصول على لقمة العيش وحبة الدواء، لم توفّر أحدا من سكان البلدة المنسيّة، ولا حتّى أولئك الذين يحملون القاب الزعامة والآغوية و"والقداسة" وغيرها، فطلبا للرزق، رُصدت في بداية سبعينيات القرن الماضي حركةُ نزوح ضخمة غير مسبوقة من بلدة عرسال باتجاهين مختلفين، أمّا الوجهة الأولى منهما فهي حزام البؤس الذي لفّ العاصمة بيروت، أمّا الوجهة الثانية فهي منطقة مشاريع القاع، وهي منطقة مشاع حدودي مختلف عليها خصبة وغنية بالمياه. وقد قام النازحون إلى هذه المنطقة بعمل تعجز عنه الجبابرة فحولوا الأرض القاحلة إلى بساتين ومزارع تشتهيها الأبصار وتنبض بالحياة والثمار والإنتاج. أما نحن فنزحنا ووالدي إلى بيروت سنة 1963 وكانت المرة الأولي التي استقل فيها الحافلة (بوسطة الضيعة) ككائن صغير بدأ يدرك شيئا فشيئا ماذا يجري من حوله، وكانت الحافلة تنطلق قبل الفجر في العتمة. وأذكر جيدا أنني كنت مبهورا ومأخوذا بأضواء القرى المبعثرة في وادي البقاع حيث راقبتها، عبر شباك الحافلة، بغرابة وتعجب وكأنني في حلم لم يوقظني منه سوى بكاء أخي الصغير في حضن والدتي؛ كان بكاؤه يزعجني جداً؛ ولطالما تساءلت في قرارة نفسي، ما هي حاجتنا إلى هذا الطفل المزعج الذي أرسله إلينا والدي في كيس من الزيتون. كان أبي قد قطفه بمعية أخواتي من شجيرات اشترى محصولها قبل القطاف من أحد الملاكين بالقرب من صيدا، وذلك وفق ما أخبرتني به جدتي منذ بضعة أسابيع، عندما استيقظت في منتصف الليل مذعورا من صراخ غريب، تبيّن لي بعد ما افهمتني جدتي، أنه طفل كيس الزيتون الذي سيصبح أخي، وكنت أحيانا أتألم لبكائه وأطلب من أمي أن تغسله من جديد. كنت أظنّ ببساطة أنّهم ربما لم يغسلوه جيدا من طعم الزيتون المرّ وهو لا يزال يشعر بالمرارة التي تجعله يبكي. وأمعنت التفكّر بطاولتي المدرسية الصغيرة التي تركها والداي في البيت مع ما تركوه من امتعة اعتبروها غير ضرورية. لقد كان رفاقي أقوياء يحملون طاولتي وحقيبة كتبي يوميا من البيت إلى المدرسة وبالعكس وبالمقابل كنت أُجْلِسهم قربي على الطاولة. وفي المدينة قد لا أجد من يتولّى مسألة حمل الطاولة، فلا بأس بتركها فوالدي قد أكّد لي أنّني لن أحتاجها ..وتساءلت وأنا اضع يدي على إذني، تُرى هل في بيروت يعاقبون التلامذة بشدّ الأذنين أم بضربهم بالقضيب. وتذكرت كيف عاقبني الأستاذ أبو ظافر دون أن أتذكر السبب، وكيف جرح أذني وآلمني وأبكاني وكيف حاول استرضائي بقطعة نقدية (فرنك من الألمينيوم) وكيف حملت والدتي ابنها المدلل وذهبت به إلى المدرسة حيث رآها المدرس أبو ظافر (الذي ولّى الأدبار لا أدري خجلا أم وجلا) وكيف اشتكت للمدير على فعلة الأستاذ "أبو ظافر" الشنيعة باقتلاعه أذن طفل، فأسرع المدير إلى تضميد جرحي وأعطاني الكثير من (البسكوت)، وذلك بعد أـن نجح بصعوبة بتهدئة خواطر والدتي التي كانت ترى الدنيا بأكملها من خلال طفلها الذي لم تصدق إنه عاش بعد أن مات كل إخوته الذكور الذين ولدوا قبله . وأخبرتني والدتي لاحقا أنني خلافا لأهل البلدة، بما في ذلك لأفراد عائلتي كنت أتكلم بصورة مدهشة لغة سمّتها والدتي "شامية" بينما أصرّ والدي على تسميتها "الفصحى" وهذا ما أثار استغراب مدير المدرسة الذي سأل والدتي هل كنتم لفترة طويلة في دير عطية؟! واستطرادا، في العام 1991 طلبت مني إدارة كلية الآداب أن أتبرع بتدريس مادة المنطق في قسم الفلسفة لعدم توفر مدرّس للمادة. فوافقت، وكنت ملزما أن أدرّس المادّة بالعربية ووقعت في مأزق المصطلحات التي عرفتها كلّها بعد جهد معيّن باستثناء جمع كلمة "منطق"، ولم أترك أحدا من "جهابذة" اللغة الذين أحاطوا بي إلا وسألته ولكن دون فائدة فقررت أنه لا مفر من أن أستعين بالشيخ عبد الله العلايلي رحمه الله عبر الدكتور بلال. وفجأة وجدت نفسي في واجب عزاء أحد أقربائي في قريتي وصدف جلوسي عند أهل الفقيد قرب أستاذي القديم "أبو ظافر" . فطرحت عليه السؤال همساً فكان ردّه فوريّا مقنعا يؤكّد تضلّعه من اللغة العربية . ومن ثمّ دعاني الرجل لاحتساء القهوة عنده فوافقت، وذكرته ممازحا بما فعله بأذني فاكمدّ وقال يا دكتور أنت لا تذكر فدعني أروي لك ماحدث: كنت أشرح لكم الدرس فناداني الناظر لأمر ما فخرجت تاركاً "الطبشورة" على الطاولة وعند رجوعي لم أجدها، فسألت : يا شاطرين من منكم يعرف أين "الطبشورة" فلم أسمع ردّا وكررت السؤال مرّتين إلى أن رفعت أنت يدك، فسألتك هل تعرف يا شاطر فأجبتني: ولكن هل هي بحجم الأصبع؟ فقلت لك نعم! فسألتني، وهل هي بيضاء اللون؟ فجاوبنك بنعم! فسألتني، وهل كانت هي على الطاولة قـجاوبتك بنعم! فقلت لي: لا أعرف!... فلم أتمالك نفسي، فضحكت وقلت أستاذي الكريم هل تمزح؟ فأقسم الرجل بأنه يقول الحقيقة واقسم أيضا بأنني تسببت له "ببهدلة" كبيرة... ولكنني لم أقتنع حتّى الساعة بأن طفلاً في السادسة من العمر قادر على هكذا أفعال علما أنني لا أذكر موضوع الطبشورة بتاتاً. 
يتبع


(*) باحث في الجامعة اللبنانية، كلية الهندسة الفرع الاول له عدة مؤلفات منشورة وغير منشورة.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا