كنعان مكية: عن القسوة.. جذور تجربة مؤسسة الذاكرة العراقية (1991–2003) 3 - 6

7:00:00 ص


في العراق، انطلقت فكرة مؤسسة الذاكرة من نفس أرضية هذا الفيلم الوثائقي الذي عملته في ١٩٩١، أي انطلقت من ضرورة وأهمية وأولوية وصف القسوة والمظلومية في سبيل مستقبلٍ أفضل للعراق، بالاضافة الى محاربة أي محاولة لانكار أو نسيان هذا النوع من القسوة. أيقنتُ ان مستقبل الوطن قد أصبح مرتبطاً بكيفية تعاملنا مع أنماط القسوة التي مرّ بها، وقابليتنا كمجتمع الإقرار بمسؤوليتنا تجاهها.

الهدف الأول، كما أشرتُ، عليه ان يكون الوصف على كافة المستويات وبأدق التفاصيل ولكل العراقيين بدون إستثناء (لا تقديم مظلومية فئة على حساب فئة أخرى). ولكن هناك هدفا ثانيا مرتبطا به وبنفس القدر من الأهمية:  لابد أن يأتي الوصف على الصعيد الفردي للانسان وبإعتبار الضحايا أفرادا لا وحدات قطيع أو ممثلين لقطيع. إنسانية الضحايا موجودة فقط في فرديتهم وخصوصيتهم لا في تحويلهم الى رموز ذات أبعاد سياسية. مصلحة الفرد أو الضحية تأتي قبل المصلحة العامة، أو بالأحرى المصلحة العامة تنطلق من مصلحة الفرد، لا العكس. هذا يعني ان تيمور بشخصه يأتي قبل كونه كرديا، وتيمور كطفل يأتي بالصدارة دائماً وقبل أي إعتبارٍ آخر. من هنا تبدأ العملية البطيئة، بالغة التعقيد والمليئة بالالغام، والتي قد يعطيها البعض اسم المصالحة الوطنية.

الانسان بفرديته، تيمور كطفل وليس تيمور كرمز، انسان كهذا عليه أن يتحول في عراقنا الجديد الى ملك الكون، لا ممثل للقطيع. في العراق نحتاج لأن نتعلم ثقافة تقديسه. هذا هو المعنى العميق لـ"حقوق الانسان"، الذي على أساسه فقط تُبنى القيم المتحضرة والمدنية في المجتمعات. كل تيمور يتكون منه العراق ــ وهم يُحسبون بالملايين ــ هو البداية وهو النهاية،  نسجد أمامه ونعتذر منه ونفتح كل أبواب الحرية أمامه مشترطين عليه شرطاً واحداً فقط: أن لا يقسو على إنسان آخر، حتى الذين قسوا عليه، مهما كان حجم الأذية. العقاب ليس من حق الضحية في المجتمعات المتحضرة؛ انه حق محصور بمؤسسات المجتمع الذي يعيش فيه.
هكذا كان تفكيرنا نحن الثلاثة الذين أسسنا وعملنا في مؤسسة الذاكرة العراقية سنة ٢٠٠٣، ومن ثم فشلنا. ولكنني أستبق الاحداث.
لنتمهل قليلاً أمام هذه الكلمة التي قد كثر ذكرها: القسوة.
عندما أتكلم في هذا النص عن القسوة (او في كتاب "القسوة والصمت" أو في عمل مؤسسة الذاكرة) فانني أقصد التالي:
إلحاق الأذى الجسدي على أفراد هم دائماً في موقع ضعف تجاه الجهة المؤذية (الأذى أنواع، ولكن الذي أركز عليه هنا هو الأذى الجسدي والذي كلنا نخافه، والمقترن على سبيل المثال بكلمة التعذيب، أو السجن، أو الاغتصاب، الخ. هناك أنواع أخرى مهمة جداً من الأذى، مثل الأذى السيكولوجي المدمر للنفوس، ولكنني لست بصدده الآن). لا توجد قسوة من هذا النوع الجسدي بدون شكلٍ أو آخر من الخضوع أوالعجز أوعدم التوازن بين طرفين.
لذلك القتال في ساحة المعركة والدفاع عن النفس لا يعتبران قسوة؛ هناك عنف ولكن ليس هناك قسوة. انا لست ضد العنف بشكل مطلق ــ هذا أمر مستحيل (الدفاع عن النفس مثلاً)  فقط أطالب برفض القسوة وبشكل مطلق وبدون إستثناء. كانت الحرب العالمية الثانية ضد الفاشية الألمانية حرباً عادلة، على سبيل المثال، بينما الحرب الأميركية ضد شعب فيتنام كانت حربا غير عادلة، ولذلك عنفها مرفوض. لو  تصورت الاعتداء على جسد فرد مقيد جالس على الكرسي، وأمامه جلاد حامل أداة مصممة للغرض، أو لو تصورت رمياً بالرشاشات على اطفال ونساء أُلقوا في حفرة في الصحراء ستطمر بالشفلات (وهذا الذي حدث لتيمور وامه واخته)، ولا حول ولا قوة لهؤلاء أمام جبروت الدولة ومؤسساتها: هذه هي القسوة بعينها.
أول ملاحظة ناتجة عن هذا التعريف للقسوة انها لا بد وان تكون ظاهرة مقتصرة تماماً على الجنس البشري فقط. الحيوانات تعرف العنف والألم، لكنها لا تعرف القسوة، وفكرة أن يقسو الانسان على الله، أو العكس، لا معنى لها. القسوة ممارسة انسانية بحتة إذن، تحدث بيننا فقط وخارج إطار الدين حتى وان جاءت ممارستها باسم الدين، ولكنها بالضرورة خارج علاقة المؤمن بالله.
يمكن القول ان ممارسة مبرمجة ومستمرة لهكذا نوع من القسوة كما حدث في العراق لكل أطياف المجتمع بشتى الاشكال على مرور العقود، فيها خصوصية أو طبيعة غير عقلانية، أو هكذا يبدو لي. ولكن الأسوأ من هذا أن لهذا النوع من القسوة  القابلية على التأصل في الانسان مع الزمن، الى الحد الذي يصعب إقتلاعها، ومن هذا الباب تأتي كل الفظائع الأخرى التي يفعلها البشر بعضهم بالبعض الآخر ليدخلوا دوامة الظالم والمظلوم، وهذه دوامة قد دخلناها في العراق وادت الى تفاقم وتطبيع القسوة في حياة العراقيين مع الزمن، واستمرت بعد ٢٠٠٣ الى الحد الذي انتجت فشل النخبة السياسية التي مارستها بدون انقطاع (وهذا هو معنى كتاب "الفتنة" والسبب الذي قضيت سنوات في كتابته).
تسليط الضوء على القسوة (كما حصل للأنفال في خريف ١٩٩١)  يأتي عن قصد وإرادة كما كتبتُ في مطلع هذه المداخلة (الجزء الاول)، إنطلاقاً من الفكرة القائلة أن هكذا وصف هو بمثابة إعتراف بوجوده، وهذه بداية عملية تحمّل المسؤولية وبناء الجسور لتضميد الجروح وتلحيم الشرخ الذي حصل في نسيج المجتمع الواحد. علينا دائماً ان لا ننسى قابليتنا كبشر وكعراقيين على القسوة، مما يفرض علينا التواضع، وخصوصاً في الحياة العامة والعمل السياسي. فقط على أرضية التواضع هذه، قد ننجح في بناء عراق جديد (إذا لم يكن الأوان قد فات).
***
المهم في هذه الطرح، أن فكرة العقاب معدومة فيه، ليحل محله الاعتراف بوقوع الأذى واقصد الاعتراف على الصعيد الإجتماعي لا الشخصي، وفي اكثر الأحيان ــ ولا أقول على الدوام ــ هذا يكفي (كما تدل تجربة جنوب أفريقيا في مطلع التسعينات).
إشكالية السياسة الحكيمة في عراق ما بعد ٢٠٠٣ إذن كانت كيفية الوصول الى الاعتراف بالقسوة كبديل للعقاب. من الصعب معاقبة كل شخص قسى فعلاً على أخيه المواطن، أو أمر بذلك، حيث أساس النظام كما قلتُ كان توريط الكل. ولقد اشبعت هذا تحليلاً في "جمهورية الخوف". في حال ان الكل متورطون، من تُعاقب؟ أصلاً ما معنى العقاب في حالة شاذة كهذه؟ إذا عاقبت الكل ينشقّ المجتمع على نفسه. أصلاً لا تستطيع تطبيق مبدأ العقاب. من يحاسب من؟ الكل متورطون.
ولكن، من ناحية أخرى، ينطرح السؤال: كيف لا تعاقب أحدا أمام هذه المستويات العالية من المظلومية؟ المظلومون لهم كامل الحق في المطالبة بالمعاقبة. سينشق المجتمع على نفسه إذا لم تعاقب كل من هو حقاً مسؤول، وسينشق إن عاقبت الكل (وانت أصلاً لا تستطيع فعل ذلك). ما العمل إذن؟
العفو العام هو الحل الوحيد في وضع كهذا، ولكن لا على أساس نسيان الجريمة. العفو والاعتراف بالجريمة في آنٍ واحد هو الحل الوحيد، ولكنه طريق ملتو ملئ بالالغام. رغم هذا يظل السبيل الوحيد الى الخلاص في مجتمع معاق مثل عراق ما بعد صدام.
في ميثاق ١٩٩١، سمى الموقعون منظومة سياسية جديدة كهذه للعراق مبنية على مبدأ المغفرة وعدم النسيان في آنٍ واحد،"جمهورية التسامح"، والذي يريد متابعة تفاصيل الفكرة وبعض القوانين النموذجية لمثل هذه الجمهورية المثالية، عليه قراءة ودراسة نصوص ذلك الميثاق.
رغم هذه الفكرة الطوبائية، ليست هناك أجوبة سهلة للسؤال الذي علينا الاجابة عليه: ما العمل؟ السؤال وارد ويجب طرحه، وعلينا أن نستمر في محاولة الاجابة عليه مهما كانت صعوبته لأن في تساؤل كهذا على الأقل نتعرف على أنفسنا ونتعلم التواضع، نتعلم صعوبة ان لم أقل إستحالة الحكم على الآخر، حيث انه بكل سهولة وبلمحة البصر إذا تغيّرت الظروف قد نجد أنفسنا في مكانه. هذه طبيعة الحياة في أنظمة شمولية كعراق ما بعد ١٩٦٨.
 يتبع

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا