الأربعاء، 22 يونيو 2016

كنعان مكية: عن القسوة.. جذور تجربة مؤسسة الذاكرة العراقية (1991–2003) 2 - 6

SHARE



نحتاج الى وقفة عند موضوع الوثائق الذي قد أسيء فهمه من قبل بعض العراقيين الى حدّ إتّهامي بالسرقة والخيانة. ذكرتُ "أطناناً" من الوثائق التي أصبحت بحوزة الميليشات الكردية بعد معارك دامية في ربيع ١٩٩١. أخرجت الأحزاب الكردية هذه الوثائق بشكلها الورقي الأصلي بعد خروجي من العراق ولم يكن لي دور في هذا، ولكن بعد مسحها من قبل الاميركان استلمت نسخة الكترونية كاملة من مساعد السيناتور كليبورن بيل، بيتر كالبريث Peter  Galbraith، لأرشفتها. باعتباري ملتحقاً في جامعة هارفارد حينذاك، وبدعم إستثنائي من أستاذ التاريخ الكبير، روي متحدة، أسست في جامعة هارفارد، قسم الدراسات الشرق أوسطية   Center for ME Studies، مشروع التوثيق والدراسات العراقية،  Iraq Research & Documentation Project.

هناك التقيتُ بالزميل حسن منيمنة حيث عملنا سوياً على المشروع وبدعم من المعهد العراقي في واشنطن، وبالأخص جهود السيدة رند الرحيم في فترته الانتقالية لحين نقله الى بغداد ليصبح نواة مؤسسة الذاكرة العراقية. عملنا انا والزميل حسن على الوثائق في جامعة هارفارد لفترة تقارب العشر سنوات حتى إندلاع حرب ٢٠٠٣.

وللتاريخ أعتبر المؤسس الأهم في مشروع الوثائق العراقية التابع لمؤسسة الذاكرة هو زميلي حسن منيمنة، اللبناني الجنسية، الذي سيأتي يوم يشكره فيه كل عراقي على خدمته العلمية والبحثية والاخلاقية في سبيل عراقٍ أفضل وأرحم من عراق صدام حسين (قد يطول للأسف مجيء هذا اليوم للاسباب التي أصبحت معروفة للكل، ولكنه لابد ان يأتي.)..

بعد سقوط النظام في ٢٠٠٣، وبناءً على آمال أثبت التاريخ أنها خائبة، أغلقنا انا والزميل حسن المشروع في هارفارد وفتحنا مشروع مؤسسة الذاكرة العراقية المسجلة في بغداد وكان لها فرع في الولايات المتحدة. يصح إذن ان نقول أن النواة الأولى لمؤسسة الذاكرة العراقية زرعت في جامعة هارفارد في عقد التسعينيات، وكان الاهتمام الرئيس حينها منصب على دراسة تلك الوثائق.

خلال صيفية ٢٠٠٣  أعيد زرعها في بغداد بمساعدة مصطفى الكاظمي الذي انضم الينا وكرّس ما لا يقل عن عشر سنوات إضافية، دفاعاً عن أهدافها ومشاريعها في ظروف إستثنائية وحروب اهلية لم نكن نحن المؤسسين والناشطين الثلاثة نتوقعها أيام التأسيس.

سؤال يطرح نفسه: لماذا الاهتمام بهذا النوع من الوثائق؟
كتاب "جمهورية الخوف" كُتِبَ على أساس ما أراد حزب البعث نشره وما فعله بالمكشوف على الصعيد العام، وعلى أساس ما أراد صدام حسين قوله في خطبه وكتبه. استناداً على هذه المقولات والمنشورات الرسمية، بالاضافة الى الاعمال والاشاعات التي وصلتني من العراق، كتبتُ بإسم مستعار كتاب"جمهورية الخوف" (يتناسى من ينتقدون تجربتي، عن قصد أو غباء، انه في وقت كتابتي لهذا الكتاب كان دونالد رامسفلد يزور بغداد ويصافح صدام حسين ويدخل في مباحثات مع طارق عزيز الذي قد اشرف على إفتتاح السفارة العراقية الجديدة في واشنطن برئاسة نزار حمدون، وكانت الولايات المتحدة داعمة للعراق سراً وعلناً في حربه ضد ايران وكانت الكتب المنشورة في الولايات المتحدة تدعم النظام البعثي وعلى رأسها كتاب كريستسن موس هلمز الشهير، "العراق: الجبهة الشرقية من العالم العربي Iraq: Eastern Flank of the Arab World، الذي قامت بكتابته بعد عدة زيارات رسمية بدعوة من النظام، والصادر من مؤسسة بروكنغز الشهيرة. كما ويتناسون ان نحو ثلاثين دار نشر في بريطانيا والولايات المتحدة رفضت نشر "جمهورية الخوف"، الى ان تبنته جامعة كاليفورنيا، وقد أخذ الكتاب، الذي انتهيت من كتابته في ١٩٨٦ ، ثلاث سنوات الى أن نُشر، وفي سنته الاولى، أي قبل دخول صدام حسين الكويت، لم يُبع منه غير بضع مئات من النسخ).

على عكس المصادر المعلنة التي استندتُ عليها في "جمهورية الخوف"، كانت وثائق حزب البعث ومؤسساته القمعية، مثل تلك التي أستولت عليها الميليشات الكردية في سنة ١٩٩١، تمثل ما لم تُرد السلطة أن يعرفه أحد. هنا تكمن أهميتها.

أتذكر أيامها بعد رجوعي من العراق كيف كنت أحلم بدراسة وثائق من هذا النوع. أتمشى في الشوارع وأتخيّل كيف سأعيد كتابة "جمهورية الخوف" على اساس هذا الكنز الجديد من المعلومات. تحوّلت الوثائق في مخيلتي الى كهف علاء الدين، أتوقع من كنوزه مفاتيح كل أسرار حزب البعث خلال الثمانينيات (هذه المجموعة الأولى من المجاميع الخمسة التي استطاعت مؤسسة الذاكرة الحصول عليها والتي كانت تخص عقد الثمانينيات فقط).

تخيل نفسك أيها القارئ: أنت جراح، تحاول تشخيص مريض ملقى على السرير أمامك واسمه العراق. قبل دخول كهف علاء الدين لم يكن لديك أدوات تشخيص وإعتمدتَ بالكامل على الأعراض الخارجية الواضحة للعيان. ولكن الآن أدوات التشخيص المتطورة أصبحت بين يديك، واتاحت لك فتح البدن، والقلب، والرأس، بحثاً عن مصادر وأصول السموم التي تسري في عروق المريض الملقى أمامك. الآن تشخّص وأنت حقاً جراح قد غمس يديه في الأحشاء الداخلية للمريض، تشخّص وأنت تعرف ان دمك والدم الذي لطّخ يديك هو من نفس المنبع. شعرتُ بانني قد أصبحتُ متورطاً في الموضوع بالكامل، كما كل عراقي متورط بجرائم صدام حسين، لا لشيء الّا لكونه عراقيا. هكذا تحوّل حب الاستطلاع الى الشغف والهوس بجمع ودراسة المزيد من الوثائق.

***
ذكرت كيف تم إستقبال الفيلم الوثائقي "العودة الى الجحيم" من قبل الاكراد عندما عرض مراراً في شمالي العراق خلال عقد التسعينيات، وقلتُ انه في مثل هذا الترحيب عبرة سياسية مهمة جداً. ما العبرة؟
جاء الفيلم بمثابة إعتراف بالجريمة ــ بالاضافة الى كونه أول تدوين لهاــ إعتراف بالظلم والقساوة الجسيمة المفرطة التي لحقت بأفراد من عوائل بريئة غير مسلحة من أكراد شمالي العراق على أيدي سلطات عراقية خلال عقد الثمانينيات.
وصف القسوة دائماً يمثل بداية نوع من الاعتراف بها، كون القسوة أخيراً قد وُصِفت، أي قد ثُبِتت الجريمة على أرض الحقائق العامة المتاحة للجميع. الحدث قد تحوّل الى واقع وليس خيالا أو إشاعة أو كابوس او ثرثرة. وقد يكون إنجاز كهذا هو الأهم والأكثر فائدة من أي شيء آخر بالنسبة لضحايا تلك الجريمة وبالنسبة، فيما بعد، لكتابة تاريخ ذلك الحدث.
ولكن بعد الحدث، ونتيجة عملية الوصف، لابد ان تُطرح إشكالية المسؤولية تجاهه. هذه إشكالية في غاية التعقيد من الناحية الفكرية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية. تَحمّل المسؤولية كما تعلمنا من تاريخ القرن العشرين هو مفتاح تضميد الجرح المفتوح الذي لا يزال يريق دماً قد يطول عقوداً أو قروناً من الزمن بعد الأحداث. هل نسي الشعب الأرمني المجازر التركية في مطلع القرن العشرين؟ كلا. وهل سينسى اليهود المحارق الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية؟ كلا. وأخيراً وليس آخراً، هل سينسى الشعب الفلسطيني تشريده من أرض فلسطين في ١٩٤٨؟ مستحيل. لا مفرّ إذن من مواجهة إشكالية المسؤولية مهما كان حلها معقدا.

في الجزء الثالث من كتاب "الفتنة" يتحدث صدام طويلاً عن اسلوب حكمه الذي يرتكز على توريط المواطن العادي بجرائم نظامه، ويأتي هذا التوريط بشتى الطرق والاساليب. لاحظ أيضاً قصة "عمر" التي تُسرد في الفصل الثالث في كتاب "القسوة والصمت": المُخبِر كردي، الضحية سني، والجلاد شيعي. والقصة حقيقية.

كما قلت، كلنا متورطون في قساوة النظام.
التوريط يفرض طرح إشكالية المسؤولية في عراق ما بعد صدام حسين، والمهزلة التي سُميت محاكمته وإعدامه في ٢٠٠٦ لا تفي بالحاجة حيث ان الاعدام بالاخص جاء محكوماً باعتبارات طائفية محورها ان الشيعة والاكراد فقط هم ضحايا صدام، وهذه كذبة كبيرة ومدمرة في نفس الوقت لنسيج المجتمع العراقي. الكل، كما قلت، كانوا متورطين في الطغيان الذي ساد البلد ٣٥ عاماً. حتى الأكراد متورطون بالأنفال، عن طريق الدور الذي لعبه بعضهم في ما سمي بـ"الجحوش" أيام الانفال، والجحوش هي الميليشات الكردية المسلحة التي استعملها النظام خلال عمليات الانفال غير البطولية.
لذلك أقول، رغم تحولاته ومنعطافاته وملابساته، هناك خيط رفيع مؤدٍ الى شيء ممكن تسميته المسؤولية الجماعية لكل ما حدث في العراق بين وصول البعث الى الحكم وإسقاطهم في ٢٠٠٣، ولا يستطيع إنسان صادق مع نفسه نكرانها.
الحقيقة المرّة التي تتحكم بمستقبل المجتمعات، هي أننا دائماً مسؤولون عما تقوم به حكوماتنا مهما كانت ديمقراطية أو مستبدة.
المهم في الطريقة التي أُستقبِلتُ بها في كردستان العراق بعد ظهور الفيلم انه جاء بمثابة "إعتراف" (ان صح التعبير) من "الداخل"، وبهذا تحوّل الى "برهان" لا يقبل الجدل لما حلّ بهم. هنا تكمن العبرة الكبرى التي هي أيضاً في صميمها سبب وجود كل مؤسسة ذاكرة أينما وجدت في العالم (وهناك تجارب كثيرة بعد الحرب العالمية الثانية، أهمها من حيث خصوصيات الوضع العراقي كانت تجربة جنوب أفريقيا في مطلع التسعينيات، والتي تطابقت زمنياً مع صدور كتاب "القسوة والصمت").
 يتبع


SHARE

Author: verified_user

0 facebook: