الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

  إيرمغالد أملهاينز


كاتبة ومترجمة، المكسيك، حائزة على دكتوراه من جامعة تورنتو عن «جان لوك غودار والقضية الفلسطينية». 

في «بيان من أجل فن ثوري مستقلّ» (١٩٣٨) الذي وقّعه كلّ من أندريه بريتون ودييغو ريڤيرا وليون تروتسكي، يدين الموقّعون الخطر الذي يتهدّد الحضارة من قبل الفاشية مجسّدة بألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي. في استباق لاندلاع الحرب العالمية الثانية، يصفون ظروف الإنتاج الفكري على أنها منحطّة، ويدينون تبعية فنانين في ظلّ النظامين وتنكّرهم بالتالي لمبادئ الفن وقيَمه. ويرى موقّعو البيان أنّ كلا النظامين يشتغل وفق أشكال اجتماعية معادية للفرد. من هنا الحاجة إلى تحرير الإنسان والفنّ من فخّ العلوم والفنون البرجوازي الذي نصبه هذان النظامان. في معارضتهم للستالينية، يتعاهد بريتون وريڤيرا وتروتسكي على العمل من أجل تحرير الفن ومن أجل قيام فنّ يعمل لصالح الثورة الاشتراكية الحقّة. كتبوا يقولون:

«الفن الحق، الذي لا يكتفي بأن يقدّم منوّعات من نماذج جاهزة، وإنّما يصرّ بدلاً من ذلك على التعبير عن الحاجات الجوّانية للإنسان وللإنسانية في عصره ــ إن الفنّ الحقّ هذا لا يستطيع إلّا أن يكون ثورياً وإلّا أن يعمل من أجل إعادة التكوين الشاملة والجذرية للمجتمع. وهذا هو واجبه، على الأقلّ من أجل تخليص الإنتاج الفكري من القيود التي تكبّله، وتمكين الإنسانية من أن ترقى إلى تلك الذُّرى التي بلغها عباقرة معزولون في الماضي. إنّنا ندرك أنّ وحدها الثورة الاشتراكية هي القادرة على تمهيد الطريق من أجل ثقافة جديدة»1.

النزعة الأهليّة في الفن

رأى موقّعو البيان الثلاثة إلى أنّ الفنّ الحقّ هو بالضرورة ثوريّ لأنّه يمكّن الإنسان والفن معاً من الانعتاق من القيود التي فرضتها الرأسمالية والاشتراكية البيرقراطية على المجتمع. فالفن الحق، في رأيهم، قادر على إعلان قدوم مجتمع المستقبل وإعادة بنائه. وقد انحازوا إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة والاشتراكية معاً كأداتين من أجل تحقيق انعتاق الإنسانيّة، فيما أدانوا إساءة استخدام هذه وتلك في الاتحاد السوفياتي (عن طريق النسخة «البيرقراطية» أو الستالينية من الاشتراكية والمجتمع المنحطّ الذي أنشأته) .

سوف يكون هذا الحد المزدوج للتكنولوجيا الحديثة ــ بما هو أداة إخضاع وتحرير معاً ــ موضوعاً مركزيّاً في جداريّات دييغو ريڤيرا ابتداءً من عشرينيات القرن الماضي. فقد نشأت تلك الجداريّات في إطار النقاشات حول نمط الحداثوية المميّز لما يجب أن تكونه المكسيك بعد الثورة. فقد ضمّن ريڤيرا جدارياته روايته الخاصة عن النزعة الأهلية indigenismo، وهي التيار الفكري والثقافي والسياسي والأنثروبولوجي الذي يركّز على إحياء الثقافات الأهلية ودمجها في الدولة الوطنيّة. تحقيقاً لانضواء السكان الأصليين في ظلّ سلطة الدولة الوطنيّة، جرى تمجيد الثقافة الأهلية بما هي جزء من تاريخ الوطن من خلال برامج رسمية متنوّعة في مجالات التربية والثقافة والمؤسسات والسياسات. وكما سوف نرى لاحقاً، سوف يقدّم ريڤيرا، بناءً على المُثُل الاشتراكية وعلى نقد الرأسمالية، رؤية للنزعة الأهلية بديلة عن تلك التي تعرضها الدولة بمثل ما هي بديلة عن الاشتراكية السوفياتية. ومع أن هذه السرديّة البصرية، كانت تتعاطى مع تناقضات عدة، فقد حوّلت نتاج ريڤيرا الفنّي نتاجاً ثورياً يقارب ما اعتبره هو وبريتون وتروتسكي «الفنّ الحقّ» في بيانهم.

وُلد دييغو ريڤيرا في ٨ كانون الأول/ ديسمبر ١٨٧٦ في غواناغاتو، ونمّ منذ عمر مبكّر عن مؤهلات استثنائية في الرسم والتصوير. وعندما انتقلت أسرته إلى العاصمة وهو في العاشرة، انتسب دييغو إلى أكاديمية سان كارلوس للفنون، ودرس على يدّ رسامين بارزين أمثال سانتياغو ريبول وأندرياس ريوس وجوسي ماريا ڤيلاسكو وجوسي سالومي پينا. وفي تلك السنوات تعرّف أيضاً إلى الحفّار جوسي غواديلوبي پوسادا الذي سوف يكون له تأثير كبير على أعماله. وبعد ست سنوات من الدرس في أكاديمية سان كارلوس، تمرّد ريڤيرا على الواقعية شبه الفوتغرافية التي تطبع أسلوب أكاديميات الفنون وبدأ العمل على نحو مستقلّ.

في العام ١٩٠٧ حصل دييغو على منحة دراسية في أكاديميّة سان فرناندو في مدريد بإسبانيا، ثمّ عاش بين ١٩١١ و١٩٢٠ في باريس، حيث تمكّن من الأساليب الطليعية. لم يكتفِ بالتكعيبية، فدرس فن رسم «الفريسكو» في إيطاليا قبل أن يعود إلى المكسيك في العام ١٩٢١. وبعد سنة من ذلك، سوف ينفّذ جداريّته الأولى في مدرّج بوليڤار في المدرسة الوطنية العليا.

تعود لوحته الأولى إلى العام ١٩١٥ وعنوانها «مشهد زاباتيستي: المغاوِر» المعلّقة في المتحف الوطني في مكسيكو العاصمة. إنها مستوحاة من الثورة المكسيكية ١٩١٠-١٩٢٠ وتتضمّن عنصرين أساسّيين من سرديّة ريڤيرا الثورية: الاشتراكية والنزعة الأهلية. كانت الصيغة المكسيكية من النزعة الأهلية من تنظير المدير العام لوزارة التعليم حينها جوسي ڤاسكونسيلوس الذي صاغ مصطلح «العِرق الكوني» الذي يجسّد مثالاً مهجناً لا طبقياً من الوحدة الإثنية. على أنّ فكرة العِرق الكوني تنطوي على مضمرات عرقية آريّة، تنمّ عن نظرة جوهرية تمزج النزعة العرقية والاستعلاء الأبوي تجاه سكان المكسيك الأصليين. بالمقارنة، كان تصوير ريڤيرا للقيم الأهلية بعيداً كلّ البعد عن تعريف ڤاسكونسيلو، حيث يتحوّل هذا الأخير إلى أقسى نقّاده ابتداءً من ثلاثينيات القرن الماضي. يجسّد «المشهد الزاباتيستي» رواية ريڤيرا البديلة للنزعة الأهلية. إنّها توليفة قائمة على خدعة بصرية وعلى تأويل لصورة فوتوغرافية شهيرة للقائد الثوري إميليانو زاپاتا كانت شائعة في تلك الفترة. في هذه التوليفة التكعبيبة المزوّرة، دمج ريڤيرا مصادر عابرةٍ للثقافات ليس من أجل العودة إلى الجذور الأهلية، وإنّما من أجل التوليف بين زمنيات مختلفة بواسطة نزعة أهلية تحويلية، ليست منبثّة في الماضي وإنّما قائمة في الحاضر الحديث عينه.

لينين في جدارية روكفلر

فيما بعد، سوف يضمّن ريڤيرا جدارياته رؤى مثالية تعود إلى ثقافة المكسيك قبل الغزو الإسباني وثقافة أميركا الوسطى. اعتمدَ على المكتشفات الأركيولوجية في زمانه، ليعيد تصوير عمارة وأبطال وآلهة وأساطير ومعتقدات عائدة إلى تلك الحقبة التاريخية، فتتعايش في جداريّاته مشاهد من ماضي المكسيك الأهلي الممجّد مع صور الحداثة، يقرأ الماضي قبل الإسباني قراءة جديدة فيقدّم تاريخاً مشتركاً لجميع المكسيكيين. نجمت عن ذلك مقارنة بين الفلاح المكسيكي والركنين الاشتراكي والرأسمالي للتقدّم المتمثلين بالتصنيع والعلوم والتكنولوجيا، تظهر كلّها منفصلة عن الواقع المعاصر للسكان الأصليين.

«الخليقة» (١٩٢٣) عنوان أوّل جدارية له مرسومة في مدرج سيمون بوليڤار في المدرسة الوطنية العليا، وهي تصوّر نقاشاتٍ جارية في زمنه عن القومية والوطنية، واحتقار العالم الأكاديمي لما هو شعبي، وضرورة استنقاذ العالم قبل الإسباني والصلات القائمة مع الديانة والثقافة والصناعة الأوروبية. ولا عجب أن ينتقد ڤاسكوسيلوس هذه الجدارية على اعتبار أنّها ليست «مكسيكية» بما فيه الكفاية. في تشرين الثاني / نوفمبر ١٩٢٤، بدأ ريڤيرا العمل في كلية الزراعة في تشاپنغو، وهي دير يسوعي قديم، كلّف بتزيين القسم الإداري منه والكنيسة القديمة. وكان القصد من الجدارية إحياء ذكرى توزيع الأرض على الفلاحين بعد الثورة، أي عملية ثورية قيد التنفيذ، وبالتالي تصوير ريڤيرا للاشتراكية في الزراعة.

في العام ١٩٣٠، رسم دييغو ريڤيرا جداريته المثيرة للجدل في نيويورك. كان هو وزوجته فريدا كاهلو عضوين في الحزب الشيوعي يعكسان في فنّهما معتقداتهما السياسية. في العام ١٩٣٤، وسط الأزمة الاقتصادية الكبرى، كلّفت أسرة روكفلر الفنان برسم جدارية في مدخل البناية الرئيسة في «روكفلر سنتر»، والذي جرى تصوّره بما هو عمارة لمجد إنجازات الإنسانية ومركز تبادل اقتصاديّ وماليّ وثقافيّ وللتجارة الخارجية يشهد على التزام أسرة روكفلر بالمسؤولية الاجتماعية. وكان المفترض أن تحتلّ جدارية ريڤيرا «الإنسان على مفترق الطرق» تلك مدخل المركز. وكان ريڤيرا قد زيّن عدّة مبانٍ رسمية في مكسيكو ونظّم معرضاً فردياً كبيراً في متحف الفن الحديث في نيويورك العام ١٩٣١ وكلّف بالتصوير على جدران ساحة الحديقة في مؤسسة ديترويت للفنون.

في تلك الجدارية، صوّر ريڤيرا قلب الولايات المتحدة الصناعي بما هو ملحمة مديح للصناعة والآلة والعمل البشري والسيطرة على الطبيعة وتحرّر الإنسان. ورسم ريڤيرا في وسط جدارية روكفلر سنتر، الثالوث الثوري المتكوّن من جندي وفلّاح وعامل (الذي سوف تكون له لاحقاً ملامح وجه لينين) يتشاركون في حمل المنجل والمطرقة. وفي الجدارية أيضاً مشاهد من مسيرة في ساحة موسكو الحمراء يتراءى في مؤخرتها مدفن لينين. وصوّر دييغو المعرفة العلمية والحداثة من خلال الطائرات ومناظير المراصد الفلكية ومجهر المختبرات وأنابيب الأشعّة الكاثودية وشاشات السينما. هكذا باختصار صوّر ريڤيرا الجبروت الصناعي للولايات المتحدة.

في سردية الجدارية، يقع على العامل أن يختار بين طريقين: الرأسمالية أو الاشتراكية، تظهر الرأسمالية ألى اليمين في مشاهد تصوّر الفساد والخراب والأمراض والفوارق الاقتصادية والبطالة. وفي تلك الجهة أيضاً، تتمثّل الرأسماليةَ بواسطة ألمانيا النازية وانحطاط الأثرياء وعذاب المستغَلّين وبالتظاهرات في «وول ستريت» تقمعها الشرطة الخيّالة إلى جانب البرجوازية التي تحتسي الشمبانيا وتلعب البريدج. أمّا في الجانب الشيوعي، فتلقى النساء الرياضيات والجماهير السوفياتية المحتشدة في تظاهرات «الساحة الحمراء». وبين هاتين اللوحتين، يبدو الثالوث يتوسطه لينين، متشابك اليدين مع العمّال والأفريقيين الأميركيين ومع جندي وفلّاح وأمّ وزوج شاب وممثلين آخرين عن الشعب.

في رسمه الشعوب الأفريقية الأميركية والقمع في «وول ستريت» وانحطاط الطبقات العليا، تحدّى دييغو أفراد الأسرة التي كلّفته رسم الجدارية واستفزّهم، فطالبه روكفلر باستبدال وجه لينين بوجه شخص مجهول، وحجّته أنّ وجود القائد الشيوعي في الجدارية يستفزّ عابري السبيل قرب العمارة. رفض دييغو، فدُمّرت الجدارية. أثار ذلك سجالاً حادّ الاستقطاب يدافع فيه البعض عن الفنان وعمله بحجّة أنّ تدمير الجدارية من قبيل فرض الرقابة على الفن، فيما دافع آخرون عن أسرة روكفلر، وحجّتهم أنّ الجدارية تكليفٌ خاص قائم على ملك فرديّ فيحقّ للمالك أن يدمّر الموادّ التي تتكوّن منه. عند عودة فريدا ودييغو إلى المكسيك بعد عام من ذلك، كلّفت الحكومة المكسيكية الفنان بأن يعيد بناء الجدارية في «قصر الفنون» بمكسيكو العاصمة، حيث لم تٌثِر الجدارية ردود الفعل ذاتها التي أثارتها في نيويورك، مركز الرأسمالية المالية.

تناقضات الحداثة

في الجداريّات التي رسمها بين ١٩٢٣ و١٩٢٨ في وزارة التربية، كان ريڤيرا قد عزّز رؤيةً لنزعة أهليّة بديلة من خلال تصويره التفاوت في التطوّر التاريخي. فمثلاً، في «ساحة العمل» في وزارة التربية، صوّر التقدّم الذي حمله التصنيع والعلوم والتكولوجيا، ولكن تظهر هذه جميعها منفصلة عن الواقع المعاصر للسكان الأصليّين. وعلى الرغم من ذلك، فمَشاهد العلوم الأوروبية الحديثة ــ كما هي مجسّدة في لوحة «الكيمياء» ــ تقابلها مشاهد من الفكر قبل الإسباني القديم، كما في مشهد «الجيولوجيا». هكذا تُعرَض على المُشاهد رؤية شاملة تعدّدية لتاريخ العلوم، ليس بما هو تاريخ غير أوروبي فحسب وإنّما بما هو أيضاً إنجازٌ غير مكتمل للثقافتين الأوروبية وغير الأوروبية، وبما هو جزء من مسار أوسع من التطور التاريخي المتفاوت.

على الغرار ذاته، ألّف ريڤيرا في العام ١٩٥٣ جدارية في مستشفي لا رازا في مكسيكو العاصمة عنوانها «تاريخ الطب في المكسيك: الشعب يطالب بعناية صحية أفضل». في تلك الجدارية، يتناول ريڤيرا الطب قبل الإسباني بالتوازي مع الطب الأوروبي الغربي. تعبّر هذه النظرة التعددية للطب عن تهجين في اللغة البصرية، إذ يصوّر ريڤيرا شخوصاً ممّا قبل الحقبة الإسبانية من أمثال تلازولتيوول (إلهة الذرة) مستخدماً تقاليد رسم عائدة إلى عصر النهصة الأوروبي من أجل توليد أشكال واقعية. هذا التهجين بين الأزمان والأشكال والمعارف المختلفة، حيث يتعايش الحاضر مع الماضي ويغذّي واحدهما الآخر، هو نفسه ما يميّز لوحة «مشهدٌ زاباتيستي» المرسومة العام ١٩١٥ حيث تشهد هذه الجدارية على تناقضات الحداثة غير المحلولة: ابتعاد التكنولوجيا والعلوم عن الواقع الفعلي للشعوب الأصليين، والتعايش والتنافر معاً بين الماضي التاريخي والحاضر، وطغيان البيروقراطية على الاشتراكية وفشل نزوع هذه الأخيرة إلى الاتّساق. فإذا كانت النزعة الأهلية الرسمية تمثّل تمجيداً سطحياً للثقافة قبل الإسبانية، فإن ريڤيرا، في نقلة جذرية، يقدّم لنا ماضياً قبل إسباني متشابكاً مع قضايا العِرق والطبقة، بمثل ما يصوّر لنا صورة مميّزة لاشتراكية المستقبل مخصوصة بواقع المكسيك بعد الحقبة الكولونيالية.

يقول ريڤيرا في مقابلة مع مجلة «آموتا» البيروڤية:

«ليس الفنان الثوري بمبدع روائع فنية يثير الاستهزاء أو التمجيد بل هو مقاتل من مقاتلي الطليعة [...] وهو أحياناً مقاتل غِواري بالسلاح [...] إنّ الفنان يكون ثورياً أو لا يكون [...] والشغف الطاغي عنده في زمننا الحاضر ــ كما في أي زمن آخر ــ يجب أن يلتقي مع التطلعات المشتركة للجماهير الشعبية».

مجلة بدايات

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top