راكب الحمار وراكب البعير

12:00:00 ص

من مخطوط مزوق لكتاب البيروني "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، 1307، مصدرها على الأرجح تبريز، وهي محفوظة في مكتبة أدنبرغ.
تحتلّ المنمنمة الصفحة العاشرة وتصوّر في القسم الأيسر من التأليف رجلين معمّمين يركب الأوّل جملا فيما يركب الثاني جحشاً، فيما يظهر في القسم الأيمن رجل يعتمر طرحةً قصيرة يطلّ من نافذة مربّعة ويتطلّع في اتجاه الرجلين اللذين يتقدّمان على دابتيهما في اتجاهه. يبدو أسلوب المدرسة الرافديّة جليّاً في رسم الأشخاص كما في رسم الدابتين، لكنّ اللافت دخول أثر من فنون الشرق الأقصى يظهر بشكل واضح في الغيمة الزرقاء النارية الشكل التي تظهر في وسط القسم الأعلى من الصورة. مرّة أخرى، وحدها العودة إلى النص كفيلة تحديد هوية الأشخاص الثلاثة. راكب الجمل هو محمد، وراكب الجحش هو عيسى، أما الشاهد المطلّ من نافذته فهو إشعيا. في قراءة بالغة التعقيد يحاول من خلالها إثبات صحّة التقويم الإسلامي، يقول أبو ريحان البيروني: " بشّر موسى بن عمران بمحمد، والمسيح بأحمد، كان مثل الأوّل، وكذلك لو حسب"، "ولو استشهد لمحمّد صلّى الله عليه وصدق البشارة به، قول إيشعيا النبي في كتابه مما هذا معناه أو شبيه به: أن الله أمره بأن يقيم، على المنظرة ديدبانا ليخبر بما يرى، فقال أرى راكب حمار وراكب بعير، وأقبل أحدههما يهتف ويقول : هوت بابل وتكسّرت أوثانها المنحوتة؛ وهذه بشارة بالمسيح راكب الحمار، وبمحمد راكب البعير الذي بظهوره، هوت بابل وتكسّرت أصنامها وتزلزلت قصورها وباد ملكها؛ وفي كتاب ايشعيا النبي من البشارة بمحمد - عليه السلام - أقاويل كثيرة مرموزة قريبة من واضح التأويل؛ وعند ذلك يدعوهم الإصرار على الباطل، إلى الافتراء بادعاء ما لم يتعارف به الخلق، من أنّ راكب البعير هو موسى لا محمد عليه السلام وما لموسى وأتباعه وبابل، وهل ظهر له ولقومه بعده، ما ظهر لمحمد عليه السلام ولأصحابه فيها؟ كلا، لو نجوا من أهلها رأسا برأس، لرضوا من الغنيمة بالإياب مع اليأس".
تبدو هذه المنمنمة استثنائيّة في فن التصوير الإسلامي كونها تترجم بلغة الرسم واللون تأويلاً إسلامياً لنص من الكتاب المقدّس. القول الذي يستشهد به البيروني هو على ما يبدو ما جاء في ثلاث آيات من سفر إشعيا: "هكذا قال لي السيّد: إذهب فأقم الرقيب وليُخبر بما يرى. فيرى ركبا، أزواج فرسان ركاب حمير وركاب جمال، فيُصغى إصغاءً شديداً. ثم يصرخ الرقيب: إني قائم على المرصد دائما في النهار وواقف على المحرس طوال الليالي، فإذا بركب من الرجال وأزواج قد أقبلوا. ثمّ عاد وقال: سقطت سقطت بابل وحُطّمت إلى الأرض جميع منحوتات آلهتها" (21، 6-9). ويرى المختصون بالنقد الكتابي أنّ هذه الآيات تقوم على استعادة قصيدة قديمة ليست لأشعيا تتناول في صيغتها الأصلية سقوط نينوى سنة 612، أمّا في ما يختصّ بركاب الحمير وركاب الجمال، فيرى البعض فيهم رمزاً للعيلاميين والفرس، فيما يرجح البعض الأخر أنّ المقصود بهم القوافل التي أَخبرت بسقوط بابل.
 

التعليق على الصورة لمحمود الزيباوي

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا