الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش


محمود الحجيري

بدأ تعثره في المدرسة في سنواته الأولى نتيجة امية والدته وعدم اهتمام والده، قبل ان يتعرف على مجموعة من الاشقياء ويختاروا بستانا يطل على المدرسة يجتمعون فيه خلال فترة الدوام، يلهون ويتعاركون ويحملون محافظهم المدرسية ويعودون الى منازل ذويهم منهكي القوى من اعباء الدراسة مع التعليق على حركات هذا المدرس وتلك المعلمة، وصلت عدة رسائل تنبيه ولفت نظر لغيابه الشبه دائم عن المدرسة من الادارة دون جواب، وفي الامتحان الاخير كانت النتيجة المفاجئة للاهل الاب لم يهتم كثيرا، اما الام فوضعت رسوب ابنها في ضمن المؤامرة على مستقبله، مع كيل من الشتائم على المدرسين لانهم لا يفهمون  "الجحش من اين يضرط!!" اما ابنها هي من تربيه وذكي جدا مثل خاله الذي نجح في الصف الخامس وترك المدرسة وطيبت خاطره لانه ضحية مؤامرة عائلية وسياسية لان والده شتم الزعيم والاستاذ من محبيه واعطته مصروفه اليومي مع اكرامية نكاية بالمتآمرين...

 وهكذا خرج عادل من المنزل وهو يشعر بنشوة النصر والتفوق بفضل كلام والدته وتفهمها وذهب الى اصدقائه يحتفل معهم بهذه اللحظات فاشتروا المثلجات واعاد على مسامعهم كلام والدته بحق المدرسين فاعجبوا بها وحسدوه على تفهمها لانهم لاقوا التأنيب من اهلهم ومنهم من ضرب جزاء رسوبه. وانطلقوا يلهون بألعابهم وشقاوتهم طيلة العطلة الصيفية ويربون بعض انواع الحيونات الاليفة والطيور. وفي بداية العام الدراسي ذهب والد عادل لتسجيله في المدرسة فاعتذرت الادارة عن قبوله لتخطي عمره عمر زملائه في الفصل ومسلكيته السيئة ومستواه المتدني وبعد نقاش وجدال كان قرار الادارة حاسم، وخرج الوالد من وهو مكفهر الوجه، اذ لا يوجد الا هذه المدرسة في القرية وليس باستطاعته ارساله الى خارج القرية. اما عادل فقد شعر بالسعادة لانه تحرر من الدراسة والوقوف امام الاستاذ وهو مرتبك ولا يستطيع التجاوب مع متطلبات الاستاذ والمدرسة وعاد برفقة ابيه الى المنزل وهو حذر لانه لم يعرف القرار النهائي بعد وعند وصولهم سألتهم ام عادل من الشباك عما فعلا؟ فرد ابو عادل: لم يقبل المدير تسجيله ابنك وتعريفينه؟ فردت بغضب: نعم ابني! وارسلت رشقات من الشتائم اصابت من بنى المدرسة والمدير وكل الهيئة التعليمية، وفي اليوم التالي حمل عادل كتبه العتيقة الى المكتبة ليبيعها وعندما وصل دهش صاحب المكتبة لان الكتب لم تستعمل ودفاتر التطبيقات ما زالت نظيفة، اي لم يكتب عليها لهذا دفع سعر جيد لعادل مع ابتسامة صفراوية وقال له: حقا تعبان باجتهادك ورسوبك ظلم!! فاطرق راسه ولم يجاوب...
قبض عادل ثمن الكتب وفي الساحة التقى اصدقاءه وعقدوا اجتماعهم تحت الشجرة ليقدم لهم المثلجات وبعض انواع البسكويت بمناسبة خروجه النهائي من المدرسة، وبعد الضيافة والصياح والضحك بأصوات عالية، ذهب عادل برفقة احدهم الى مزرعة العجوز ابو عزيز واشترى عددا من طيور الحمام وعاد بهم الى بيت ابيه واجتمع واصدقاءه على السطح في ورشة بناء برج للطيور وبعد ساعات من العمل المضني في جمع مواد البناء من حجارة والصراع على كيفية البناء وخشب شيد البرج وكانت حفلة صراخ عندم وصلوا سكان البرج الى مسكنهم وكان الصبية حريصون على قص اجنحة الحمام خوفا من الهروب، وهكذا استبدل عادل كتبه المدرسية على سرب صغير من طيور الحمام، واصبح جل اهتمامه يجتمع مع ابناء جيله واصدقائه ليتبادلوا الحديث والخبرة عن تربية الحمام وفي الليل يسهرون في الساحات يحدثون الضوضاء مع بعض المغامرات من سرقات ومقالب فيما بينهم وكانت الشكاوي تصل الى والده متلاحقة، واستمر على هذه الحالة سنوات عديدة حيث بدات متطلباته المالية تزداد ومشاكسته ومشاكله تاخذ الطابع الجدي والمسؤول، وبدأ عبء والده يزداد وتذمره يخرج الى العلن بسبب مسيلكيته وشكاوي اهالي القرية فحدث الصدام اكثر من مرة وضرب الاب لابنه لكن دون جدوى...

وفي احد الايام عاد ابن عمه من بيروت حيث يسكن ويعمل وخلال جولة غسان على اقربائه للاطمئنان عليهم، زار منزل عمه ابو عادل واثناء الحديث ابدى ابو عادل امتعاضه وتذمره من تصرفات ابنه واقترح على ابن اخيه ان ياخذه معه الى بيروت، لعله يجد فرصة عمل ويغير تصرفاته. رحب غسان بكلام عمه ووعده بمساعدة عادل لإيجاد عمل والوقوف الى جانبه. وعندما عاد الاخير الى المنزل من جولة تسكع وشقاوة ابلغه والده برغبته وبالحديث الذي جرى مع غسان، فرح للخبر وابتسم قبل ان يشرد في خياله في جولة تسكع في شوارع بيروت وعندما استفاق من شروده بدأ بتجهيز نفسه والاستعداد للرحيل في صباح الغد واول خطوة كانت الاستحمام الذي مضى على اخر لقاء معه اسابيع، وصعد الى السطح يقفل بعض منافذ برج الحمام خوفا من مهاجمة الحيوانات له في غيابه، وفي الصباح الباكر استيقظ على غير عادته غسل وجهه وبلل شعره الطويل بالماء قبل ان يمشطه ووقف امام المراة يتأمل وجهه الذي يحاكي لون التراب بسبب تأثير الشمس الزغب الذي بدأ يظهر على وجهه وجلس باثماله على كرسي على مدخل المنزل ينتظر وصول ابن عمه فكان شبيه ببطل هارب من  اللوحات الكلاسيكية من القرون الوسطى والى جانبه كيس فيه بعض الملابس، ولم يتأخر غسان وعند وصوله خرج عمه وزوجته يودعان ابنهما في اول رحلة له خارج القرية عانقهما واوصاهما بالاهتماما بطيور الحمام... وعندما انطلقت السيارة استدرجه غسان ليروي له مغامراته هو واصدقاءه التي شملت السرقات والمقالب بعدد كبير من اهالي القرية، ووصلا الى بيروت وقد انهك الضحك غسان، وقبل ان كانت عيون عادل تلتهم المشاهد بنهم ودهشة ودخلا الى شقة صغيرة في حي شعبي، وبعد قليل ذهب غسان الى عمله وترك المفتاح مع عادل مع وصية ان يبق في البيت او جواره وقت عودته من العمل، نزل عادل الى الشارع اشترى زجاجة عصير وجلس جنب سور يراقب الناس وتصرفاتهم دون ان يتكلم مع احد سوى التعريف عن نفسه عندما سئل من اكثر من شخص من سكان الشارع عن هويته وسبب وقوفه هنا! ولم يتجرأ  الخروج من الشارع خوفا من الضياع وخاصة انه لا يعرف قراءة عناوين المحلات واليافطات... عندما عاد غسان اصطحب ابن عمه الى اكثر من منطقة ومر به ليريه البحر وكانت الدهشة والذهول برفقته على مدى ايام... وقبل نهاية الاسبوع كان عادل موظفا في احدى الشركات مهمته تحميل وتنزيل البضائع بعد جولة من الاسئلة والتفتيش من قبل ابن عمه، وفي الشهر الاول بقي على ما هو عليه من ثياب وشعر طويل صباحا الى العمل ويعود في المساء لا يخرج الا مع ابن عمه من المنزل وعندما قبض اول مرتب بدأ يندمج في المجتمع الجديد فقد ذهب الى الحلاق وقص شعره  بما يتلاءم مع عمره وكانت اول مرة يحلق ذقنه، واشترى ثيابا وحمل تلفون وبقي سنة كاملة دون زيارة لاهله يكلمهم عبر التلفون ويرسل لهم بعض الاموال مع ابن عمه خلال زياراته المتكررة، وفي بحر هذه السنة سبح عادل في اعماق المجتمع واكتسب لونه وقشوره بسرعة حيث طلي شعره، وارتدى احدث الازياء والتقط مجموعة من المفردات الاجنبية من عدة لغات وحفظ اسماء العديد من الماكولات بلغتها الام وان كان ينطقها على طريقته... نسج شبكة علاقات واسعة مع ابناء جيله ومنهم طلاب جامعات وكانوا يتناقشون ويتحدثون في العديد من المواضيع بتوافق والاستماع لارائه الصائبة، تعرف على اسماء عدد من الفنانين واصبح يعطي رايه النقدي بادائهم وموسيقاههم، سهر في المرابع الليلية وتذوق طعم المتعة الجنسية واصبح لديه خبرة في التعاطي مع المرأة، وهكذا اصبح عادل كشاش الحمام والسارق الى مثقف عصري بسرعة قياسية وبعد اتصالات وعتاب من اهله زار بوجهه الجديد قريته واستقبل استقبال الابطال حيث نحر ابوه خاروفا احتفالا بعودته وقد اجتمع في منزل ابو عادل عدد من المهنئين من اقرباء واصدقاء وكان قي استقبالهم عادل وهو بكامل اناقته وكان حريصا على استخدام اكثر المفردات الاجنبية التي يحفظها بالاضافة  الى حديثه عن احياء بيروت والمرافق السياحية والثقافية فيها، وكان سعيدا بكلمات الاطراء والثناء التي سمعها من الحضور حيث شعر باهميته بين اهله وابناء قريته. وعندما حاول احد اصدقاءه تذكيره باحدى مغامراتهم انزعج وتجاهل الرد حتى لم يسأل والده عن طيور الحمام ولم يخرج من البيت خلال وجوده في القرية لأنه لم يجد من يتكلم معه، هذا ما صرح به لوالدته وعند عودته الى بيروت وعد امه ان يحاول يكون في كل "ويك اند " في القرية، وبدات الأم تحكي لنساء القرية اسماء الاكل الذي يتناوله ابنها عادل في المدينة وتحاول ان تتذكر كلماته الاجنبية، وقد صدق عادل بوعده وبدأ يتردد على القرية كل خمسة عشر يوما وهو يستمتع بكلمات الاطراء التي يسمعها، وفي احدى المرات كان لديه عطلة من عمله فقرر  ان يذهب الى دمشق في رحلة سياحية، فاتفق مع ابن عمه  مجد على الذهاب سويا، وكان ابن عمه يكبره بسنوات ومتعلما وقليل الكلام ومتزن في تصرفاته  ولا تروق  له "ثقافة" عادل وحركاته ولكن حاجته لشراء بعض الحاجيات دفعه لمرافقة ابن عمه الى دمشق، وبدأ الاشمئزاز والتذمر يسيطر على اجواء مجد منذ اللحظات الاولى لصعودهما الى الحافلة بسبب حديث عادل وتصرفاته، وعندما وصلا الى مرادهما زارا المتحف الوطني وانتقلا الى قصر العظم قبل ان يصلا الى سوق الحميدية ويقوما بجولة طويلة مع التسوق وفي نهايتها شعرا بالجوع والتعب، فاتجها الى مطعم فخم لتناول الغداء وبعد ان اختارا طاولة الى جانب شباك يطل على احدى الحدائق ذهب عادل الى دورة المياه ليغسل يديه وعاد ليقول لابن عمه: لن ناكل في هذا المطعم..! فساله : لماذا ؟ اجاب عادل: حرام الاكل هنا لان هذا المطعم للمسيحيين، ابتسم مجد بسخرية وقال: من افصح لك عن ديانة مالك المطعم؟ ومن قال لك ان الاكل عند المسيحي حرام؟ ومنذ متى تصدر فتاويك؟ فطلب عادل منه ان يشاهد صورة معلقة على احد الجدران الداخلية في المطعم  ولبى رغبة ابن عمه فوجد مجد صورة للوحة العالمية الموناليزا، وقال: هذه الصورة وقد رايتها ماذا تعني؟ فرد عادل بعصبية: انها صورة العذراء وانا لن اتغد في هذا المطعم... فابتسم مجد وقال: هذه ليست صورة مريم العذراء يا متنور، ولا فرق عندي اين ناكل المهم ننهي ما تبقى من رحلتنا بسلام. وخرجا من المطعم وسارا في الشارع ليمرا امام عدد من المطاعم قبل ان يقع خيار عادل على احدهم وهو شعبي ملامح البؤس والاهمال بادية على مدخله وعلى صاحبه، سأل مجد ابن عمه: لماذا هذا المطعم وليس غيره؟ فرد عليه: هذا المطعم لشخص مسلم، الم تسمع احدهم ينادي الاخر يا محمد...
ضحك مجد وقال: الحمد لله واخيرا وجدنا اسم محمد في الشام...

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top