إنه صبري حمادة بقلم محمود الحجيري

12:49:00 م
ولد فضل في اتون الفقر والعوز والحرمان، لابوين فقيرين همهما في الحياة تأمين الحد الادنى من مقوماتها الأساسية لأبنائهما من مأكل وملبس وما تيسر من العلم للذكور فقط في المدرسة الرسمية. كانا يمتلكان قطيعا صغيرا وفدان حمير لحراثة الارض، وكان الاب يقوم بمهمة تصريف المحصول النباتي والحيواني في القرى المجاورة بالقليل من النقود او بالبدل اي المقايضة بمحصول اخر او ببعض السلع الحرفية والتموينية، اما فضل فقد عاش هذا الواقع بكل تفصيلاته ومرارته واكتسب من الشقاوة والتمرد ما جعله يعيش الحياة على مزاجه، فقد رفض مساعدة والده في رعي القطيع، ولم يكمل المرحلة الابتدائية في المدرسة رغم كل المطاردات وما رافقها من اساليب ترغيب وترهيب صمم على رايه وهجر مقاعد المدرسة، والتحق على مضض بالقطيع ورعيه لكن بقيت حركاته وشقاوته وتفكيره يتجول في الازقة يلهو مع اصدقائه وكان يتحين الفرص ليترك "المأيل" ويعود الى القرية ليمارس شقاوته مع اترابه وينسجون المقالب على بعضهم البعض واحيانا تكون مقالبهم موجهة ضد العجائز من اجل سرقة دجاجة او لمجرد المقلب والضحك، ومع تفتح ربيع فتوته بدءا يسمع احاديث عن بيروت والعمل في بيروت والاموال التي لا تحرقها النيران وحياة الرفاهية واللقمة الطيبة والنومة الهنية واللبس على الموديل والشعر "الخنفس"...

 وبدات هذه الصور تؤرقه وتداعب خياله وتلاحقه في مرعى القطيع الصغير وفي ميدان شقاوته وفي احد الايام افضى بمكنونات نفسه الى احدهم وهو ملحم، فنجاوب معه وابدى استعداده لمرافقته علهما يخرجان من هذا الواقع الصعب الذي يشبه السجن ويتعرفا على حياة افضل، وبدات الاستعدادت بعد ان شحنت النفوس بثورة الشباب، فسألا بطريقة غير مباشرة عن السبل التي توصلهما الى بر الامان في بيروت ولم يتبق امامهما الا الاموال التي سيتزودان بها في اول رحلة لهما خارج القرية، فبعد حجج وذرائع مختلفة حصلا من والداهما على بضعة ليرات واستدانا من احد الاصدقاء بضعة ليرات اخرى وتعاهدا ان يكونا اصدقاء واخوة وان يواجها الرحلة والحياة سويا، وحددا موعد الانطلاق وفي فجر اليوم التالي...

 تسللا تحت جنح الظلام من منزلهما والتقيا على اطراف القرية حيث الطريق الذي تمر عليه الحافلة التي تقصد بيروت يوميا، وعندم سمعا هدير البوسطة وقف الى جانب الطريق استعدادا واتفقا على كذبة اذا سالهم المعاون عن سبب سفرتهما لكنه لم يفعل... بعد ان جلسا على مقعدين متلاصقين وراحا يراقبا جانبي الطريق قبل شروق الشمس وكانا في غاية السعادة لانهما يخوضا تجربة جديدة في حياتهما، لا بل يفتتحا مرحلة جديدة كليا، ولم تتاخر الشمس بالشروق وانقشعت الصور وظهرت المشاهد الجديدة بالنسبة للمغتربان وظهرت الفرحة على وجهيهما من خلال الابتسامات والاهتمام بادق تفاصيل المشاهد، لكن الفرحة لم تكتمل بسبب شعور ملحم بـ"الدوخة" ومن ثم طلب من السائق التوقف لكي يتقيأ على الارض وكانت هذه اول محنة وامتحان يتعرضان له في رحلتهما، والسبب عدم اعتياد ملحم على ركب السيارة والهواء النظيف الذي يتنشقه في القرية بعيدا من دخان المحروقات وروائحها... عاد ملحم الى مقعده وجلس باسترخاء وتقدم منه المعاون ونصحه باغماض عينيه واعطاه كيس للاحتياط، اذا اضطر للاستفراغ ثانية وجلس فضل بالقرب منه وهو مربك وحزين وبين الفينة والاخرة يحاول ان يكلمه ويطمئن عليه. ولم تتاخر البوسطة عن موعدها وحطت رحالها في موقفها الرسمي في ساحة البرج فنزلوا ركابها واتجه كل الى مقصده وتقدم فضل وسأل المعاون عن الاتجاه الذي يوصلهم الى مخيم تل الزعتر فدلهم الى شارع وقال لهما قفا هناك، وبعد ان اطمأن فضل لحسن سير الرحلة عاد الى صديقه ملحم يمشي الى جانبه ويرفع من معنوياته واقترب من بائع عصير وطلب كوبين وبعد ان شرباهما وبدأ ملحم يشعر بالتحسن راحا يستطلعا المكان بنظرهما بدهشة عارمة، كل شيء غريب كثافة السيارات النساء وشعرهم وسيقانهم مشهد لم يألفاه من قبل وقفا طويلا يراقبا كل ما حولهما وجالا في الساحة تفرجا على واجهات المحال التجارية، قبل ان يوقفا سيارة لتقلهما الى حزام البؤس الابرز في حينه... ولم تستغرق رحلتهم القصيرة وقتا طويلا وكانا على مدخل المخيم، ودخلاه وقد تبدلت الصور والمشاهد كثيرا بيوت اغلبها من الصفيح وازقة ضيقة ملاعب للاطفال مياه مختلفة المصادر والاستعمالات تغمر الازقة والطرقات حركة سيارات شبه معدومة باعة متجولين ظاهر الاعياء والبؤس على اجسادهم ووجوههم...
 وقفا فضل وملحم وجها لوجه والدهشة بادية بوضوح على وجهيهما، واخترق لحظات الصمت صوت فضل وقال: ماذا جرى يا صديقي؟ اين نحن الان؟ هل هذه بيروت والساحة التي كنا فيها منذ لحظة بيروت؟ لا لا اكيد لا! اقرصني علني احلم وربما استيقظ.
فابتسم ملحم وصفعة بكفه صفعة قوية على وجهه وقال: هل استيقظت؟ ماذا جرى لك؟

فرد فضل بغضب: "العمى بقلبك! قلت لك اقرصني ولم اقل لك ارمي لي اسناني! لكن انظر بعينيك هل هذه بيروت وتلك الساحة بيروت؟ هل هذا عدل؟
فمشى ملحم وقال: امش بلا فلسفة نريد ان نعرف اين سننام؟ فرد فضل لا تقلق سننام في تناكية لكن اية واحدة لا اعرف حتى الان، ودخلا الى المخيم وسال فضل عن احد الاقرباء  فقيل له: تلك البراكية الموجودة في اخر الشارع له، فمشيا باتجاهها وقال فضل: لقد اطمأن قلبك ووجدنا مكان نبيت فيه ولم يتأخرا حتى كانا يقرعا الباب دون مجيب فدارا حول "البيت" البراكية يستطلعان محتوياته من خلال الشقوق في تنك الجدران، ومن ثم جلسا قليلا على حجرين لياخذا قسطا من الراحة ويحددان الاتجاهات في المخيم...

لم يتاخرا حتى باشرا في استطلاع زواريب واحياء المخيم فعبرا الشارع الرئيس حتى نهايته وقد التقيا بعدد من ابناء قريتهما، وجالا في زواريب الحي الفوقاني وقبل ان يكملا الى زواريب الحي التحتاني توقفا امام براكية فيها دكان وطلبا قنينتي مشروب غازي وعلبة بسكويت وجلسا يسامران صاحب الدكان ويستفسران عن ظروف الحياة وفرص العمل المتاحة في المخيم وجواره ... فلم يبخل عليهما بالمعلومات وارشدهما على الاماكن والمؤسسات التي قد تكون بحاجة لعمال مبتدئين بدون خبرة فشعر فضل باهميته ولكي يثبت رجولته طلب علبة سجائر رخيصة لكي ينفخها وهذه اول علبة يشتريها واكملا جولتهما قبل ان يعودا الى براكية صديقهما عندما بدأ العمال والموظفين في العودة الى منازلهم،  وتفاجأ بهما وسر بوجودهما على باب براكيته فعانقهما وانهال عليهما بوابل من الاسئلة عن اهلهما وعن القرية وعن الشباب باقي الاصدقاء واشعل "بابور الكاز" ليصنع الشاي وجلسوا يتحدثوا عن ظروف العمل وكلمهما عن العقبات التي قد تعترضهما مع امثلة عن شباب سبقوهم واعترضتهم صعوبات قبل ان يجدوا عملا وتستقر اوضاعهم شربوا الشاي واستبدل ثيابه احمد وانطلقوا في جولة استطلاع على الاحياء المحيطة بالمخيم انتهت بالدخول الى السينما وهنا كانت المفاجئة الكبرى والمدهشة بالنسبة لفضل وملحم، حيث لم يصدقا ما يدور في هذا العالم الجديد الذي اكتشفاه وعندما خرجا كان تضامنهما وانحيازهما واضحا للبطل وقدراته الخارقة وخلال عودتهم باتجاه المخيم اعادا سيناريو الفيلم اكثر من مرة كل على طريقته...

 وقد مر احمد برفقتهما لزيارة احد ابناء بلدتهم يعمل في محطة للمحروقات وعندما وصلوا استقبلهم خالد بحفاوة ورحب بهم ولم تطل جلسة استجوابهما عن حال الاهل والقرية وتركهم لياتي بعشاء الفلافل واستمرت سهرتهم الى ساعة متاخرة من الليل قبل ان يعودوا ادراجهم الى براكية احمد ليبيتوا ليلتهم الاولى في المخيم...

وفي صباح اليوم التالي ستيقظ احمد في موعد ذهابه الى عمله وايقظهما، وخرجا من البراكية بعده بقليل ولكن الى غير هدى فاتجها الى منطقة فرن الشباك وبعد عدة اسئلة لم يجدا مبتغاهما فقصدا منطقة المكلس الصناعية وعند سؤالهما لاحد اصحاب  المصانع عن حاجته لعمال رد بالنفي لكنه عرض عليهما نقل كمية من البضائع من مكان الى اخر داخل المصنع فلم يترددا بالموافقة فاشتغلا حوالي الساعتين وعندم انتهيا ناولهما صاحب العمل بضع ليرات، استلما الاجر فضل وهو مسرور وفي غاية السعادة وخرجا من المصنع وهو يتلمس ما كسبا او ثمن ما باعا من تعبهما وعندما اصبحا في الشارع مسح فضل وجهه بما يحمل وقال لصديقه ملحم: سجل في ذاكرتك واحفظ جيدا هذا اول يوم سناكل به من عرق جييننا.

ابتسم ملحم وقال: صحيح، في المستقبل ستحدث ابنائك عن هذا اليوم وهذه البداية ! والان ما رأيك بالذهاب الى خالد نمضي عنده بعض الوقت ونطعمه من عرق جبيننا؟
فرد فضل: فكرة جيدة، ولكن هل نستطيع الوصول الى المحطة وحدنا؟
فقال ملحم: اعتقد اتي حفظت الطريق اليه واذا ضليناه نسال!
وسارا باتجاه المحطة حيث خالد وقد بدا عليها التعب من خلال  التعرق الذي اصابهما وقد اختلفا اكثر من مرة على وجهتهما  وبعد معانات واسئلة ظهرت المحطة امامهما فانفرجت اساريرهما وارتسمت ابتسامة على وجهيهما، وخرج خالد لاستقبالهما وبعد تبادل التحية ارشدهما الى الحمام لغسل وجهيهما قبل الجلوس.

وعندم دخلا الى مكتب المحطة اخبراه عما اشتغلا وعن نيتهما بتناول الطعام سويا ومن عرق جبينهما متمنيان لو كان معهم احمد في هذه اللحظة، بارك خالد لهما البداية وتمنى لهما الاستقرار والعمل الدائم وقد ذهب برفقة فضل الى دكان قريب ليأتيا بما يحتاجون لتجهيز طعام الغداء، وتناولوا الطعام وعادا الى المخيم ليمضيا ما تبقى من النهار في التجوال وزيارة بعض الاقارب القاطنين في بين براثن البؤس قبل عودة احمد من عمله.

وفي المساء خرج الثلاثة في جولة انتهت في محطة الوقود وقد اصبحت هذه المحطة نقطة انطلاق او نقطة وصول وبدأت العلاقة تتوطد بين مجموعة الاصدقاء وقد تاخرا فضل وملحم في ايجاد عمل دائم ومستمر بسبب عدم وجود المؤهلات العلمية او التقنية حيث مرت عليهما اسابيع وهما يفتشان دون جدوى لكن اشتغلا بشكل متقطع ويومي ايام معدودة..

وفي احد الايام وبينما كانا جالسين في المحطة ظهر رجل كهل يسير بهدوء على الرصيف في الجهة المقابلة فسالهما خالد:
هل تعرفان ذلك الرجل من هو؟
فرد فضل : لا، من هو؟
فقال خالد: انه الرئيس صبري حمادة هل تسمعان باسمه؟
فرد ملحم: سامع اسمه كثيرا، اليس هو من منطقتنا؟
فاومأ خالد براسه وقال: صحيح انه من منطقتنا
فغضب فضل وقال: اريد ان "اقتله" قم معي يا ملحم، وانطلق مسرعا باتجاهه فلحق به ملحم وعندما اقتربا منه اعترضا طريقه وبادره فضل وقال: مرحبا يا عم...
فابتسم ورد: اهلا بالشباب.
فسأله فضل: هل حقا انت الرئيس صبري حمادة؟
فضحك وقال: صحيح، ومن انتم وماذا تريدان؟
رد ملحم بخجل وانكسار: انا ملحم وهو فضل نحن من عرسال ونريد ان نشتغل..
فابتسم ومد يده الى جيبه واخرج بطاقتين باسمه وسجل على احداها عنوان مؤسسة وقال: اذهبا الى هذا العنوان واعطوهما هذه البطاقات، وربت على كتفيهما واكمل مسيره، وهما عادا مسروران الى المحطة بانتظار الغد يوم جديد ومرحلة جديدة
كان هذا قبل بضع سنوات من حدوث البركان الهائل الذي انفجر في بلاد فارس والذي احرق بحممه كل النفوس وغباره السامة اعمت كل الابصار...
وكان هذا ايضا قبل ان يقضوا امراء الحرب على " الاقطاع " ويبنون ابراجهم العاجية بجماجم الفقراء ويبيعون دمائهم ويشحنون نفوسهم بالحقد والكراهية

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا