ابن رشد بين العرب والغرب لجورج زيناتي

12:12:00 م


تحية لـ جورج زيناتي أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة في الجامعة اللبنانية.
بينه وبين الفلسفة عشقٌ، وأيّ عشق. لا يشبه عشقَه إلا عشقُ الصوفي، لكن زيناتي كان عاشقاً للعقل والتسامح.
نشأت بيننا صداقةٌ.. وإن كنت أتمنى لو كنت ابناً له.
لم أستطع أن أحصّل الكثير من المعارف كما فعل.. وهو الذي كان يستطيع تناول المعلومة بلغات ثمانٍ.. بدرجات متفاوتة.. العربيّة التي كان يعشقها، والفرنسية والإنكليزية والألمانية واليونانية القديمة والأسبانية والإيطالية..
هو موسوعة تمشي كما وصفه أحد طلابه التوانسة حين سألته: ما رأيك بـ جورج زيناتي؟
جورج زيناتي
كان قليل الكتابة.. وحين كنت أسأله عن سبب ذلك .. كنت أستشف منه بأنه يرغب في أن يكون له فكره الخاص وليس شرح الفلسفة الغربية التي كان من قلّة من الأساتذة الذين غاصوا في أعماقها ومن المتابعين لكل ما يصدر من فكر في الغرب.
كان رئيساً لتحرير مجلة الباحث اللبنانية التي رأت النور (لم تستمر طويلاً) في أوائل الثمانينيات على ما أظن.
كتب بحثاً عن ابن رشد في العدد الأول من مجلة الباحث.. يظن من يقرأ هذا البحث بأن زيناتي كان صديقاً حميماً لابن رشد.. وحين كنا نحدّثه عن فيلسوف قرطبة.. كنا نلاحظ انفعاله الشديد.. وكأن زيناتي كان قد فقد عزيزاً للتوّ.
لقد حاولت البحث عن هذه المقالة/ البحث على الأنترنت فلم أعثر عليها.
وبما أنني أملك العدد الأول من تلك المجلّة، فقد قمت بطباعتها من جديد على الكمبيوتر، وأقوم بنشرها على صفحتي على مراحل، لأحتفظ بها أولاً، ثم لأضعها في متناول الأصدقاء المهتمين بالفكر والفلسفة ثانياً، وشعوراً مني بأنه من الخسارة أن يضيع بحث بهذه القيمة وبهذا الجمال. لعلّني بذلك أفي بعضاً من الجميل لجورج زيناتي، أستاذي الذي لا أعرف عنه شيئاً منذ سنوات.
مع ملاحظة بأن الدكتور زيناتي كان تلميذاً للفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وبعد وفاة ريكور مباشرة، شرع زيناتي بترجمة أحد أهم كتب الفيلسوف الفرنسي إلى العربية تحت عنوان: "الذات عينها كآخر" .. وهي الترجمة التي نالت جائزة أفضل ترجمة إلى العربية في تلك السنة. 
محمد الحجيري صيدا 2014

*************************************************
ابن رشد بين العرب والغرب
د. جورج زيناتي
ذهب إبن رشد حاملاً معه سرّ حضارةٍ عربيّة رائعة كانت سيّدة عصرها طيلة أربعة قرون، وانتهت بموته ولكن الرسالة التي خلّفها للأجيال لم تمت وهو القائل: تموت روحي بموت الفلسفة، ولكن الظاهرة الغريبة التي حدثت هي أن الأجيال التي كتب نابغة قرطبة بلغتها لم تكن هي الوريثة لما خلّف، بل كانت جامعة باريس وجامعة أكسفورد وجامعة بادوا وغيرها هي التي ورثته لتمجّده وترفعه إلى أعلى الدرجات أو لتشتمه وتسمّيه باللعين ثم لتنساه بعد أن شغل الغرب على امتداد قرونٍ طويلة تمتدّ من القرن الثالث عشر وتصل إلى القرن السابع عشر أي منذ عصر الفلسفة المدرسيّة السكولستيكا ـ في ذروتها إلى العصر الكلاسيكي مروراً بعصر النهضة، وهكذا يبدو ابن رشد فيلسوفاً لاقى مصيراً غريباً من نوعه: فقومُه لم يحاولوا الاستفادة منه، والغرب جعله رمزاً للتقدم والعلم لينساه بعد ذلك كلّية. فلا أحد في الغرب يعلم بأن أحد أهم أسباب اكتشاف أمريكا يعود إلى فيلسوفنا ولولاه لتأخّر هذا الاكتشاف ولكانت جميع المعطيات الجغرافية السياسية الحاليّة قد تغيّرت، فكريستوفر كولومبوس ابن جنوى في شمالي إيطاليا حيث كانت العلوم العربية مسيطرة سيطرة تامة على الجامعات ـ يقرّ في رسالة له بأن قناعته بإمكانيّة لف الكرة الأرضية وقطع المسافة بين أوروبا والهند بسهولة يدين بها لأرسطو ولابن رشد. ففي كلامه عن رحلته الثانية يقول: "أرسطو يقول بأن العالم صغير وأنه من الممكن الذهاب بسهولة من أسبانيا إلى الهند وهذا ما يؤكّده ابن رشد".
تمثال ابن في قرطبة

والأهم من ذلك كلِّه أن إدخال شروح ابن رشد لفلسفة أرسطو إلى الغرب مع مطلع القرن الثالث عشر على دفعات متتالية، قلبت جميع المعطيات في أوروبا المسيحية، وكانت نقطة انطلاق الحضارة الغربيّة التي تعيش الإنسانية اليوم كلُّها في ظلها. فقبل هذا القرن كانت المسيحية قد طوّعت الفلسفة القديمة فأخذت منها ما كان يتماشى مع تعاليمها وحاولت إلقاء الباقي في سلة المهملات (وكان هذا ما نادى به يوحنا الدمشقي مثلاً) وهناك جملة شهيرة للقديس أنيسيلم الذي عاش في القرن الثاني عشر تقول الفلسفة خادمة للاّهوت.. تختصر هذه الجملة الوضع الفكري السائد في الغرب إلى أوائل القرن الثالث عشر. وعلينا أن نلاحظ أننا حين نقول الفلسفة فنعني بذلك جميع العلوم التي كانت ما تزال تعيش في كنفها وتشكل جزءاً منها. فكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو مرتبط بكتابه عن الطبيعة. ومن بوادر التغيّر التي بدأت تعصف ريحُه في الغرب رسالة البابا غريغوريوس التاسع إلى أساتذة كلية اللاهوت في باريس المؤرَّخة في السابع من الشهر السابع سنة 1228 إذ يذكّرهم بطبيعة العلم المقدّس (اللاهوت) ويحذرهم من الفلسفة وسوء استعمالها، فما الفلسفة إلا الوصيفة التي تقوم بخدمة اللاهوت أعظم العلوم وأشرفها. والخطر يكمن في قلب الأدوار وجعل الوصيفة سيدةَ سيدتِها. (فان ستينبرغن: الفلسفة في القرن الثالث عشر ص 100)
إن الرياح الجديدة التي عصفت في القرن الثالث عشر في الغرب لن تتوقف إلى يومنا، فرغم تحذير البابا ستجد الفلسفةُ والروحُ العلميّةُ من يدافعُ عنها من داخل الكنيسة أولاً ومن خارجها ثانياً، لتكسب الفلسفة استقلالها الذاتي عن اللاهوت ثم لتصبح هي نفسها ـ بعد أن خرجت من حجرها جميع العلوم التجريبية وتبعتها بعد ذلك العلوم الإنسانية ـ هدفَ أسهُمِ العلماءِ بعد أن حقق العلمُ بفضل التكنيك منجزات لم تعهدها البشرية في السابق.
ابن رشد يبدو رغم تأثيره الكبير في الحضارة الإنسانية يتيماً ضائعاً بين أهله الذين لم يهتموا سوى بهذا الاسم وما يمكن أن يجلب لهم من فخر لا يعبر إلا عن نفسيّة المقهور المحتاج إلى الثقة بالنفس. وغربٍ يحاول أن ينسى الجهد الرائع الذي قام به العرب في ميدان العلم حين يجعل من الحضارة العربية جزيرة نائيةً معزولة عن مسيرة الإنسانية يلعب التفكير الديني الدور الأول فيها. ليعترف بدَيْنِه نحو الحضارة اليونانية والحضارة الرومانية القديمتين والمسيحية فقط. والواقع غير ذلك كما سنرى من سياق هذا البحث. وليس أدل على نسيان الغرب لابن رشد من أن ريفو RIVAUD في كتابه عن تاريخ الفلسفة يقول حين يتعرّض للبحث عن العقل الفعّال لدى أرسطو بأن العرب لم يفهموا فيلسوف اليونان بل خلطوه بأفلاطونية حديثة ثم يخلص إلى تفسيره هو الذي يعتبره التفسير الصحيح لمفهوم فلسفة أرسطو، فإذا به يعرض من غير أن يدري تفسير ابن رشد وموقفَه. هذا التفسير الذي أثار الغرب طيلة قرون واضطر الكنيسة إلى إدانته أكثر من مرّة، وقد عُرِف هذا التفسير بنظرية وحدة النفوس le monopsychisme أو وحدة العقول.
قلت ذهب ابن رشد حاملاً سرّ حضارة العرب. سرّ ازدهارها الرائع وسرّ تخلّفنا من بعده ولاقى مصير اليتيم بين أهله: ترك لنا كنوزاً خشينا التمتّع بها وفضّلنا قنوع الزاهد المتعفّف وبقينا للآن تتنازعنا قوّتان لا نعرف التوفيق بينهما: إرادة الانطلاق نحو الآفاق البعيدة، وخوف العاجز المقهور المتردّد. هذا السرّ آن لنا أن نحاول اكتشافه لأننا بذلك فقط نحاول أن نفهم ذاتنا وما يجري الآن في عالمنا وأن نستفيد من مفكّر عربي كرّس حياته كلّها للعلم والتأمّل حتى أن بعض المؤرّخين يؤكّدون أنه لم يتوقّف عن الكتابة إلا ليلة زواجه وليلة وفاة والده.
هذا لمقال ليس إذاً بحثاً حول نقطة معيّنة من فلسفة ابن رشد، إنه محاولة لسؤال كل ما جرى له في أيامه ليلقي الضوء على الحضارة العربيّة وسرّ تقدّمها ثم سرّ تقهقهرها وبعد ذلك ينطلق رأساً إلى الغرب ليرى ما الذي حدث وما الذي جعل الغرب يتقدّم حين بدأنها بالتقهقر ليحاول في النهاية طرح السؤال. والآن ما العمل؟
ينطلق هذا البحث إذاً من ابن رشد ولكنه يتخطى إطار البحث الكلاسيكي ليسأل السؤال الوحيد الملحّ: من نحن، وما الذي يميّز حضارة الغرب عنا؟ بتعبير آخر طموح هذا المقال أن يحاول المساهمة في بناء مقارنة بين الحضارة العربيّة والحضارة الغربيّة، قد تساعد المواطن العربي على إلقاء الأضوار على ما يجري في عالمنا المتحرّك السريع. ولذا فإن أقسام هذا البحث تصبح التالية:
1ـ ما هو الموقف الصحيح الذي علينا أن نتّخذه من ابن رشد ومن التراث بشكل عام اليوم؟
2ـ كيف تفسِّر حياةُ ابن رشد ومؤلّفاتُه الحضارةَ العربيّة ونكستَها؟
3ـ ابن رشد في الغرب والأضواء التي يلقيها مصير فلسفته في أوروبا على الحضارة التكنيكيّة الغربية المعاصرة؟
4ـ كيف يمكن للعرب المساهمة في الحضارة الحاضرة؟
1ـ الموقف الصحيح من ابن رشد والتراث:
في كل إعادةِ تقييم للتراث ليصبح جزءاً من حياتنا الداخلية نحياه بعمق، هناك موقف أوّلي قد يكون ضرورة في مطلع الطريق، ولكنه لا يؤدي إلى مبتغاه، هذا الموقف هو موقف التغنّي بالماضي، وابن رشد كان قمّة في الفلسفة نستطيع فقط أن نتغنى في تأثيره، ونعت دانتي شاعر إيطاليا الكبير له بالشارح الأعظم، أو أن نشدد على أهميّة كتابه "الكلّيات في الطب"، فالطب العربي كان الطب الوحيد في أوروبا إلى عصرٍ ليس بالبعيد. أو أن نقول بأن جامعة باريس منذ تأسيسها في القرن الثالث عشر كان فيها تيار فكري رشدي يتزعمّه أساتة ذوي شهرة واسعة في ذلك الحين، إلا أن التغني بالماضي ليس إلا ضرورة نفسيّة للمخذول، وأنا لا أنكر أهميّة هذا الموقف نظراً لكل الإذلال والحيف اللذين تعرّض لهما العرب. إن الفخر بالماضي بما فيه من مساهمات حقيقيّة في العلوم لخدمة البشرية قد يساهم في إعادة لثقة بأنفسنا ولكن علينا اليوم الذهاب إلى أبعدَ من ذلك وتخطي هذه المرحلة إذا شئنا فهم أنفسنا فهماً حقيقياً يدفعنا إلى الأمام، فأهمّية الماضي تكون بقدر ما يمكنه من إلقاء الأضواء على الحاضر ليدفع بنا إلى المستقبل.
أما الموقف الثاني فهو موقفٌ رفضَ ابنَ رشد وكلَّ التراث بحجّة رفض كل الماضي لعقمه وعدم جدواه في حلّ المشاكل الراهنة الملحّة، ولأن الزمن تخطى كل ما جاء به العرب من جديد في العصر الوسيط. هذا الموقف ينسى أن كل أمة تنسى تاريخها وقيمها تدور على ذاتها بحلقة مفرغة لتنتهي حيث بدأت، فكما قيل : "الأمة التي تنسى تاريخها تضطر لإعادته". ونحن أمّة ما زالت تبحث عن ذاتها وعن دورها في هذا العالم المتغيّر ولن نفهم ذاتنا إلا إذا طرحنا الأسئلة عن ماضينا، فكثير من المشاكل التي نعاني منها اليوم سبق للعرب أن عرفوها ووجدوا لها الحلول المناسبة.
أما الموقف الصحيح فهو بنظري الموقف الذي يحاول تجاوز الحلّين السابقين، أي حل التغني وحل الرفض ليعود إلى الماضي لا ليتغنى به، بل ليمحّصه على ضوء المعطيات الحديثة ليحاول اكتشاف نقاط القوّة والانطلاق ونقاط الضعف.
مناظرة وهمية بين ابن رشد والحجر السماقي، القرن الرابع عش
هذا الموقف النقدي يستلزم دراية جيدة لا بوثائق الماضي فحسب، بل يستوجب كذلك الاطلاع على كل معطيات الحاضر: معطيات واقع العرب ومعطيات العلوم المعاصرة. فأخطر ما يتهدّد فلسفة ابن رشد والتراث العربي كله الحصر ببوتقة ضيّقة. فإن كنا اليوم في الغرب لا نفهم ديكارت مثلاً إلا على ضوء كل ما جرى لفكره في القرون الثلاثة التي أعقبت وفاته، فعلينا نحن أيضاً أن نحاول فهم ابن رشد مثلاً على ضوء كا ما جرى منذ وفاته إلى اليوم.

إن قيمة أي فكرٍ هي في النهاية مدى تأثيره في المستقبل، فكانط الألماني انتظر مائة سنة ـ وقد تنبّأ هو بذلك ـ قبل أن يصبح الفيلسوف الكبير الذي نعرفه اليوم. وفي الغرب أيضاً هناك تقييم جديد. هناك قراءة جديدة لكلّ المفكرين والأدباء من بعد كل جيل. فالأديب الكبير هو الذي تقرأه الأجيال قراءاتٍ متعدّدةً مختلفة، فهذا نيتشه مثلاً قُرِئ قراءة عنصريّة قبل الحرب الأخيرة وهو الآن يُقرَأ قراءة مغايرة تماماً. أما نحن فما زلنا نقرأ تراثنا قراءةً ثابيةً لا تعترف بالزمان ولا بالمكان.
إن الموقف النقدي الذي يحاول أن يلقي الأضواء على كل القوى المصارعة في عصرٍ من العصور وفي بلدٍ من البلدان هو الموقف الوحيد الذي يمكن أن يساهم في محاولة فهمنا لذاتنا وبالتالي يمكنه أن يفيدنا بحاضرنا.
2ـ كيف تفسّر حياةُ ابن رشد ومؤلّفاتُه الحضارةَ العربية ونكستها؟
ابن رشد كان حفيداً لفقيه من أكبر فقهاء الأندلس، وقد بدأ حياته الفلسفيّة حين قدّمه ابن طفيل إلى خليفة الموحّدين أبي يعقوب يوسف، وقد جاوز فيلسوفنا الأربعين عاماً. وكان الخليفة يرعى العلم ويحبّ الفلسفة ويطالع كتب أرسطو ويناقش ما استعصى عليه منها.
ويبدو أن هذا هو السبب الذي حمل ابن طفيل على تقديم ابن رشد إلى ملك الموحّدين، إذ بادره هذا الأخير في الجلسة الأولى بطرح السؤال حول قِدم العالم أو خلقِه، ونحن نعلم أن هذه المشكلة كانت موضع جدلٍ طويل بين الفلاسفة والمتكلّمين، وقد كفّر الغزالي الفلاسفة بسبب قولهم بقِدم العالم.

كان من الطبيعي إذاً أن يدرك ابن رشد حراجة الموقف فلا يعطي جواباً قد يجرّ عليه الويلات. ولكن وبعد أن طمأنه صديقُه ابن طفيل، وبعد أن لمس حبَّ الخليفة الحقيقي للمعرفة تجرّأ على الكلام، وقد أثمر هذا اللقاء عملاً جباراً قام به ابن رشد، إذ أخذ بعد ذلك في اختصار كتب أرسطو وشرحها شرحاً وافياً جملةً جملةً في معظم الأحيان.
المهمّ هنا أمران: الأول أن ابن رشد خاف، مما يدلّ على أن تعاطي الفلسفة لم يكن بالأمر السهل، بل كان محفوفاً بالمخاطر. الثاني أننا في حضرة خليفةٍ متسامحٍ يشجّع العلم ويحمي الفلاسفة، أي يؤمّن لهم جواً من الحرّية الفكريّة يتيح لهم الانطلاق في الابداع والعطاء. وعلى الأرجح أنه لولا تسامح أبي يعقوب هذا، لما استطاع ابن طفيل كتابة "حيّ بي يقظان" وأن يظلّ مقرّباً من الخليفة يحظى بصداقته، فهذا الكتاب فيه من الآراء السباقة ما يكفي لإحداث تحوّل فكريّ كامل. فاسبينوزا مثلاً دافع بعد خمسة قرونٍ عن مثل الآراء التي دافع عنها ابن طفيل في علاقة الدين بالفكر، فاضطُهِد وحُرِمَ ومُنِعَت كتبُه من التداول، وكان يهرّبها البحارة الهولنديون في سفنهم لنقلها إلى بقيّة أصقاع أوروبا. وقبل اسبينوزا بقرن أحدث تعليم الإيطالي بيترو بومبو نازي حول ما يُسمّى بالحقيقة المزدوجة ـ وهو ما نادى به عملياً ابن طفيل كما سنرى ـ ضجةً كبرى في الجامعات الأوروبية.
غير أن أبا يعقوب يوسف توفّي سنة 1184، وتوفّي بعده ابن طفيل سنة 1185.
خلف أبو يوسف الملقّب بالمنصور والدَه وسار في الطريق التي اختطّها سلفُه بتشجيع العلم وحماية العلماء. وبقي ابن رشد معزَّزاً مكرّماً يعمل كطبيب للخليفة متولّياً منصب قاضي القضاة مكملاً أبحاثه وشروحه. ودام الحال نحو عشرة أعوام، وحين قارب ابن رشد سن السبعين نُكِب وحوكِم واضطهِد ونُفي وأُذلّ وأُحرِقت كتبُه. فما الذي جرى بالضبط؟ ولماذا يُذلّ شيخ خدم خليفتين وتولّى أعلى المناصب في الدولة؟
تجب الإشارة هنا إلى أمرين: الأول أن ابن رشد لم يُحاكَم وحده، بل كانت معه مجموعة من الباحثين والعلماء. والثاني أننا لا نملك أيّ نصّ لوقائع المحاكمة، فلسنا ندري بالضبط التُهم التي وُجِّهت إلى فيلسوفنا وجماعته سوى التهمة العامّة، ولا ـ وهذا هو الأهم ـ كيف دافع ابن رشد عن نفسه وردّ التهم الموَجَّهة إليه. غير أنني يمكنني أن أتخيّله يقول ـ على الأقل في نفسه ـ إنكم لا تحاكمون شخصاً بل فكرةً ـ إنكم لا تدينون أفراداً بل تقضون على حضارة سبّاقة لأوانها، إنكم لا تذلونني بل تُذِلّون إنسانيّة بأسرها تاركينها للتخلّف العقلي إلى أجيالٍ طويلة، مريرة، إنكم لن تستطيعوا إماتتي، فلن تموت روحي إلا بموت الفلسفة. إنكم لن تحرقوا كتبي بل كنز العلم الذي يحرّر من ظلمات الجهل ليطلق العقل الخلاّق نحو آفاق الابداع غير المحدودة. أليس الراسخون في العلم هم الذين يعلمون الحقيقة، كل الحقيقة، حيق لا يبقى من سرٍّ أمام العقل؟
إن كنتم قد رفضتموني فإن أمماً غريبة عنكم وعني ستحمل المشعل لتكمل المسيرة.

ولنعد هنا إلى البحث عن أسباب نكبة ابن رشد، فقد ذكر المؤرخون العرب أسباباً كثيرة. يذكر إبن أبي أصيبعة منها سببين، الأول أنه حين كان يخاطب المنصور ـ يبحث معه في أمرٍ من الأمور ـ بقوله ـ إسمع يا أخي. أي أن ابن رشد لم يكن يُظهر الاحترام الواجب في حضرة الملوك، والسبب الثاني هو أن ابن رشد قد كتب: رأيت الزرافة عند ملك البربر، يقصد المنصور، وكان قصده أن يكتب ملك البرّين. إلا أن هذين السببين غير كافيين ولا مقنعين، لسبب بسيط هو أن المحاكمة العامة التي جرت بالمسجد الجامع الأعظم بقرطبة لم تكن لابن رشد وحده، بل شملت مجموعةً من الأعيان بينها القاضي والفقيه.
أما قول البعض بأن المنصور أراد استمالة رجال الدين بسبب حربه مع ألفونس ملك قشتالة، فنُكِبَ ابن رشد حامل مشعل الفلسفة، فقول يكذّبه المؤرخون، لأن إبن أبي أصيبعة نفسَه يؤكّد بأن المنصور، وهو متوجّه إلى غزو ألفونس، استدعى أبا الوليد بن رشد، فلما حضر عنده احترمه احتراماً كثيراً وقرّبه إليه".
أما السبب الحقيقي فلم يغب عن بال المؤرّخين العرب، وقد ذكره إبن أبي أصيبعة نفسُه، إذ ينسِب إلى المنصور قولَه أنه نقم على ابن رشد وجماعةٍ من الفضلاء الأعيان "بسبب ما يدعى فيهم أنهم مشتغلون بالحكمة وعلوم الأوائل".
بعد هذا العرض السريع، ما الذي يمكننا أن نستنتجه حول الحضارة العربيّة كلها؟
نحن من جهة أمام ملكٍ عربيّ متسامح شغوف بالعلم، وهو نفسه يأمر بنفي ابن رشد، طبيبه الخاص وقاضي قضاته، وحرق كتبه سوى كتب الحساب والطب، فكيف يمكن تفسير مثل هذا التناقض؟
إن التفسير الأول الذي قد يطرأ على الذهن هو التفسير الاقتصادي، وردّ التسامح وخلق مناخ الحوار بين مختلف التيارات إلى الازدهار المادّي وقوّة الدولة وشعورها بالطمأنينة. إن مثل هذا التفسير، رغم ما يمكن أن يلقيه من أضواء على تاريخ العرب الاقتصادي لا يفسّر كل شيء، ومثل المنصور هنا خير شاهدٍ على ذلك، فليس من الأكيد أن المعطيات الاقتصاديّة تغيّرت جذرياً في أقلَّ من عشر سنين.
وكذلك لو انتقلنا إلى بغداد لوجدنا أنه ليس من السهل ردّ محاربة المتوكّل للفلاسفة إلى أسبابٍ إقتصاديّة، فالانتقال من تشجيع العلوم وفتح الأبواب أمامها، ثم إلى محاربتها، كان يحدث خلال فترةٍ زمنيّةٍ قصيرة لا تسمح لتغيير المعطيات الاقتصاديّة البطيئة في تطورها.

فهذا الحكم الثاني في القرن العاشر في الأندلس جمع مكتبةً في قرطبة يؤكّد بعض المؤلّفين أن مجموع مخطوطاتها المختلفة وصلت إلى نحو أربعمائة ألف، ثم جاء خلفه المنصور الذي انتزع الخلافة من هشام بن الحكم فأمر بإحراق كتب الفلسفة ومعظم العلوم. ولم تمرَّ بعدُ فترةٌ زمنيّة تسمح بحدوث تغييراتٍ إقتصاديّة جذريّة.
أما التفسير الآخر فهو القول بأن الفرس كانوا وراء الحركة العلميّة وتشجيعها، في حين كان العرب يمثلون الخوف من علوم الأقدمين.
وهذا التفسير العنصري ابتدعه أرنست رينان في كتابه الشهير حول ابن رشد والرشديّة، والمنشور سنة 1852، فهو يقول بأن الفرس رغم اعتناقهم ديناً سامياً، إلا أن روحهم كشعبٍ هندي أوروبي طالبت بحقوقها في العقلانية ضد شاعريّة الشعوب الساميّة ـ لذا فقد كان المأمون ـ ممثّل الروح الفارسيّة ـ هو الذي أعطى الفلسفة حقّها. (رينان: ابن رشد والرشدية)
ليس أسهل من دحض مثل هذا التفسير، فعدا عنصريّته، فإن أرنست رينان مبتدعه يناقضه هو نفسه في كتابه ذاته، إذ يقول في الصفحة 43 أن الإسلام تحوّل إلى نوعٍ من التعصّب بعد ستة قرون أولى من حرية الاحتجاج. لأنه خرج من أيدي العرب إلى أيدي أممٍ متعصّبة، ويذكر بينها الفرس. فكيف يكون الفرس أمّةً متعصّبة في الصفحة 43 ثم يصبحون في صفحة أخرى رمز المناداة بالحرّية والعقلانيّة؟
الواقع أن كتاب رينان مليء بالتناقضات، ففيه جملٌ ترفع العرب كرمزٍ للعلم والتقدّم، وجُمَلٌ عنصريّة ضدّهم.
يبدو لي أن رينان الباحث لمس عظمة الحضارة العربيّة وتفوّقها على عصرها ومدى تأثيرها في تطوّر الغرب الفكري، فهو يستشهد مراراً بالتسامح الذي كانت تتّسم به، ولكن أرنست رينان الغربي العائش في القرن التاسع عشر في جوٍّ كان الفكر العنصري أحد مقوّماته، خجل من اكتشافه فراح يعتذر أمام قرّائه الأوروبيين. فكل ما في كتابه يناقض تماماً ما يقوله في مقدّمته من تهجّم وعنصريّة ضدّ العرب والساميين. بل إن المقدّمة نفسها هي تناقض في فقرة واحدة، فمن جهة يقول بأن الفلسفة العربية هي واقع عظيم في تاريخ الروح البشريّة..
"La philosophie arabe est un fait immense dans les annals de l'esprit humain.
ثم يكمل بعد ذلك الفقرة ليقول: هذا العنصر السامي (يقصد به العرب هنا) لم ينتج أقل كتاب فلسفي خاص به.
"cette race n'a pas produit le plus petit essais de philosophie qui lui soit proper"
فكيف يمكن الجمع بين مثل هذين القولين؟
وهناك شواهد كثيرة على فساد مثل هذا التأويل، فحركة النقل لم تبدأ مع المأمون، بل كانت قائمةً في عهد سلفيه وكذلك استمرّت في عهد الخليفتين اللذين جاءا بعده.
هل يريد أحدٌ إقناعنا بأن خليفةً كـ هرون الرشيد كان مغفّلاً إذ كان مطيّة للروح الفارسيّة التي تريد هدم الروح العربيّة؟ هذا عدا أن النقَلة كانوا بغالبيتهم من المسيحيين ونقلوا التراث اليوناني. وما نُقِلَ عن الفارسيّة لا يُقاسُ إطلاقاً بما نُقِل عن اليونانيّة.
ثم هذا هو الكندي أول فيلسوف عربي ينادي بالانفتاح على كل التيارات والعلوم والشعوب، إذ يقول في رسالته إلى المعتصم في الفلسفة الأولى:
"ينبغي لنا ألا نستحي من استحسان الحقّ من أين أتى. وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا. فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق. وليس ينبغي بخس الحقّ. ولا تصغير بقائله ولا بالآتي به ولا أحد بخس بالحق بل كان يشرّفه الحقُّ". (رسائل الكندي الفلسفيّة، تحقيق أبو ريدة، دار الفكر العربي، 1950، ص 103).
ونحن لو انتقلنا إلى الأندلس حيث لم يصل الفرس، لوجدنا الخليفة الأموي الحكم الثاني في القرن العاشر يجمع الكتب والترجمات من شتّى أقطار المعمورة، يشجّع كافّة العلو ويظهِر شغفاً غريباً بالآداب مما جعل الأندلس في عهده مركز إشعاعٍ حضاري حظي بإعجاب أرنست رينان نفسه.. وكذلك كان الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف مغرماً بالعلوم كما رأينا.
ولنعد إلى ابن رشد. ما الذي جعل الخليفة يكرمه ثم ينزل به النكبة؟
إن العنصر الاقتصادي كان يلعب دوره ولكنه ليس التفسير المقنع كما رأينا. وقصة الصراع بين العرب والفرس بالشكل الذي عرضه بها رينان ليست صحيحة، وهي هنا في الأندلس غير قائمة أصلاً. إن التفسير الأقرب إلى الحقيقة هو أن ظاهرةً جديدة حدثت في تاريخ البشرية بعد مجيء المسيحية والإسلام وهي وجود نصٍّ إلهي وتراث بشريّة علمي يتمثّل قبل كل شيء بالفلسفة اليونانيّة.
المسيحية في مطلع عهدها قامت بمحاولة توفيقٍ وتطويع للتراث اليوناني، وخاصة أفلاطون وأرسطو، فأخذت منه ما يتماشى مع تعاليمها واستعملته لخدمتها، وقد رأينا كيف أن يوحنا الدمشقي قال أننا نأخذ الجواهر من فكر القدماء ونلقي بالباقي في سلّة المهملات. وأصبح للمسيحيّة فيلسوفها ممثّلاً بأوغسطينوس.
الصدام بين فكر الشعوب القديمة وبين الدين الجديد لم يحدث إذاً في بيزنطة أو قُمِع. ومعظم الصدامات التي حدثت كانت داخل الكنيسة، بمعنى أنها كانت لاهوتيّة بحتة تدور بين اليعاقبة والنساطرة وغيرهم حول طبيعة المسيح، حتى أن بيزنطية أصبحت رمزاً للمجادلات اللاهوتية التي لا تنتهي.
مع مجيء الإسلام وفتح العرب لبلاد الشام ومصر، أصبح العرب ورثةً لبيزنطية في قسمٍ كبيرٍ من ديارها، وتغيّرت المعطيات تغيّراً جذريّاً، أولاً وقبل كل شيء بسبب روح التسامح الإسلامي والانفتاح العربي على كل ما هو جديد.فقد أظهر العرب قدرةً غريبة ليس في الفتح السريع فحسب، بل كذلك في التكيّف مع المعطيات الجديدة الملحّة، وبدون هذا التكيّف والانفتاح على الآخرين لأصبحوا مجرد غزاة ينهبون الخيرات ويرحلون. وقد ساعدهم على ذلك أن غالبيّة شعوب المنطقة المحيطة بالجزيرة كانت من العرب الذين سبقوهم في الخروج من شبه الجزيرة العربية. غير أنه ـ وهذا أمرٌ طبيعي ـ حدث إلى جانب هذا الانفتاح ـ وربما بسببه ـ تيار خائفٌ يخشى أن يكون علمُ الأقدمين البابَ الذي تنفذ منه الجاهلية الجديدة أو الوثنية القديمة إلى معقل الدين الجديد فتهيره من الداخل، وكان لا بدّ من الصراع، وهكذا فإن الحضارة العربية تبدو كوجود دائم لتيارين رئيسيين يمزقان النفس العربية ومن دون التوصّل إلى توافق يمزج بين النقيضين ليُخرِج منهما تركيباً جديداً.
وهذا التمزّق ما تزال آثارُه باقيةً في النفس العربية إلى اليوم. ولعل ما حدث لابن رشد مع المنصور خير دليل على ذلك. فابن رشد خاف في أول علاقته مع الخليفة من مجاهرته باشتغاله بالفلسفة ثم انطلق ـ حين لمس التشجيع ـ إلى النظر العقلي فأعطى ذلك العطاء الرائع، ولكنه وقبل أن يرحل عن هذا العالم بسلام، اضطهده من شجعه نفسه، وهكذا فالمنصور نفسه يمثل أروع ما وصلت إليه الحضارة العربية من تسامح وانفتاح وانطلاق، وفي الوقت ذاته يمثل التيار الخائف من هذه الانطلاقة.
الحضارة العربية هي إذاً تجاذب بين تيارين قويين: تيار العقل وتيار النقل.
تيار يعتقد بأن الحضارةَ انطلاقةٌ علمية دون قيد، وتيار يعتقد بأن الحضارة تمسك بالفضيلة والأخلاق والعودة إلى بساطة السلف.
تيار اتخذ من أرسطو شعاراً له، وتيار اعتبر أن كل من تمنطق تزندق.
تيار الفلاسفة من الكندي إلى الفارابي إلى أبي بكر الرازي إلى ابن سينا إلى ابن باجة وابن طفيل وابن رشد، وكل هؤلاء الفلاسفة من العلماء. وتيار الفقهاء ويمثل علماءُ الكلام الفئةَ المتقدّمة من الفقهاء، الفئة التي قبلت باللجوء إلى العقل والمنطق للنظر في القضايا الفلسفية المتصلة بالدين، لذا فمن غير الصحيح القول بأن التوفيق بين الدين والفلسفة كان المسألة الأولى لدى فلاسفة العرب، فهم حين كانوا يدخلون في جدل مع الفئة الثانية، كان همُّهم الدفاعَ عن حقهم في البحث الحر والنظر العقلي .. ولكن هذه النقطة خارج بحثنا هذا.
وإنه لمن السهل اكتشاف أثر هذين التيارين في نفوس العرب إلى اليوم، فنحن من ناحية معجبون مفتونون بالغرب وإنجازاته العلمية نطالب بنسف كل التقاليد، ومن ناحية ثانية وفي آن واحد ننظر إلى الغرب كرمز للانحلال الأخلاقي والعنف اللاإنساني. لم نستطع أن نتوصّل إلى حلٍّ يتخطّى الإعجاب والنفور.
ومن السهل إيراد الأمثلة للبرهان على أن الحضارة العربية هي حضارة التسامح وحضارة العلم والانطلاق، كما أنها حضارة رد فعل الخائف من هذه الانطلاقة. ونبدأ فنقول أن مقارنةً سريعة مع بيزنطية ترينا الفرق الكبير والتفوّق العربي بعد التفتح في مجال الفلسفة والعوم، والقسطنطينية ـ وهي الوريثة الشرعيّة لأثينا، وعاصمة الحضارة الهيلينيّة ـ لم تشهد أيَّ ازدهارٍ فلسفي أو علمي يُذكر طيلة القرون الوسطى. وقد باءت جميع محاولات إرجاع المجد لأفلاطون أو لأرسطو بالفشل. (فقد نعت البيزنطيون أفلاطون بالشيطان اليوناني، في حين سمّى العرب أرسطو "المعلم الأول". عن E. Berlier: histoire de la philo… )
والبيزنطيون ما كانوا يحتاجون لأي ترجمة، فالفلسفة كُتبت بلغتهم اليونانية، أما العرب فبفضل انفتاحهم على الآخرين أرسلوا الرسل إلى شتى أنحاء بيزنطية للتفتيش عن المخطوطات اليونانية لترجمتها، ولم تكن الظاهرة وليدةَ تشجيع الدولة فحسب، بل إن أُسَراً غنيّة كانت تصرف كذلك الذهب للمساهمة في حركة النقل، ولا يفعل ذلك سوى شعبٍ متعطّشٍ للعلم. فإن كان صحيحاً أن الحركة في بدايتها كانت مقصورة على ترجمة كتب الطب والحساب لأسبابٍ عمليّة أهمها الحاجة الملحّة إليها، فليس صحيحاً أنها قد بقيت في هذين المضمارين، والشغف الذي نلمسه في بغداد وفي قرطبة لاقتناء العلم والحثّ على طلبه لا يمكن أن تفسّرَه ضرورات الحياة المادّية وحدها. وليس أدلّ على ذلك من الحادثة التي يرويها ابن جلجل عن ترجمة كتاب الأدوية المفردة لديوسقوريدوس، فقد أهدى أمبراطور القسطنطينية نسخة أنيقة مصوّرة من هذا الكتاب إلى الخليفة الأموي عبد الرحمن الثالي، فطلب الخليفة استدعاء عالم من بيزيطية من أجل ترجمة أسماء النباتات التي لم يستطع أسطفان بن باسيل ترجمتها في بغداد، فأرسلت القسطنطينية راهباً وصل قرطبة في منتصف القرن العاشر، وهو لا يعلم العربية، فبدأ يعلّم اليونانية لبعض المسيحيين الذين يتقنون اللاتينية ليكونوا الواسطة بينه وبين العلماء العرب. (أنظر مقالة جورج حوراني...).
هذه الحادثة تدل على ما كان يتكلّفه العرب أحياناً من أجل ترجمة كتابٍ واحد أو تصحيح ترجمة سابقة. وكلنا يعرف مدى اهتمام المأمون بالعلم ومشاركته في مجادلة العلماء الذين فتح لهم جامعةً يمارسون فيها النظر بحرّية وفي بيت الحكمة الذي أطلق عليه المستشرق الفرنسي إيتيامبل اسم بيت التسامح.
والتسامح يشكّل إلى جانب الشغف بالعلم الميزة الثانية، بل الأولى للحضارة العربية، والأمثلة كثيرة، يكفي أن نذكر أن يوحنا بن ماسويه طبيب هرون الرشيد كان أول رئيس لبيت الحكمة أول جامعة وأعظمها في الإسلام العربي، وهذا يحي بن عديّ يجادل الكندي بكل حريّة في مسألة الثالوث وينتقد نظرية الأشاعرة في الكسب، ومع ذلك يحظى بالاحترام العلمي ويطلق عليه العرب لقب "المنطقي". (راجع الدكتور ماجد فخري: تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة الدكتور كمال اليازجي، ص 38 و ص 272ـ 273).
وقد تكون وثيقة عمر لبطريق القدس سفرونيوس أعظم وثيقة في التسامح الديني في تاريخ البشريّة (خصوصاً حين نعلم أنها تنتمي إلى القرن السابع، في حين أن الملك لويس الرابع عشر بعد ألف سنة من عمر، طرد جميع البروتستانت من فرنسا).
التسامح والحض على العلم ركيزتا الانطلاق نحو الابداع، تمتد جذورهما إلى الإسلام ذاته حين اعترف بالدينين الموحّدين اللذين سبقاه وحين حض على طلب العلم. وما الاجتهاد إلا القبول بالقياس وتحكيم الرأي. وهناك واقعة يستشهد بها ابن رشد جَدّ فيلسوفنا جرت للخليفة عمر، فقد وقع وباء في الشام وهو بعيد عنها، فاستشار المهاجرين والأنصار أيمضي إلى الشام أم لا؟ فوقع خلاف في الرأي واستشار مشايخ قريش فأشاروا بعدم الذهاب، وأمر هو بعدم الذهاب، فقال له عبيدة بن الجرّاح: "أفرارٌ من قدَر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدَر الله إلى قدَر الله" .. ويسوق ابن رشد هذه الواقعة ليؤكّد ضرورة تحكيم العقل والأخذ بالقياس.
قلت في مطلع هذا البحث أن قصدي ليس التغني بالتراث رغم غناه وسبقه في كثير من الميادين، ولكن الأهم هو الانطلاق مما جرى لابن رشد لنرى على ضوئه ذاتنا العربية المعاصرة. ويمكننا أن نقول أن الخليفة المنصور حين شجّع ابن رشد وترك المسيحيين واليهود يعيشون في كنف دولته، كان يمثّل التسامح العربي وحب المعرفة، ولكنه حين اتهم ابن رشد بالمروق على الدين لاشتغاله بعلوم الأوائل والفلسفة كان أيضاً يمثل الوجه الآخر لهذه الحضارة. الوجه الخائف من الانطلاق العلمي، وجه التزمت الديني، وحين أحرق كتب ابن رشد لم يكن أول مسؤول عربي يفعل ذلك، فقد رأينا أن المنصور الذي خلف الحكم الثاني قد أحرق جميع الكتب الفلسفيّة والعلمية عدا كتب الحساب والطب، فذهب تعب الحكم هباء.
وكذلك أمر الخليفة العباسي المستنجد بالله إحراق الكتب العلمية في بغداد سنة 1150 حتى أنه يمكننا أن نقول أن بغداد سقطت كعاصمة ثقافيّة في ذلك العام لا حين دخلها هولاكو سنة 1257، وكذلك يمكننا أن نقول أن المنصور حين أمر بإحراق كتب ابن رشد فقد سقطت الحضارة العربية في الأندلس في أواخر القرن الثاني عشر لا حين دخل الأسبان غرناطة سنة 1492.
وإن كان ابن رشد قد خاف من الاشتغال بالفلسفة في البدء، فقد خاف قبله ملك بن وهيب الأشبيلي "غير أن ملكاً لم يُتقيّد عنه إلا قليل في أوائل الصناعة الذهنية، ثم أضرب الرجل عن النظر ظاهراً في هذه العلوم وعن التكلّم فيها لما لحقه من المطالبة في دمه بسببها... وأقبل على العلوم الشرعية فرأس فيها أو زاحم ذلك" (ابن الإمام في الحديث عن صديقه ابن باجة. أنظر رسائل ابن باجة الإلهية، تحقيق ماجد فخري، دار النهار، سنة 1968، ص 176).

إن حرق الكتب في بغداد في منتصف القرن الثاني عشر، وحرق كتب ابن رشد في أواخر القرن ذاته، كان بدء نهاية الحضارة العربية ونقطة تحوّل هامة، فقد حُسم الصراع لصالح التيار المحافظ الخائف من الاشتغال بعلوم الأقدمين، فليس من المبالغة إذاً القول أن ضربةً قاضيةً وُجّهت للفلسفة العربية. وهناك من يعترض على هذا القول، فهنري كوربان، المستشرق الفرنسي يؤكّد أن الفلسفة أكملت مسيرتها بعد الغزالي في المشرق. والواقع أن التيار الديني من فقه وتصوّف هو الذي تابع طريقه. ولم يعد الاشتغال بالعلوم مسموحاً به سوى الاشتغال بالطب والحساب، ذلك أن هذين العلمين لم يتعرّضا لهجمة شرسة كالفلسفة والطبيعة، وذلك لأسبابٍ بيّنة. وسيبقى التصوّف له أركانه وكذلك الرياضيات. فنصير الدين الطوسي في القرن الثالث عشر، وقطب الدين الشيرازي في القرن الرابع عشر، وغيّاث الدين الكاشي صاحب مفتاح الحساب، والمارديني صاحب تحفة الألباب في علم الحساب في القرن الخامس عشر، والعاملي صاحب خلاصة الحساب في القرن السابع عشر سيكملون المسيرة العربية في الرياضيات. أما الفلسفة فانتهت وحدثت ردّة إصلاحية وحملة على العقلانيين يمثلّها خير تمثيل ابن تيمية (1262 ـ 1327) صاحب الرد على المناطقة وتلميذه ابن قيم الجوزيّة. وعلينا ألا ننسى أن ابن خلدون نفسه كان معادياً للفلسفة. كل هذا سيكون له أثر كبير وتغيير جذري في الحضارة العربية، فهي ستتخذ ابتداءً من القرن الثالث عشر وإلى يومنا هذا صفة المدافع عن القيم الأخلاقية وعن مناقب السلف الصالح، وجميع المحاولات لإدخال الفكر العلماني لن يُكتب لها النجاح، وعلينا أيضاً ألا ننسى أنه بعد القرن الثالث عشر خرج الأمر من أيدي العرب المسلمين إلى أيدي الأتراك والفرس.
قلت في مطلع هذا المقال أن ابن رشد ذهب حاملاً سرّ الحضارة العربية معه، وسرّ هذه الحضارة الأول أنه جاء بها التسامح، وذهب بها الخوف. بناها شغف العرب بالعلم وذهب بها التزمّت.
السرّ الثاني أنها كانت كلما انطلقت بتشجيع من الخليفة نفسه تحطّمت بعد ذلك في انطلاقتها لتعود إلى حيث كانت. الحكم يصرف الأموال ليبني أعظم مكتبة في عصره، ثم يخلفه من يهدم ما بناه السلف، ثم يأتي خليفة آخر فيعاود مسيرة الانطلاق، ليصطدم ثانية بالخوف من التحليق.. وهكذا تبدو هذه الحضارة حضارة الزمن المهشّم. الزمن الذي يدور على نفسه دون أن يتقدم، وإني لأتساءل إن كنا قد خرجنا حتى اليوم من الدوران في حلقة مفرغة.
غير أني أعتقد أن الأمر أعقد من ذلك، وأن جذوره العميقة في اللاوعي العربي.
إن الانطواء على الذات والخوف من التيارات الكثيرة التي تتصارع عالمنا، يعود إلى حاجة نفسيّة عميقة للتمسّك بقيمٍ ثابتة لا تذهب بها رياح التغيّر والتقلّب في عالمنا المتطوّر بسرعةٍ مذهلة. ولبيان كل عمق ما يفصل العرب عن الحضارة الغربية، لا بد أن نرى ما الذي جرى في الغرب ابتداءً من القرن الثالث عشر، إذ في ذلك القرن افترقنا: نحن أحرقنا كتب ابن رشد.. وهم جعلوا منها رمزاً لحرّية الفكر ولاستقلال الفلسفة عن اللاهوت. نحن "تُبنا"عن الفلسفة وسِرنا على خطى بيزنطية التي سمّت أفلاطون "الشيطان الهيليني" أما في الغرب فقد بدأت الفلسفة تشقّ طريقها لتبني حضارة جديدةً .. وهذا يقودنا إلى النقطة التالية من بحثنا.
3ـ ابن رشد في الغرب والأضواء التي يلقيها مصير فلسفته على الحضارة التكنيكية المعاصرة:
يُعتبر القرن الثالث عشر قرن تأسيس الجامعات في أوروبا، وهو عصر انطلاقة جديدة للفلسفة هناك. فهو عصر البير الكبير وتوما الأكويني، ولقد كانت فلسفة ابن رشد المحور الرئيسي الذي تدور حوله الصراعات الميتافيزيقية، فلقد تُرجِمت كتبُه بعد وفاته بقليل، وبدأت شروحه لأرسطو تصل على دفعات حتى تكوَّن في منتصف القرن تيّار عُرِف بالرشديّة. ودانتي أليغيري مؤلّف الكوميديا الإلهية ما بين 1299 و 1314 شهد الصراع وأخذ منه موقفاً حين وصف ابن رشد بالشارح الكبير.
كان أرنست رينان أول من نبّه في منتصف القرن الماضي على وجود التيار الرشدي هذا. ثم تبعه ماندونيه فالأسقف جربمان والأب ستينبرغن وغيرهم كثيرون.
ونوجز فنقول بأن الصراع كان يدور في جامعة باريس، وقد حدثت بلبلة كبيرة في صفوف أساتذتها، فمع منتصف القرن الثالث عشر كان هناك ثلاثة تيارات تتنازع القرن: تيار محافظ سمّاه ستينبرغن التيار المسيحي المتطرّف، ثم عاد عن هذه التسمية، وهذا التيار هو تيار التمسّك باللاهوت ورفض أرسطو ولو بصورة غير مباشرة. ورفضَ شارحُه الأكبر ابن رشد جملة وتفصيلا، وكان هذا التيار غالباً لدى الرهبنة الفرسسكانية ويمثله القديس بونافونتور، وقد وجد ملاذه في فلسفة القديس الإفريقي أوغسطينوس.
أما التيار الثاني فهو تيار اللاهوت العقلاني الذي يعترف بسلطة أرسطو ولكنه لا يأخذ من الشارح إلا ما يتماشى مع تعاليم الكنيسة الكاثوليكيّة، ويتمثّل هذا التيار بألبيرالكبير وتلميذه توما الأكويني الذي يصف ابن رشد بالمحرِّف .. رغم استفادته منه أحياناً (بين الخمسة براهين لوجود الله لدى توما الأكويني برهان اقتبسه من ابن رشد، وهو برهان دليل العناية، ويشكل البرهان الخامس والأخير، وهو القول بأن كل الأشياء تسير نحو غاية تحققها في هذا العالم، ثم يقول ابن رشد ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق.. ويكرّر توما نفس الأقوال).
أما التيار الأخير فهو التيار المعجَب بأرسطو والقابل لشارحه، وإن عارضت تعاليمُهما آراء الكنيسة الغربية، وهو التيار المنادي باستقلالية الفلسفة عن اللاهوت. أي أنه التيار العقلي وقد تمثّل بـ سيجر الباربنتي وبويسيوس الدانمركي، وهو الذي أطلق عليه توما الأكويني نفسه اسم تيار الرشديّة في كتابه حول وحدة العقل الذي كتبه ضد سيجر نفسه.
جميع المؤرّخين يطلقون على هذا التيار اسم الرشدية اللاتينية ويبدي فان ستينبرغن بعض التحفظات على التسمية في كتابه حول الفلسفة في القرن الثالث عشر المنشور سنة 1966، ولكنه لا يختلف على المحتوى. وكما نرى فإن الموقف من شرح ابن رشد هو الذي كان المحور، ويصبح ابن رشد شيئاً فشيئاً رمزاً للتيار التحرري، وستُنسَج حوله الأساطير وسيصبح رمزاً للعرب وتحررهم الفكري في أوروبا، في حين أن العرب في ذلك الحين كانوا قد قضوا على التيار الفلسفي نهائياً.
المهم أن ابن رشد لم يكن رمزاً للإلحاد في الغرب كما ظن بعض مؤرّخي الفلسفة العربية. على الأقل ليس بالنسبة لفلاسفة القرن الثالث عشر، وسنبرهن على ذلك.
مؤرّخو الفلسفة العربية احتموا معظم الأحيان وراء القول بأن الغرب حرّف فلسفة ابن رشد ولم يفهمها، فالرشديّة اللاتينية إذاً لا تخصّهم.
إن مثل هذا القول سريع ولا يستفيد من الوثائق التي تُنشر باستمرار في أوروبا، فهناك مراجعة شاملة لهذا القرن يجريها المتخصصون في العصر الوسيط، وقد قامت مراكز للأبحاث لمراجعة جميع المعلومات المتعلّقة بهذه الحقبة في أوروبا وأمريكا وهمّها دراسة أرسطو طاليس اللاتيني وابن رشد اللاتيني وابن سينا اللاتيني. (راجع كتاب فان ستينبرغن المذكور ص 30ـ 31). والغريب في الأمر أن العرب لا يبدون الاهتمام في هذا الموضوع وكأن الأمر لا يعنيهم.
الصراع داخل كلية الفنون في باريس بلغ أشده بين الأساتذة سنة 1270، فكتب توما الأكويني كتابه حول وحدة العقل ضد الرشدية الباريسية، وردّ عليه ممثّل الرشديّة سيجر بكتاب حول الموضوع ذاته. ومع أن سيجر كان شاباً، وكان تيارُه يمثّل أقلّية، إلا أنه كان يحظى بتأييد الكثير من الجيل الطالع. وقد خافت الكنيسة الكاثوليكية من التيار الجديد ومما جرّه من احتدام في داخلها. (لا ننسَ أن جميع الأساتذة كانوا من رجال الدين)، فمَنعت أولاً تدريس كتب أرسطو الطبيعية، ومنها كتاب الميتافيزيقا، ثم كلّف البابا البير الكبير بالرد على الرشديّة، ولكن كل ذلك لم يمنع التصادم، فاضطرّت في العاشر من ديسمبر سنة 1270 إلى إدانة الرشديّة بواسطة ممثلها في باريس المفتّش إيتيان تامبلييه Etienne Templier .. وقد نشر ماندونيه باللاتينية سنة 1899 في الجزء الأول من كتابه حول سيجر والرشديّة اللاتينية النص الحرفي لهذه الإدانة التي تناولت ثلاثة عشر رأياً خاطئاً، وهذا هو نصّ الإدانة؟
"إن الأخطاء التالية قد أدانها صاحبُ النيافة أتيان (أستفانوس)، أسقف باريس وألقى الحرمان عليها وعلى كل من يعلّمها عن قصدٍ أو يؤيّدها، [وتمّ ذلك] في سنة 1270 يوم الأربعاء بعد عيد الطوباوي نيقولاوس:
1ـ بأن عقل جميع الناس واحد وهو واحد بالعدد.
2ـ بأن من الخطأ أو سوء التعبير القول بأن الإنسان يعقل.
3ـ بأن الإرادة البشريّة لا تريد ولا تختار إلا تحت تأثير الضرورة.
4ـ كل ما يجري في عالمنا السفلي هذا يخضع وجوباً لتأثير الأجرام السماويّة.
5ـ بأن العالم قديم.
6ـ بأن ليس هناك من إنسانٍ أوّل.
7ـ بأن النفس التي هي صورة الجسد تفنى بفناء الجسد (تفسد بفساد الجسد).
8ـ بأن النفس المفارقة بعد الموت لا تنفعل بنارٍ مجسّمة.
9ـ بأن حرّية الاختيار هي قوّة منفعلة (سلبية) لا فاعلة، وبأنها تحرّكها ضرورة النفس النزوعيّة.
10ـ بأن الله لا يعلم الجزئيات.
11ـ بأن الله لا يعلم إلا ذاته.
12ـ بأن أعمال البشر ليست خاضعة للعناية الإلهية.
13ـ بأن الله لا يستطيع أن يمنح الخلود أو عدم الفساد للأشياء الفاسدة والفانية.
(أنظر كتاب ماندونيه، الأستاذ في جامعة فربورغ في سويسرا، ص 111).
هذه هي إذاً الآراء الرشديّة أو على الأقل الآراء الت قال بها ابن رشد حين شرح أرسطو، فالكثير من هذه الآراء آتٍ من أرسطو ذاته كما لا يخفى على أيّ مطّلع على تاريخ الفلسفة.
يؤكّد ماندونيه بأن هذه الآراء كانت تمثل جوهر التعليم الرشدي في جامعة باريس، أي نظريات أرسطو التي حرّفها ابن رشد. (أنظر المصدر السابق ذاته ص 111).
هل هذه الآراء قال بها ابن رشد حقاً أم أننا مرّة ثانية أمام تحريف؟
إن البتّ في الأمر ليس سهلاً. فابن رشد حرّر حسب قول المؤرّخين عشرة آلاف ورقة، ونحن لم ننشر له بالعربيّة أكثر من ألف ورقة.
معظم شروحه الطويلة موجودة في اللاتينية، وهي إما فُقِدت وإما لم تُنشَر بالعربيّة.
على كلّ حال يمكننا بما نملك من معلومات حاليّة أن نحاول الإجابة عن سؤالنا، فبعض المقولات المدانة هنا ليست لابن رشد وحده، وقد قال بها غيرُه من فلاسفة العرب تحت تأثير أرسطو، مثل أن الله لا يعلم إلا ذاته وأنه لا يعلم الجزئيات. وإنكار العناية الإلهية ليس سوى نتيجة حتميّة لعدم معرفة الخالق بالجزئيات.
المهم هنا أن ابن رشد لم يُتّهَم بالكفر بل بإساءة شرح أرسطو. ومن الجمل التي أدانتها الكنيسة الكاثوليكية جملتان هامّتان تشكّلان عنصرين أساسيّين من الرشديّة اللاتينيّة، وهما الجملة الأولى والجملة الخامسة. فالقول بوحدة النفوس أو وحدة العقول وبقِدَم العالم وبالحقيقة المزدوجة تشكّل النظريّات الثلاث التي ارتكزت عليها الرشديّة اللاتينيّة في أوروبا. نظريّة ازدواجيّة الحقيقة لن تظهر إلا مع بومبونازي في القرن السادس عشر.
ومن الواضح أن النظريّة الرشديّة التي ضايقت الكنيسة أكثر شيء وكانت محور الخلاف بين توما الأكويني وسيجر هي نظريّة وحدة النفوس. لذا فإنها كانت أوّل نظريّة أُدينت.
فالكنيسة شعرت بنتائجها المخيفة، فهي نظريّة كفيلة بأن تكون وراء تيّار مادّي شامل لأنها حين تجعل للبشريّة كلها عقلاً واحداً تنفي الخلود الفردي لتُبقي الخلود للجنس البشري بأكمله، وقد شرح مونك في القرن الماضي هذه النظرية حين تكلّم عن ابن رشد (أنظر كتابه مزيج من الفلسفة العربية واليهودية، المقالة عن ابن رشد).
عبد الرحمن بدوي:
بعض العرب يشككون في صحّة نسبة هذه النظريّة إلى ابن رشد، فقد قال عبد الرحمن بدوي: "هناك مبدأ آخر نسبَه خطأً إلى ابن رشد فلاسفةُ العصر الوسيط، وهو مبدأ وحدة العقول الذي يتضمّن إنكار خلود النفس. إن كون العقل الفعّال واحد، هذا ما يسلّم به كلّ الفلاسفة المسلمين: الفارابي وابن سينا وابن طفيل وابن باجة. أما أنّ العقل الخاص بكلّ إنسان هو واحد بالعدد لدى جميع الناس فهذا ما لم أجده صريحاً في أيّ نصٍّ لابن رشد. السكولاستيكيون اللاتينيون نسبوا هذا المبدأ إلى ابن رشد دون أن يقولوا لنا أين عثروا عليه ولا بأية صيغة". (هذه ترجمة حرفيّة لما كتبه بدوي بالفرنسيّة في كتاب تاريخ الفلسفة، الجزء الثاني، بإشراف شاتليه ص 142).
ومقالة الأستاذ عبد الرحمن بدوي تستدعي عدّة ملاحظات: أولاً أن الأمر لا يتعلّق بالعقل الفعّال، وقد شدّد فان ستينبرغن على هذه النقطة في كتابه الآنف الذكر والصادر في لوفان في بلجيكا سنة 1966، وقد عاب على الكثيرين ومن بينهم رينان وأتيان جلسون الوقوع في مثل هذا الخطأ. (أنظر ص 366ـ 367).
ثانياً، إن فلاسفة العصر الوسيط في الغرب قالوا أين وجدوا هذه النظريّة، فقد نشر سنة 1908 مادونيه الجزء الثاني من كتابه حول سيجر ويحتوي هذا الجزء على نصوص لاتينيّة لم تكن قد نُشِرت سابقاً ومن بينها كتاب لـ (جيل الروماني) Gilles de Romme وعنوان هذا الكتاب: رسالة حول أخطاء الفلاسفة أرسطو وابن رشد وابن سينا والغزالي والكندي وابن ميمون.
ويبدو أن هذا الكتاب ألّفه صاحبُه حوالي سنة 1270 وفيه يذكر حين يأتي إلى أخطاء ابن رشد، ويصل إلى الخطأ الحادي عشر بأن نظريّة وحدة العقول قالها ابن رشد في الكتاب الثالث من كتاب النفس.
والواقع أن الأستاذ الأهواني نشر في القاهرة سنة 1950 تلخيص كتاب النفس لابن رشد، ولكننا لم ننشر في العربية شرح كتاب النفس وهو الأهم، ففي التلخيص كان ابن رشد ما يزال معجباً بابن باجة، أما في الشرح فقد غيّر رأيه على ما يبدو. وإذا لم نجد النص العربي فلا بدّ من العودة إلى الترجمة اللاتينيّة قبل أن نجزم بأن مبدأ وحدة النفوس أو العقول نُسِبَ خطأً إلى ابن رشد. والواقع أن ابن باجة كان قد قال بمبدأ وحدة العقول ولكن على طريقةٍ أصيلة مغايرة لابن رشد، وقد بيّنا هذا في دراستنا حول ابن باجة.
أما الشق الثاني للرشديّة اللاتينيّة فهو القول بقِدَم العالَم، والواقع أن لابن رشد نظريّةً أصيلة حول الموضوع جمعت بين الخلق وقِدم العالم وليس هنا مجال بحثها. المهم أن الأوروبيين لم يخطئوا حين رأوْا ابنَ رشد مدافعاً عن هذا المبدأ الأرسطوطاليسي.
أما الشق الثالث فهو مبدأ الحقيقة المزدوجة وقد أكّد الأسقف مارتين جربمان في كتابه حول "الرشدية اللاتينيّة في القرن الثالث عشر وموقفها من النظريّة المسيحيّة للعالم" بأن هذا المبدأ لم يظهر إلا في القرن السادس عشر مع بومبونازي.
ومبدأ الحقيقة المزدوجة: حقيقة دينيّة وحققة فلسفيّة يمكن أن يُستشَفّ من أقوال ابن رشد أو مما قاله ابن رشد عن ابن طفيل الذي عبّر عن هذا المبدأ خير تعبير في قصّته "حيّ بن يقظان". ويبدو أنه عن طريق ابن رشد قد عرف الأوروبيون ابن باجة ابن طفيل دون أن يعرفوا النصّ الأصلي لمؤلّفات هذين الفيلسوفين.

خلاصة القول أن قولنا بأن الغربيين لم يعرفوا ابن رشد الحقيقي لا يستند إلى دليل قاطع، وأخشى أن يكون العكس هو الصحيح. المهم أن آراء ابن رشد كانت وراء التيار العقلاني الذي أحدث تغييراً شاملاً في معطيات الحضارة الغربية، ورغم إدانة سنة 1270 فقد استمرّ التيار مما اضطُرّ الكنيسة إلى نشر إدانةٍ ثانية سنة 1277 لم تتناول آراء ابن رشد وحدها هذه المرّة بل شملت حتى آراء التيار اللاهوتي العقلاني المتمثّل بتوما الأكويني.
واستُدعِيَ سيجر إلى روما ومُنِع من التدريس كعقاب له، وهو ما زال في مقتبل العمر. ولكن هل استطاعت الكنيسة الكاثوليكيّة توجيه ضربةٍ قاضية للتيار المطالِب باستقلاليّة الفلسفة؟
لا. لأن المعركة نُقِلَت من باريس إلى أكسفورد وبدأت الاضطرابات هناك، ثم انتقلت المعركة من أكسفورد إلى شمالي إيطاليا، وعلى الأخص إلى جامعة بادوا، وهناك عاشت المدرسة الرشديّة إلى القرن السابع عشر، وبرز في القرن الرابع عشر تاديو دا بارما Tadeo da Parma (أنظر جربمان: المصنّف المذكور ص 80)، وفي عصر النهضة برز بمبونازي (1462ـ 1525) الذي سبق ذكرُه، وقد استفاد هذا الأخير من أن جامعة بادوا كانت تتبع جمهوريّة البندقيّة مما جعلها تتمتّع بالحرّية، فحكّام البندقيّة كانوا يحمون البندقيّة كما كانوا يحمون المفكّرين من محاكم تفتيش الكنيسة.
وقد كتب بومبونازي هذا كتاباً حول خلود النفس حاول فيه أن يرسم مثلاً أعلى للحياة البشريّة بمعزل عن أية إشارةٍ إلى الماورائيات. (أنظر كتاب برييه في تاريخ الفلسفة، المجلد الأول، الجزء الثالث، ص ص 671ـ 672)، وكان آخر الرشديين في بادوا كرامونيني 1550ـ 1631) الذي تعرّض لتحقيق من روما بسبب آرائه الجريئة. ولكن يبدو أن أعظم فلاسفة جامعة بادوا هو مارسيل دي بادوا مؤلّف كتاب "المدافع عن السّلم" سنة 1324، وكان هذا المؤلّف منسيّاً حتى نشرت له مؤخّراً دار فران في باريس كتابه هذا، فإذا به أول منظّرٍ للدولة العلمانيّة في الغرب..
(أنظر Marsile de Padoue .. وكذلك J. Quillet .. وكذلك كتاب بيير بييدار حول تاريخ الكنيسة الكاثوليكيّة..).
مؤيّدو الرشديّة طالبوا بالعلنيّة منذ القرون الوسطى في الغرب، ولم ينفع الكنيسةَ الغربية منعٌ أو تهديد، فإن التيار العلمي العقلاني كان قويّاً. وفي كلّ مرّة كانت الكنيسة الكاثوليكيّة تتنازل لصالح ما كانت تحاربُه: مَنعت أولاً كتب أرسطو الطبيعيّة ثم سَمحت بها. ألقت الحرمان على آراء توما الأكويني ثمّ كرّسته بعد ذلك قدّيساً.. وقفت إلى جانب اللاهوت ضد الفلسفة ثم تنازلت، سجنت غاليليو ثم تراجعت.. وسيظل تاريخ الحضارة الغربية تاريخَ هذا الصراع المستمرّ المحسوم دوماً بتراجع من الكنيسة الكاثوليكية لصالح ما كان قد أدانته، وسيستمرّ الحال حتى القرن العشرين. فبعض كتب برغسون الفيلسوف الروحي قد مُنِعت إلى أن أزال مجمع الفاتيكان الثاني كتب المنع وأطلق رياح حركةٍ جديدة.
وليس من المستغرَب والحال كذلك أن تكون إحدى مطالب إعلان حقوق الإنسان والمواطن أيام الثورة الفرنسية عدم التعرّض لأيّ كان لآرائه حتى الدينية.
هذا الصراع بين المقدّس والأرض سيطبع الحضارة الغربية بأسرها إلى يومنا هذا، إذ تبدو وكأنها محاولةٌ دائمة للتخلّص من الدين المسيحي، فلا عجب إذاً إذا كان 62% من الفرنسيين في هذا العام يجهلون ما معنى يوم الجمعة العظيمة، وكانت عطلة الفصح تعني لهم قبل كل شيء عرقلة السير والازدحام (استقصاء نشرته مؤخّراً جريدة باريسيّة). وما الحضارة التكنيكيّة الحاليّة سوى حضارة كبرياء الإنسان وإخضاعه الطبيعة لإرادته.
حين نُقِل الفكر الإغريقي مع شرح ابن رشد إلى الغرب حدث الصدام الذي عرفه العرب بين نَصّ وحي وبين نصّ وثني، ولكن المعطيات تغيّرت، ففي الغرب نحن أمام شعوب جديدة غزت روما وما تزال تتدفّق طاقةً، وكنيسةٍ تهيمن على التعليم وتمثّل السلطة الدينيّة العليا والمرجع الأخير. وظاهرة وجود الكنيسة في الغرب وعدم وجودها في الإسلام لم تُدرَس كما يجب وإن أشار إليها البعض إشارةً عابرة، وسأحاول بموضوعيّة الباحث وبقدر الإمكان إظهار النتائج.
النتيجة الأولى لعدم وجود ظاهرة الكنيسة بشكلها الغربي في الإسلام كانت أنها جنّبت الدولة الإسلاميّة الصراع الذي نشب باستمرار بين البابا والأمبراطور لحكم العالم، فصراع البابا بونيفاس السابع مع فيليب الجميل، والبابا غريغوريوس السابع مع هنري الرابع، والبابا الاسكندر الثالث مع فريدريك بربروس ذي اللحية الصهباء، والبابا غريغوريوس العاشر مع فريدريك الثاني معروفة. (أنظر كتاب المؤرّخ بييرير المذكور سابقاً، ص 44).
وتختصر هذا الوضع جملة فيليب أغسطس حين قال: "ما أسعد صلاح الدين.. فليس عنده بابا". (رينان: المصنف المذكور، ص 223). وقد رأينا أنه لولا حماية جمهوريّة البندقيّة لما استطاع بعض الفلاسفة النجاة من الحرمان.
أما النتيجة الثانية الهامّة على الصعيد الفكري فهو أن دور الزمن اختلف اختلافاً جذرياً بين الحضارتين العربية والغربية، ففي الحضارة العربية كان كل شيء يتوقف على الخليفة نفسه، فإما أن يشجّع الانطلاقة العلميّة أو يوقفها، وهذا ما أدّى بالحضارة العربيّة لأن تصبح حضارة تعود أحياناً من حيث بدأت، وما زال دور الفرد كحاكم يلعب دوراً هاماً، في حين أن الزمن كان يلعب دوراً تراكميّاً في الغرب، فما قبلت به الكنيسة الغربية كان يصبح أمراً مكتسباً لا رجوع عنه في معظم الأحيان. التيار يضغط والكنيسة تتنازل. علاقةٌ جدليّة بين معطيات العصر ومتطلباته وبين تكيّف الكنيسة الغربية معها. الحضارة الغربية هي إذاً حضارة تراكميّة منذ سبعة قرون على الأقلّ.
4ـ كيف يمكن للعرب المساهمة في الحضارة الحاضرة؟
إن كانت الحضارة التكنيكية هي وليدة صراعٍ مرير، وإن كان التقدّم هو وليد تراكم زمني، فإن التخلّف هو وليد زمن متراكم لا يتحرّك. والواقع أن العرب منذ إحراق كتب ابن رشد حاولوا الرجوع إلى حصنٍ منيع من الأخلاق يبحثون فيه عن قيَمٍ لا يغيّرها الزمان، وكانت معظم محاولات الإصلاح محاولات إصلاح دينيّ يخاطب الفرد ويحاول دلَّه على طريق الصلاح، وكان شعارهم دائماً قول الشاعر:
"إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا".
إن التمسّك بالفضيلة ظلَّ شعارَنا.. وآمل ألا أشتط على الواقع ـ ذلك أني قبل كل شيء أبحث عن حقيقة ذاتي كعربي ـ حين أقول أن نوعاً من الإيديولوجيا غير المعلَنة يسيطر على العالم العربي. هذه الأيديولوجيا تقول ببساطة: إن الغرب هو رمز الانحلال، والمعسكر الشرقي ملحد.. فنبقى نحن إذاً رمز الإيمان والفضائل.
ولي بعض الملاحظات: هل تعني الحضارة الأخلاق؟
لقد كتب أحد الكتّاب مؤخّراً مقالاً في جريدة اللوموند الفرنسيّة يتعجّب كيف أن الأخلاق لم تتقدّم في الغرب منذ قرنين على الأقل.
والواقع أن لكل حضارة جرائمَها الخاصّة بها. ومع احترامي لكل مثَلٍ نبيل ـ والعرب يريدون دوماً أن يضربوا المثل بالنبل والمروءة، وقد لقّنوا العالم دروساً في هذا المضمار، لعلّ أشهرَها ما فعله صلاح الدين حين فتح القدس ولم يسفِك الدماء، غير أني أقول ـ ما دام البحث يدور حول ابن رشد ـ أن هناك لوحةً تعود للقرن الخامس عشر رسمها الإيطالي غوزولي اسمها انتصار توما الأكويني، وتمثّل هذا الأخير منتصراً وإلى جانبيه أفلاطون وأرسطو، وتحت قدميه ابن رشد شاغل الغرب وأحد أسس حضارته.
ولكيلا تبقى هذه اللوحة رمزاً لواقعٍ مرير لا بدّ من إطلاق العقل العربي من كلّ قيوده. وكذلك أحبّ أن أشدّد على أن أحد مظاهر الحضارة هو التقدّم في عصر التكنولوجيا ـ [وهي] مفهوم مادي بمعنى أنه يخلّف وراءه معطياتٍ مجسّمةً قابلةً للاستعمال. والحضارة بهذا الصدد تعني تكيّف الانسان بالمعطيات الجديدة والتغلّب على التحدّيات التي تواجهه.
هل معنى ذلك أن علينا نقل مادّية الغرب مع تكنولوجيّته؟
لا. فكلٌّ يتكيّف بطريقته. والحضارة الأصيلة هي التي تشقّ طريقاً أصيلةً لهذا التكيّف.
والأصالة لا تتفجّر [إلا] "من ينبوعٍ فُتِحت أمامه الآفاق، لا سُدَّت بوجهه الطرق". لذا فكيلا يبقى ابن رشد يتيماً بين غربٍ استفاد منه إلى أقصى ما يستطيع الفكر أن يستفيد، ثم رمى به إلى بحيرة النسيان، وبين أمّةٍ عربيّة دفَنَتْهُ دون أن تذرف دمعةَ تحسّر على خسارة هذا العقل الجبّار، وكيلا نحرق كتب ابن رشد في الساحة العامّة من جديد ونرقص على نيرانها فرحاً وطرباً، علينا أن نطلق العقل العربي الخلاّق من كل قيود التزمّت ومن غبار سبعة قرونٍ من التخلّف والخوف من كلّ جديد.
إن حرّية الكلمة التي كرّس لها ابن رشد كلَّ عمرِه المديد, ودفع ثمنها غالياً من الذلّ والإهانة وهو في أواخر شيخوخته، والتي انتصرت في الغرب بعد قرون من الصراع مع الخوف من كل علم واكتشاف لتنتج الحضارة التكنولوجيّة المعاصرة، يجب أن تصبح (حريّة الكلمة) المحرّكَ االأول الذي يمدّ كلَّ إنسانٍ عربيّ بدمٍ جديد لمواجهة تحديات العصر بعقلٍ متفتّح [...] نابذٍ لكل ما يُنسَج من أساطير، متغلّبٍ على ردّة فعل الخائف العاجز المسحوق الذي لا يجد ملاذاً إلا في ركنٍ معتم منزوٍ من ماضٍ يضيئه خيالُه المريض، بعد أن عطّل السحقُ والقهرُ والبؤسُ عقلَه عن الانطلاق نحو آفاقِ الخلقِ والابداع.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا