ميغيل بارسلو في ظل بيكاسو

12:24:00 م


باريس - أسعد عرابي (الحياة)
كيف نقرأ تأثير تجارب بابلو بيكاسو في أعمال فنانين لاحقين؟ ها هو الإسباني الكتالوني ميغيل بارسلو، وبعد المعرضين الاستعاديين للألماني كييفر في باريس، يحل محله مباشرة في بانورامية ثنائية أيضاً لمعرضين نظيرين بين جدران متحف بيكاسو بأعمال بارسلو التصويرية والقريب بعضها من جنون أعمال بيكاسو، في تطويع مواد بحالة عطالة لا تقبل الجمع بخاصة في مرحلة الملصقات مع براك وفي مصبوبات النحت البرونزي أو الندرة من اللوحات السوريالية بملصقات الرمل والخشب والتربة.
هو ما يبرر عرض لوحات بارسلو في مضافة متحف بيكاسو. وبالعكس، فإن المعرض الاستعادي الثاني أقل تنوعاً لأنه يقتصر على التجارب الطباعية (الحفر على المعدن)، تقترب بدورها من نظائرها عند بيكاسو، تعانقها صالات عروض المكتبة الوطنية الفرنسية المعروفة باسم صاحب مشروعها الرئيس ميتران، يستمر معرض متحف بيكاسو حتى أواخر تموز (يوليو) في حين أن معرض المكتبة الوطنية يستمر حتى الخريف.
من الصعب فصل المعرضين، ما خلا من ناحية تعقد تقنية وملصقات الأول ومواده الكونيّة والعودة في الحفر إلى الأصول المعروفة، يؤكد الفنان نفسه هذه الوحدة عندما يعلق في المعرض مقولته: «إن الأشد بلاغة في الحفر هو العمل على المقلوب، على المعكوس، أي الالتزام فقط بنيغاتيف الشكل مما يساعد على الابتعاد عن الأصول والتفكير في أن الحفر هو التجريد بعينه لأنه ملخص اللوحة».
البعض غير موافق على هذه الدعوة التبسيطية، لأن الحفر مرتبط بالحاجة إلى تعددية النسخ الطباعية، نشهد هذا الفارق النوعي بين المعرضين الراهنين.
يجمع بارسلو مع بابلو بيكاسو بادئ ذي بدء تمايز الحساسية والروح الكتالونية الإبداعية المتمايزة عن فنون بقية شبه الجزيرة الإسبانية، قد نجد بعض الشفافية مع جدران الأندلس سواء المتهالكة منها بفعل الزمن والإنهاك والإهمال، أو من خلال تنوع خاماتها وأصلها المعماري. مما يذكر باستغراق أنطوني تابييس خلال عقود بهذا الموضوع: جدران الأندلس التي ورث قحطها الروحي اللاحق بارسلو، فبدا أشد تطرفاً في التصاقه بالأصل أي التربة والأرض.
إذا استعرضنا هذه الكوكبة التي تخضع بدرجات متفاوتة لتأثير بيكاسو ومتوسطيته، ماذا نجد؟ هو مولود أصلاً في مالقة وليس برشلونة مثل البقية، هو ما يفسر استقراره المتأخر في مدن الجنوب الفرنسي على المتوسط غرار مدينة السيراميك فالوريز لقربها من حاضنة دهشته الطفولية الأولى مالقه الإسبانية. اجتمع هؤلاء في محترفات متقاربة من عاصمة الفن التشكيلي باريس حول بيكاسو ابتداءً من ساورا الذي اختص بالوجوه - الأقنعة وكروت البوستال المحورة على طريقة بيكاسو، ثم أنطوني تابييس، الذي تبناه بيكاسو وسانده في سرعة اندماجه في الوسط الفني في مونمارتر ومونبارناس، بخاصة بتعريفه على مقتني أعماله في صالات عرض وعلى أصحاب مجموعات، فتحول تابييس من مريد للفاشي فرانكو إلى معارض له مثل بيكاسو. قد يكون أبعد هؤلاء عن بيكاسو هو خوان ميرو السوريالي وأقربهم بارسلو لذلك يقال عن الاثنين معاً بأنهما من «سحرة الأسطورة»، يجتمعان حول تقنية تصوير عدمية المواد غير القابلة للتصوير، يؤكد بارسلو استقاء فنه من مادة الكون: الأرض والتربة والطين والوحل والزجاج والرمل، وبطريقة نيغاتيف الحفر من طريق الكشط واستخدام أدوات قلع عدوانية كالتي تقشر بها ألوان السيارات، أي أنه يستثمر السطوح المعدنية المصقولة أو الزجاجية ليستعيد طقوس وحساسية الصفائح المعدنية مثل الزنك في عمليات الحفر والطباعة.
الفارق الحاسم بين بيكاسو وبارسلو يقع في تباين منهجمها الحياتي المعاش، فبيكاسو يؤثر الاستقرار في محترف المدينة التي يختارها سواء باريس أو كان أو اكس ان بروفانس أو سواها يدخل إلى المحترف باكراً ولا يخرج منه حتى آخر الليل مما يفسر كثافة إنتاجه، في حين أن بارسلو أشد مغامرة وترحالاً وقلقاً واحتكاكاً مع جغرافية المدى المفتوح عبر القارات، فاستخدامه للوحل ما هو إلا بقايا ذكرياته عن محترفه الذي أقامه لفترة في لانزاروت في جزر الكناري (البركانية) كما استقى منها خيماوية الزفت المعدني المصبوغ بالأحمر، قبل أن ينتقل مع أعباء محترفه إلى حي الماريه او الى جوار محترف غراند اوغستان الذي أنجز فيه بيكاسو لوحة غورنيكا.
تحمل أعمال بارسلو ذكريات التجارب الكونية للبحر والأرض.
كثيراً ما يستعير حيوانات عالجها بيكاسو مثل الماعز والثور ومشاهد مصارعة الثيران، لدرجة أن سينوغرافية العرض تتيح فرصة في الوسط بفراغ يستدعي صورة رمزية لساحة المصارعة. يتهم بيكاسو بأنه اهتم بالفن الأفريقي وليس بالأفارقة.
فهو يفضل دوغون على فنها الشعبي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مالي يفضل فيها الفن الحر الطقوسي على التقليدي الاستشراقي.
نصل في تقمص بارسلو للإنسان الأول إلى أقصى درجة اختلاف، لأنه يعتبر نفسه آخر الصيادين وقاطفي الثمار منهم، لذلك فهو يستقي من رسوم الكهوف مثل لاسكو والتاميرا، ولكن الأشد تأثيراً كانت رسوم كهف شوفي المكتشف حديثاً والذي يرجع بعكس نظائره إلى أربعين ألف عام، أي أنه متصل بأقوام الأصول البشرية الأولى مثل الأوموسابيان أو الكروماليون وسواهما.
نجده منذ عام ١٩٩٣، يكرس تصويره لاستعادة استثمار رسوم كهف شوفي هو ما يفسر نجاحه المحسوس في عروضه في مهرجان أفينيون لدورة ٢٠٠٦. نجاحات رشحته اليوم للبروز في هذه المعارض الجديدة.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا