الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش




 

كان يا مكان في قديم الزمان ......

كان يوجد مزرعة كبيرة تضم بين شعابها ووديانها العديد من الاسر والعمال، وصاحبها رجل متوسط في العمر، يديرها ويرشد عمالها بقسوة وبعضهم يسخرهم مقابل قوتهم اليومي، وكان يعيش حياة بذخ وترف في عالم مختلف كليا عن واقع العمال والمستخدمين لديه  وينظرون اليه نظرة غيرة وحسد، الى ان حل ذلك اليوم الذي خرج فيه شاب قوي ومتمرس على فنون القتال وغافله في مخدعه وقضى عليه واسرته واستولى على املاكه والمزرعة كاملة، وكان فلاحا نشيطا اتى من غياهب الايام بكامل قوته متمرس على العمل والحراثة  متعطش للعمل وجني المواسم، استصلح الاراضي البور وغرس الاشجار وشق الطرقات الى اكثر ارجاء مزرعته، رب القطعان واعتنى بها وجعل لكل قطيع راع.

لم تمض سنوات قليلة حتى تبدلت ألوان الارض البور وحل اللون الاخضر ضيفا دائما مكان لون الرمال والاتربة المتوحشة واصبحت مزرعته مقصدا للطيور المهاجرة والتائهة عن اسرابها وقد حول كل سكان المزرعة الى عيون له لرصد اية كلمة او حركة او اهمال في العمل . وفرض شخصيته على الرعاة وحتى القطعان كانت تهاب باسه وسطوته اكثر من مهابتها من الذئاب الضارية، واستخدم في مزرعته الفلاحين  باجور زهيدة وطوع كل الموجودات في خدمته من بشر وشجر وحيوانات داجنة  وحتى الحجر لم يسلم من جشعه وسطوته وجمع ثروات طائلة ملأ بها الخوابي والجرار، ومع تحسن ظروف حياته راح يخرج تدريجيا من واقع منشئه وحياته السابقة ليعيش حياة تتلائم مع واقعه الجديد، ونسج حكايات عن سلالته وعرقه الصافي والمبارك واجداده الميامين، وفرض على عماله ان مشيئة الرب الذي ارسله منقذا ومنفذا لاوامره في حياتهم ومن يخالف هذه المشيئة مصيره الموت في هذه الدنيا والجحبم في الاخرة. وبعد ان بنى مزرعته وسارت الامور حسب مشيئته المدعومة بمشيئة الرب بدأ يتجول ويتعرف على المزارع المجاورة واصحابها يأتي بالبزور والانواع الجديدة ويصرف انتاجه بعقد صفقات مع تجار واصحاب قوافل، ووجد الوقت الكافي ليمارس هواياته المحببة من صيد الحيوانات البرية وتدجينها وجمع المقتنيات الثمينة التي تناسب واقعه الجديد. كان يستمتع بتعذيب وقتل عماله ارضاءا لنزواته الشخصية الشاذة ولبث الرعب والخوف في نفوس البفية حيث كان اي عامل يرتكب خطئ من وجهة نظره عرضة ليكون ضحية في سهرة نار يدعى عليها اكثرية العمال والرعاة وهم من يقومون بتعذيب اخوهم حتى الموت وسط قهقهاته وعبثه مع جواريه وغلمانه، وقد بكوا سكان مزرعته بصمت على من سبقه وترحموا عليه رغم كل ظلمه بعد ان شاهدوا افعال هذا الشاب المتعطش للسلطة والثروة والملذات .

وفي احدى رحلاته الى الصيد صادف صيادا عجوزا من مزرعة بعيدة وكان الاعجاب من النظرة الاولى وتكررت اللقاءات وتعمقت العلاقة وبنيت صداقة متينة وافشيت الاسرار وتبادلا الخبرات والنصائح، ولتسهيل عملهما اعتمدا نظام المقايضة لتبادل منتجات مزرعتهما وتبادل الخبرة والوسائل الناجحة لتطويع العمال والاجراء عند كل منهما، وتطابقت نظرتهما الى الحياة وما بعدها حيث كان يحلما بمزارع مشابه في العالم الاخر عمالها الجواري والحواري .

 

وفي احدى الرحلات وجدا هرا بريا جميل المنظر ضخم الجثة مقياسا مع الهررة ومن الانواع المهددة بالانقراض تعاونا على الامساك به وعندم وضعوه في القفص ساءت النوايا وبدأ كل منهما يتصرف على ان الهر ملكه ومن حقه وتشنجت الاعصاب وكادت الصداقة ان تنهار تحت مخالب الهر البري لولا تدارك الموقف من الصياد العجوز  الذي استنبش زبدة حكمته، واقترح على صديقه ان يكون شراكة بين الاثنين يهتما به سويا من طعام وترويض ورعاية، ولتبيان حسن نيته اقترح على صديقه ان يكون في مزرعته وتحت رعايته مباشرة وهو سيرسل مروض له على ان يستمتعا بعروضاته والعابه سويا، فانبهر الصياد الشاب من حكمة صديقه وصمت مع ايمائة راس بالموافقة وفي نهاية الرحلة عادا كل الى مزرعته والهر معه، وبعد ايام قليلة وصلت قافلة من قبل العجوز تحمل عدد من المروضين واطعمت الهر وبدأ مشوار الترويض الذي لم يستغرق وقتا طويلا حتى تغير شكل الهر وسمن ولمعت عيناه وكأن الشرارة تخرج منهما واصبح مواؤه كأنه زئير اسد، وبدأ يفهم من الاشارة فسرا من المروضين واجزلا عليهما المكافئات السخية واستلما الهر وبدات رحلة استمتاعهما به وبحركاته واستعراضاته التي ينفذها بادنى إشارة، فوجهاه بداية الى الهرر الاليفة المتواجدة في مزرعتهما فقتل العديد منها ولم يوفر الطيور الداجنة وكافة المخلوقات التي بحجمه او اكبر قليلا، وكانا سعيدان بانجازهما وبحركات الهر المعجزة يشاهدانه في جلساتهما وفي بعض الاحيان كانا ينظمان له حفلات منازلة وتحد بحضور اصحاب المزارع المجاورة وفي احيان اخرى يرسلانه الى اصحاب المزارع لاستفزازهم بموائه المزعج والتخريب الذي اتقنه جيدا، ورغم شراسته وعنفه اصبح له معجبين وعشاق ينتظرون استعراضاته ومنازلاته بفارغ الصبر، حتى حلّت تلك الليلة المظلمة حيث قدما له مبرداً على شكل دمية ملوثة بالدماء فهجم عليها وحاول افتراسها ولعق الدم عنها، وبدأ يلعق دمه ويزأر بصوت متألم ويترنح بحركات ثقيلة فاشمأز منه الحضور وغادروا الحلبة على وقع صوتا صاحباه بالقاء وانتظار الفوز واستمر الاستعراض حتى مطلع الفجر ولم تنتهي المنازلة.

 

 

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top