رسالة من أولاد أحمد إلى محمود درويش

9:46:00 ص
 


مرحبًا بك أيّها الفستق المقشّر
"لم أسمع عاشقين يقولان لبعضهما شكرا":
هكذا قلت عن تونس، من على خشبة المسرح البلدي، في ماي 1994، وقد شرعت أفواج من إخواننا الفلسطينيين تغادر بلادها باتجاه بلادها.. مرددة مع طيور البلشون:
سلام على البرتقال – هنا وهناك – على صدر فينيقيا
 سلام على قمح إفريقيا.

* **
قلت ذلك وكان لا بدّ أن تبكي وتبكي القاعة معك.
والذي لا فكاك من تصديقه – في هذا المجال – هو أن دموعك لم تكن مسروقة من نهر غير محروس، بل كان يمكن التنبؤ بلحظة انهمارها من خلال متابعة فَطِنة لمناديل النساء الحاضرات وهي تُسْحَبُ من جيوبهن على الإيقاع المتنامي لكلمتك التوديعية.

* **
وراء صدقك المرئي هذا كان ثمة شعر كالشعر، ونثر كالإنشاد، يصحّ وصفهما "بالفستق المقشّر" وهو الوصف ذاته الذي أطلقه حماد الراوية على شعر أخيك:
عمر ابن أبي ربيعة.
ومدينة قفصه – على حد تعبير أبي عبيد البكري هي:
 "أكثر بلاد القيروان فستقا ومنها ينتشر بإفريقيا ويحمل إلى مصر والأندلس وسجلماسة" "وهي أيضاً "لسان العرب" في مختلف الطبعات.

* **
لم لا نَردُّ الفستق إلى أغصانه؟
 والأغصانَ إلى أشجارها؟
 والأشجارَ إلى أراضيها؟
 والأراضي إلى غواية التفاح؟
 ثم التفاحَ إلى ينابيع التكوين؟
 بهذا السؤال المتدافع بدأ التفكير في استضافة شعراء عرب وعالميين يتوفر شعرهم وحياتهم على طعم هذه الفاكهة النبيلة.
ودون كبير عناء اهتدينا إليك: أنت، هكذا، مباشرة... والله، مستعينين بخيرة ذواقي الثمر والشعر من أهالي "كبصة" التي بناها هرقل الإله كما تقول الأسطورة اليونانية.

* **
بين ساحة الولايات المتحدة الأمريكية حيث تسكن – مفارقة – "بجانب الأرض" وبين قفصه ثمة بيت عتيق صيغت بين جدرانه مسودة الدولة التونسية الحديثة بدماء الشهداء وأحلام الوطنيين.
وقد سبق لك أن زرته وكتبت في سجلّه "شكرا لتونس على هذه المبادرة التي ستلهب في قلوب الآخرين حنينا مجدّدا للعودة إلى الينابيع.
هذا البيت هو: بيت الشعر.

* **
بيت ومدينة يكرمانك إذن: شاعرا وإنسانا بعيدا عن ذلك الحب القاسي الذي كنت نبهت إلى خطورة مقاربته للشعر من خارج الشعر.
البيت على ضفاف المتوسط
 والمدينة على مشارف الصحراء الكبرى
 وبينهما شعب بأسره في انتظارك
 فمرحبا بك أيها العزيز.

مدينة قفصة التونسية 2،3 مايو 1995
 
 
 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا