زها حديد... سيدة المباني المتموجة المهيبة

9:22:00 ص
  

   الأربعاء، ٦ أبريل/ نيسان ٢٠١٦ (الحياة) 

«زها حديد (1950-2016) هي قوة هائلة ونافذة في المعمورة كلها في مجال العمارة»، قالت جاين دانكان، مديرة المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين حين تكريمها في 2015 ومنحها الميدالية الذهبية. وإثر تركها بصمتها في العالم كله ودعوتها الى تشييد مبان في القارات كافة، مرت في أوقات صعبة. فهي أول سيدة وأول مسلمة تتسلم جائزة بريتزكر في 2004، ولم يفز تصميمها الملعب الاولمبي في طوكيو في المسابقة. وهي شأن نجمات السينما والفن، صارت شاغل وسائل الإعلام.

وافتتحت معلمة العمارة البريطانية من أصول عراقية في 2010 متحف الفن المعاصر في روما (maxi)، وثنّت بافتتاح أوبرا كانتون في 25 شباط (فبراير) من 2011، وأوبرا كارليف بعد أيام قليلة. ودشنت بلايبزيغ مصنع سيارات «ب أم ف»، وصالة معارض فنية بساسينيتي، وصالة موسيقى في مانشستير. والانجازات المحمومة هذه قرينة على اقرار عام بأسلوب زها حديد وأدائها المعماري. واستقبلت مدن بازل وستراسبورغ وبكين وسيول وتايوان ونابولي وميلانو وبرشلونة والرباط ومونبيلييه ومارسيليا وبو، أعمال معلمة العمارة، وتنافست على طلبها. وكان الجمهور، قبل أقل من 15 عاماً، يستفظع أو ينكر انثناءات مبانيها الضخمة، وتموجاتها المهيبة.

ولم يحل انصراف باريس عن زها حديد من دون انتشار بعض أعمالها الثانوية المستوحاة من نماذج أو آلات رخوة جمعها النقاد في باب معروف بمدرسة زورغلاب. وزورغلاب هو اسم شخصية شرائط مصورة تقول موسوعة «ويكيبيديا» أنها ثمرة «تحديث هاذٍ للعالم المجنون التقليدي». والحق أن زها حديد لا تجانب الهذيان. وهي حديثة أو حداثوية من غير شك. ووطنها الأول هو العراق حيث ولدت في 31 تشرين الاول (أكتوبر) 1950 في بغداد، مدينة ألف ليلة وليلة. ودرست هناك في مدرسة راهبات فرنسيات. ولم يؤذن ذلك بحالها اليوم القريبة من حال نجمة موسيقى بوب. وفي 1960، سافر أبوها، محمد حديد، وهو صناعي موسر وسياسي ليبرالي، الى سويسرا، مع أخويها. وتركت سويسرا الى بيروت، حيث درست الرياضيات.

فكيف تسنى لامرأة مباشرة العمارة في عالم يتسلط عليه الرجال؟ ليس الأمر غريباً على مدرسة «الاركيتيكتشورال أسوسييشن» (AA) الفريدة في لندن، المعروفة باسم «أكاديمية فرانكشتاين»، على نحو ما سماها الامير تشارلز، ولي العهد البريطاني ونصير عمارة تقليدية ومحافظة. واختارت وارثة شهرزاد الغريبة، في 1972، من أساتذة المدرسة رِم كولهاس أستاذاً ومرشداً. وحين حصلت على شهادتها، في 1977، قال الأستاذ في تلميذته المتخرجة إنها «كوكب في مدار يعصى التقليد». وهو قال في ما بعد، في عملها: «تنفرد (أعمال زها حديد) بمزيج من طاقة هائلة ورهافة لا يبلغ قاعها». وهي تعرِّف معالجتها حركة المكان، فتقول: «شعرت بفقر الرسم المعماري التقليدي، وقيده الثقيل على العمارة، فأردت ابتكار وسائل تصور جديدة». ورسومها المتناثرة والممزقة ثم المجتمعة من جديد، والملونة على قاع أسود، تنسبها الى الفن المفهومي. فهي تتحدر، على غضب ونزق، من الفنانين الروس التجريديين. وكان بعض التخيل انتقال هؤلاء من اللوحات المعلقة على جدران المتاحف الى عمارة مثلثة الأبعاد. ولكن زها حديد تولت النقل وأنجزته.

ورِم كولهاس، أستاذها، سبقها الى الاستفزاز، والى المشيخة على مسرح العمارة العالمي، والاضطلاع بصوغ مذهب محيط في الفن، واكتشاف مواهب لا تقصر عن مضاهاته، دعاها الى المشاركة في عمل مكتب «الميتروليبيتان أركيتيكتشِر (OMA). وهذه وكالة أنشأها مع إيليا زينغاليس، في 1975، بروتردام. واستقلت زها حديد عن مرشدها في 1979، وأنشأت وكالتها الخاصة، وارتضت التعرض للنكران والاعتراض. وتشبه معلمة العمارة أعمالها، صورة جسم مثلثة، على ما كان يقال في ناطحات السحاب بين الحربين، يعلوها رأس يشبه بعض أنصار آسيا الصغرى، ووجه حاد العبارة تقدح عيناه شرراً أو تفيضان عطفاً ومرحاً وحناناً تذكر بأسود الحلبة. فهي تشبه الشخصيات الفيلينية السينمائية، وصوتها دافئ.

ويعمل في وكالة زها حديد للعمارة 400 مساعد. ويصف بعضهم، على الاخص من فارقها منهم، طباعها بالصرامة التي لا تقبل التهاون أو الخطأ. وسرعان ما يرضخ طلاب عملها الى صرامتها وحدتها وتقلبات مزاجها. ويضطر الصحافيون الى الانتقاع ساعات طويلة في انتظار مقابلة حدد موعدها في دقة لا تحتمل الاشتباه. ولعل الارجاء هذا، حين يمعن الواحد النظر فيه، مرآة خجل يلاحظه المرء في كولهاس. وهو، على الأرجح، ثمرة حيرة عميقة مصدرها صوغ الأفكار التي ينحتها المعمار في الحجر، في صورة كلمات وعبارات تقريبية، بينما هذه الأفكار متقلبة، ولا تفارق حدوس الرسم واختطاط اليد.

وموقعها على الشبكة www.patrikschumacher.com (وباتريك شوماشير هو اسم شريك وكالتها المعمار والاستاذ) شديد النسك والصرامة على مثال أعمالها. وتبدو أفكار شوبنهاور وهايدغير ودريدا، قياساً على أعمال زها حديد، ثرثرة ناعمة.

ويقول باتريك شوماشير إن العمارة الجديدة تسعى إلى إنشاء حقل يجيز التعبير عن تعقيد تخطيط مدني معقد وكثير المراكز والساحات، وعن عمارة تتمتع طبقاتها ومراتبها بالكثافة والتمايز معاً. وقد تصف هذه العبارات أعمال زها حديد، وتؤدي بعض معانيها. ولكن مغامرتها المعمارية أقرب الى بنيان حركات حسي وشهواني منه الى برنامج نظري بالغاً ما بلغ ابتكاره وتجديده. وأعمالها البارزة الأولى، مثل ثكنة إطفائية معامل «فيترا» للأثاث، في 1994، في مدينة فايل على الراين في ألمانيا، أصابت بالدوار الإطفائيين. فجعلها صاحب الشركة معرضاً يعرض الأثاث وهندسة المكاتب. ورسمت، في 2001، بستراسبور محطة رأس الترام بهاونهايم. والمحطة هي في آن محطة ونصب مديني. وبعثت قوائمه العارية والمشلعة قلق جمهور المسافرين حين ترددوا الى المبنى في وقت أول.

واعتاد الجمهور المبنى تدريجاً. ودخلت مصطلحات حديد المعمارية وصورها في الذوق ودوائره الأليفة. وأقبل عليها شطر من الجمهور لا يشارك الأمير تشارلز ذوقه المعماري. ويميل الى «الشكلانيين»، على مثال المعمار الآخر، فرانك جيهري، الحائز هو الآخر جائزة «برايتزكير». وأعمال معلمة العمارة االبريطانية – العراقية جزء من نازع إلى التحرر، ظاهراً، من استبداد الجاذبية وإكراه الزوايا القائمة. ومهدت المعلوماتية، إلى مواد البناء، الطريق إلى مجسمات وأشكال كانت بدت، قبل وقت قريب، شططاً لا يقره عقل ولا منطق. ومكنها من تجسيد المجسمات والأشكال الغريبة المهندس سيدريك برايس (1934 – 2003)، وهي التقته في بداياتها. وساعدتها وكالة «آروب» التقنية. وبعد «قصيدة الزاوية القائمة» التي خطها لوكوربوزييه في 1955، حان مع زها حديد ومعماريين آخرين وقت شعراء المكان المحدودين الذين آذنت بهم نظريات آينشتاين.



* صحافي، عن «لوموند» الفرنسية، 31/3/2016،

اعداد منال نحاس

 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا