الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة


محمد العبدالله مع صديقه علي بعلبكي


حينما أصيب الصحافي الكبير نبيل خوري بالذبحة القلبية وأدى ذلك الى انقطاع الأوكسيجين عن الدماغ لفترة تصف ساعة ، نقل الى الجامعة الأميركية وذهبنا لزيارته، فرأيته ساهما ولا توحي نظرته بأي شيء. سألت الطبيب ما هو الوضع ؟ فأجاب أن العمر العقلي لنبيل خوري الآن هو لطفل عمره أربعة أشهر تقريبا. رفضت الواقع هذا وقلت أن هذا ليس نبيل خوري!
مع أخي وحبيبي وابن خالتي وشقيق زوجتي محمد العبدالله حصل الشيء نفسه تقريبا . فقبل أربع سنوات ومحمد ينتقل من حالة مرضية الى أخرى .. وكانت أول صدمة لي أني رأيته يتوكأ على عصا . ثم تتالت حالات الضعف مما جعلني أرفض رفضا قاطعا هذا المآل ولا أسلم به وألعن مرض الكآبة الذي أوصله الى تلك الحالة ( أخبروني قبل ثلاثة أيام من وفاته أنه مصاب بالسرطان ).
قلت لمن يرغب أو لا يرغب أن هذا ليس محمد العبدالله.. محمد الذي أعرفه هو محمد الفتي المارد ذو الصوت الجهوري ونظرة الصقر والذكاء المدوي والعبقرية الشاطحة والإقبال على الحياة والطعام والحب والصداقة والخمر .
محمد الذي يلذ معه السجال وطرح الأسئلة الصعبة والشروع بتلك السخرية العالية المقام . هو الذي صرخ في قصيدته "بيروت" في قاعة كلية التربية وقبل سنتين من عملية علي شعيب على بنك أوف أميركا: من دمي هذا الذي يعلو مداميكا وباطونا مسلح / من نزيف الساعد الملحاح والجرح المملح / من ألوف لوح السوط لها بالموت / راحت خشية الموت حتى الموت تكدح.
وهو الذي يساجل أدونيس ومحمود درويش حتى ساعات الصباح الأولى دون أن يأخذا منه حقا أو باطل. وهو من كان يحبه الشاعر خليل حاوي ويسبه ويشتمه لأنه لم يصبح بروفيسيرا في النقد الأدبي ويقول لي : حرام عليه محمد رح يخوتني هوي أكبر راس هلق بلبنان .


وهو الذي يكتب " خمسة ألحان في صحة مريم "ويكتب" تكونين ليلة صيف أكون أنا آخر الساهرين " ويكتب عن صورة القديس جورج وهو يقتل التنين، الصورة الانقلابية التالية "هذا الخنجر في أحشاء الخضر وهذا الإكليل على رأس التنين/ هذا القلب المذبوح تباعا في عشق المذبوحين".
ويقلب الكتابة على وجوهها شعرا ونثرا وشعرا باللهجة المحكية ودائما يفاجىء ويذهل ويمتع وينزع غطاء علبة الشعر ويمزق كرتونة الأدب ويشحبر ماكياج القصيدة.


محمد اللغز الذي كنا نلهث وراءه ولا نستطيع اصطياده بأية فكرة موروثة أو ثابتة. السهل / الصعب / الضاري / الحنون / الغريب / القريب / البعيد / المسالم / المحارب .. لكن المتمرد أبدا.


سألني مرة، لماذا لم تمت بعد في الحرب؟ فقلت له، صدفة فرد قائلا: الأرجح أنها صدفة سعيدة يا فتى العرب.


عن الفايسبوك

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top