(عَظْمَةُ حزب البعث الناتئة في قدمي) لرنا زيد

2:44:00 م

 

   عن مدونة رنا زيد
تصوير مظفر سليمان

كان الغصن مكسوراً ومنفصلاً، عن الشجرة الكليَّة، لكنه قد بقي معلقاً بباقي الأغصان، كنت أراه كما لو أنه كل شيءٍ مضى، الريح لم تُسقطه بعد، على الأرض، أرادت الريح له أمراً، من أنا لأدفع الريح بيدي؟
خفتُ دهشتي وأنا أراقب الغصن، ورحتُ أتمعن في الشجرة، التي لا أدرك اسمها، الشجرة التي تتطاول في شارعٍ بعيدٍ قليلاً، عن ضجة المدينة الفرنسية روان. للمرة الأولى ألحظُ أن قشرة الشجرة مموهة كما هو لباس المارينز، تماماً، أو كما هي الأقمشة التي يتم تصنيع الزي العسكري منها، وأدركتُ أن الزي العسكري تنكرٌ بهيئة الأشجار، لا العكس؛ أي أنَّ هذه التداخلات بين الأخضر الفاتح، والأخضر الغامق، صنعتها الطبيعة بحد ذاتها.
هناك جسرٌ للقطار، في جهتيه سُلَّمَان للهبوط والصعود. تذكرتُ كيف رأيت للمرة الأولى في حياتي، جنود الجيش العربي السوري، يتكورون تحت جسر يشبهه في دمشق، منتظرين قنصَ المتظاهرين، حينها لم أكن أدرك أنني بين النيران، لم أكن على معرفةٍ بماهية الخطورة، فالرصاص ضد كل الشعب، بينما أنا أحدقُ وأتابع التحديق كالبلهاء في عناصر الجيش العربي السوري، دون أي رادع. كانوا مضحكين، لأنهم يتماهون في صورتهم مع صورة العدو الإسرائيلي، في رأسي تلك الصورة التي كنت أنتظرها واقعياً، كي أبصق أمامها، وأصرخ: «سورية لنا، وليست لإسرائيل».
علمونا في دروس الحصة العسكرية، تلك الحصة الأسبوعية الإجبارية، في المدرسة الإعدادية والثانوية، أساليباً دفاعيةً لفظية، في الهجوم على العدو الغاشم الصهيوني الإمبريالي. كنا نردد شعارات، لا أذكر منها الآن أي جملة. ربما كانت، من مثل: «قائدنا إلى الأبد، الأمين حافظ الأسد».
لقد سحبوا الفتاة التي تجلس إلى جانبي في المقعد البعثي، سحبوها من شعرها، كنتُ في الصف الثامن الإعدادي؛ نساءٌ سمينات ونحيلات، هن الموجهات اللواتي يرتبن الأمور الداخلية في المدرسة، سحبوا هذه الفتاة، التي تحميني ذاكرتي، من ألمِ تذكر اسمها، وبدؤوا في ركلها؛ ما فعلتُه، أنني قلت للمعلمة، أنني أريد الخروج من أجل دخول دورة المياه، أردت معرفة أي شبهة، جعلتهم يمسكونها هكذا، قلتُ: «أرجوك، أعاني من الالتهابات في المجاري البولية»، لم يكن يسمح لنا بسهولة، بالخروج من الدرس حتى من أجل قضاء الحاجة، كان علينا الترجي والاستئذان.
في الممر، رأيت جسدها الصغير، المغطى بقماشٍ أخضر، قماش الزي العسكري، الذي كنا نُجبَرُ على ارتدائه، نحن جنود الأسد الصغار، رأيته يتأوه تحت أقدام الموجهة، التي صبغت شعرها القصير بلون أقرب للون الصدئ. وبدأتُ بشتمها، ركضتُ على الدرج، وهبطتُ حتى وصلت الباحة، ثم دخلتُ الحمامات القذرة، التي لم تكن تُنظف، سوى في الأعياد الوطنية العظيمة من البول والقذارة، سددتُ أنفي بأصابعي، كي لا أشم الرائحة النتنة، سهوتُ برهةً، أنا لا أريد دخول الحمام، ثم عدتُ إلى صفي، ثم إلى مقعدي، شاكرةً معلمة الرياضيات السخية، لمنحي خمس دقائق، كي ألبي نداء الطبيعة.
هل أنا شجرة، مع هذا القماش الأخضر الذي أرتديه؟ إن القماش السيء النوع، والرخيص، الذي أحضرته أمي، بدأ يتخلص من الألوان، كلما غسلته، في كلِّ نهاية أسبوع، أصبحت بدلتي العسكرية أقرب إلى اللون البيج، كنتُ مختلفةً وسعيدة، وكلما كلمتني الموجهة عن ذلك، قلتُ لها:
«أنا فقيرة، لا يستطيعون شراء بدلة جديدة لي»، كنتُ أعتذر بخفر، فترضى وتقول انصرفي، كانت بدلتي واسعة، وكنتُ أضع الحزام، على خصري، أو ما يسمونه «النطاق»، كنتُ أشعرُ أن هذا الحزام، هو حزام العفة، أيضاً كنتُ أضعُ الرُتَب، ولا أقومُ بأي مخالفة، وأضعُ القبعة العسكرية في الباحة، أخفي عيني المنكسرتين، والخائفتين، وتساؤلٌ واحدٌ يدور في رأسي: هل يقوم حافظ الأسد بأكل البزر، بزر دوار الشمس، بنفسه، أم أن أحداً ما يقوم بنزع القشر عن البزر، له، بأسنانه، ليخرج اللب اللذيذ؟ ثم إن كان أحد يفعل ذلك، ألاّ يقرف؟ رغم قدرته على تحقيق أي رغبة يريدها، لابد أنه يقرف، كنت أحب بزر زهرة دوار الشمس، الرخيص والمنتشر في سورية، بكثرة.
في أيامٍ تالية، علمت أن سبب السحل والضرب للفتاة، التي تجلس قربي، هو أنها شوهت صورة الشهيد باسل الأسد، وأردتُ أن أعلم كيف تم هذا التشويه؟ هل فقد الشهيد وجهه في قبره؟ كانت المعاني تتكاثف في رأسي، ولم أكن أعلم حقيقةً، كيف يمكن لأحدهم أن يشوه وجه أحدٍ آخر غائب، أو تحديداً ميت، مددت يدي إلى درج زميلتي، وإذ بصورةٍ لباسل الأسد، وقد تمزق جزءٌ منها مكانَ الوجه، مُزِّقَ فمُه، قلت في سري: «هاهو بلا فم، صامتٌ ميتٌ ورديء الشكل»، لكن الفتاة، لم تعد إلى جواري أبداً. هل ماتت؟
كنتُ أغادرُ الصف، في كل الحصص، وأحتمي خلف الخيال، أهرب وأطير، متجولة في المدينة، والغريب أنني كنت أترك روحي معلقة، بخيط رفيع، كما لو أنها بالون، فما أن تكلمني المعلمة، أو تسألني عن شيء، إلا وأجيبها بما أرادت، على الفور، كنتُ مبرمجةً على ما يريدون. وكنتُ أعتبر أن روحي وداخلي شأنٌ آخر، شأنٌ ليس فيه أي كذب ونفاق سياسي، في أيام قليلة بعد حادثة الفتاة، أحضرت صوراً لباسل الأسد، ووضعتها في دفتري، وكنت أشاهدها، في الحصة، وكان من المتعذر أن تتذمر أي من المعلمات، لأنها صور باسل الأسد، كنت أتصرف ببلادة كاملة، ببلادة آلية، كي أتملص من أي التزامات، كنت منجذبة إلى كمال الصورة، ومتأنيةً في التحديق بها، أردتُ أن أعلم ما سر، هذا الميت؟ حتى جاءت صديقةٌ لي وقالت: «هذا رجل سيء»، سألتها كيف عرفتِ ذلك؟ فأجابت بأن ابن الرئيس، حجز جواز سفر صديقة أمها، ومنعها من السفر خارج البلد، لأنها أعجبته.
أتتني رغبةٌ في التخلص من الصور، ومن خوفي، ألاّ أترك أي أثر. أحضرتُ صحناً فارغاً، مزقتُ الصور، وأشعلتُ النار، حتى أصبحَ الرماد، متداخلاً في لونه مع لون الصحن الأبيض. وبدأتُ أكفُّ عن الأكل، في البيت. وصرتُ نحيلةً جداً، وهزيلةً، تحت اللباس العسكري الإلزامي، كما لو أنني مجندٌ معاقب، خان عهداً عسكرياً.
كنتُ  أقفزُ كثيراً في تلك المرحلة، ومرةً قفزتُ مسافة خمس درجات متلاصقة، وأنا منطلقة إلى المدرسة صباحاً، سقطت أسفل الدرج، وأنا أشعر بألمٍ حادٍ في مشط قدمي، ألم هائل، لكنني تابعت طريقي إلى المدرسة، وفي الحصة المدرسية العسكرية، أوقفتنا معلمة العسكرية، من أجل التمرينات البدنية، كنت أتألم صامتةً، أعالج في رأسي جملة، وأتمرن على كيفية قولها: «أنا أتألم، لقد كسرت قدمي»، رددتها مراراً ومراراً، وأنا أحرك قدمي ببطءٍ شديد، منفذةً الأوامر والتمرينات العسكرية، كدتُ أنهار، أخيراً صرخت: «آنسة، أرجوكِ، كسرت قدمي»، لا أعلم أي الشتائم وضاعةً نزلت علي، تُلزمني أن لا أغادر مكاني، وأنْ أتابعَ التمرينات، وأصمت، لكنَّ ما أتذكره، بعد ما جرى، أنني، إلى اليوم، وكلما تلمست مشط قدمي، أُفاجأ بعظمةٍ ناتئة، حيث التئم الكسر، الذي أهملته لاحقاً، بطريقة خاطئة. أسمّي هذه العَظْمَة البشرية الناتئة مني، عَظْمَة البعث، عَظْمَة الحزب البديهي، سوريا، وأتردد في أن أصوّب شذوذها عن الشكل الطبيعي، بعمل جراحي، حيث أن الذاكرة، لا تُصوَّب.
كان الزي العسكري للمدرسة الإعدادية والثانوية، زياً يغطي أجساد الفتيات والفتيان الغضة، كنت أشعر أن جسدي تحته لغزٌ جميل، كان نهدي يغيب، تحت الجيب الكبير الذي صمم على صدر الزي. كنا ببراءة الشجر، مسحوقين كأننا جنودٌ خونة. لكنني أتذكر، أيضاً، كيف أدخلت في المرحلة الثانوية، مديرة المدرسة، الرفاق الشبيبيين الذكور، وكيف أن أول تحرشٍ تعرضتُ له في حياتي كان داخل المدرسة. تحرشَ بي الرفيق الشبيبي، بكل صفاقة. كان يسمحون لهم بدخول المدرسة، واللهو مع القاصرات. لاحقاً اكتشفت أن الفرقة الحزبية، هي مكان للاعتداء الجنسي، على الفتيات اللواتي يَرضَينَ بالبقاء بعد انتهاء الاجتماع الشبيبي. كلهن كنَّ قاصرات، ودمشق كانت مدينة متاحة للعسكرة والنخاسة واللاجدوى، باسم مفاهيم حزب البعث العربي الاشتراكي الوجودي، وباسم القائد المفدى حافظ الأسد، راعي الشبيبة، وحامي الديار ضد العدو الغاشم، الإسرائيلي.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا