شوفي بزيع في رثاء محمد العبدالله

1:29:00 ص
    
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-03-24 

ليس عدلاً يا صديقي أن أكتب عنك بعد دقائق قليلة من تجرُّعي المرير لنبأ موتك، وقبل أن يعود دمك «الزراعي» إلى غمد التراب الأم. ليس من العدل في شيء أن يعهد إليّ، ولدواع مهنية بحتة، بتلفيق رثاء سريع لمن اخترق الحياة بقوة سرب كامل من الأعاصير، ولم يبق من السنابل الموارة بالشهوات سوى ما يتركه الجراد خلفه من هشيم الحقول. كان الأجدر بنا في هذه اللحظات السادرة في شغورها أن نلوذ بصمت مطبق يليق برحيلك. والأجدر بنا أن نخلد إلى بلاغة الذهول، لا إلى تعسف الكلمات التي تتفتح عمياء في مقصورات الرطانة الباردة. والأجدر بنا أن نشيع جسدك المثخن بآلامه إلى الينابيع الرقراقة لمهب خيالك الشعري، قبل أن تمتحن اللغة عياءها في غيابك.
ربما، بعد أن يهدأ قليلاً ذلك الغبار الذي خَلَّفَه وراءه نبأ موتك، سيكون لي معك كلام آخر، وأنا الذي رافقتك منذ مطالع الصبا بين أروقة كلية التربية، ثم تابعتك بتقطع حين لم أستطع في ما بعد اللحاق بهجوم جسدك الضاري على العالم. ومع ذلك، فلا بد في هذه العجالة من أن أخبر الذين لم يعرفوك بأنك كنت بيننا الأصدق والأشجع والأشد ذكاء والأكثر مهارة في التصويب إلى قلب الشعر. وحين كنا لا نزال نرسب في التأتأة والعي والإنشاء السقيم، ونلفق لتراب القرى التي خسرناها منظومات ومراثي ضحلة المعاني، كنت أنت تتلقف بموهبة عالية تمزق جيلنا السبعيني بين عالم الطفولة الريفي وبين الإسمنت الأصم لأبراج المدينة الشاهقة. وباسمنا جميعاً هتفت ببيروت المشيحة بوجهها عن حرقة أسئلتنا المحصنة «ولماذا فيك يا بيروت حطمت صليبي/ ورميت الفأس والمنجل/ شاخت صرختي في العنفوان/ لست أمي إنما أنت خياناتي لأمي/ وخضوعي للذي مزق أمي واشتراني/ لملمي ثدييك/ ثدياك زجاج/ وشفاهي سئمت من حلمة الكوتشوك/ من رضع القناني.
ولم يكن أحد منا يا صديقي قد قرأ سرفانتس، أو عرف شيئاً عن بطله المتخيل الذي حارب طواحين الهواء، حين كتبت رائعتك الشعرية المبكرة «مصرع دون كيشوت»، في إسقاط رمزي على المشهد العربي المأساوي بعد هزيمة حزيران. على أن الهزائم الجماعية والفردية المتلاحقة لم تدفع بك إلى التراجع أو النكوص. ولأنك اتخذت من القول المأثور «إذا خفت من شيء فقع فيه» شعاراً لك، فقد شننت على الحياة هجوماً ضارياً لا هوادة فيه، ومسلحاً بأنياب رتل من الذئاب فتكت بكل ما طالته ذراعاك من مفاتن النساء، وعيناك من بريق الغواية، وقدماك من أرض الاستعارات التي لم يطأها أحد، وشفاهك من نبيذ التلمظات المعتق.
ولأنك مزيج غير مسبوق من سقراط وزينون وزوربا ودون كيشوت وكازانوفا، فقد ذهبت في كل شيء إلى تخومه القصوى مؤالفاً بين الأضداد حيث في الأعماق وحدها يلتقي النقيض بنقيضه.
لم يكن شعرك يا صديقي ربيب لغة المعاجم ولا وليد الكدح الذهني والتوشيات البلاغية الزخرفية. بل كان ينبثق وحشياً وعفوياً عن الشغاف ويأخذ طريقه إلى النشر دون تصفية أو تشذيب، ودون أن تستقيم أوزانه وإيقاعاته في الكثير من الأحيان. ومع ذلك فقد كنت تنتزعه من جمر روحك وفلذات خيالاتك الجامحة، ثم تضعه في عهدة الحواس الخمس لكي يتم تسييله في لوحات مرئية ومشاهد قابلة للصرف في ذائقة القراء. وكان ثمة فرح غامر في ارتطامك بالعالم، وانتشاء بمباهجه وملذاته. وحين يضيق الخناق على النفس كانت السخرية السوداء أو البيضاء جاهزة دائماً لحرف المأساة عن مسارها والضحك على كل شيء ومن كل شيء. وحين تضيق ذرعاً بالشعر كان نثرك الساحر يتكفل بحراثة ما ليس مأهولاً من أرض اللغة البور، والمجاهيل غير المفترعة للكنايات.
لقد جاءك الموت في الموعد الذي حددته له بنفسك يا صديقي محمد العبدالله. ذلك أنك عشت حياتك كما ينبغي أن تعاش، وأنفقتها حتى القطرة الأخيرة، بحيث لم تترك للموت ما يأخذه إلى قبرك سوى النذر القليل من الجسد المتهالك.
 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا