كمال الحجيري الذي لا أعرفه

5:50:00 ص
محمد حجيري
 
 


في 4 شباط 1986 استشهد كمال الحجيري مع رفيقه ابن بلدة رياق عمر الكردي، في محيط بلدة شبعا الجنوبية، وكانا ينتميان إلى "الحزب الشيوعي اللبناني". كمال ورغم علاقة "النسب" التي تجمعني به، لم أكن أعرفه، ولم أره يوماً، ربما بسبب فارق السن بيننا. كنت مراهقاً في الثانية عشرة من عمري حين استشهد، وهو كان شاباً مندفعاً الى أقصى حدود، يمضي وقته خارج بلدته في متاهات الحرب والعمليات العسكرية ضد إسرائيل، كأنه يعيش طقساً صوفياً كما يقال، في مقارعة العدو وإقلاقه، فرغم أنه كان مصاباً في ساقه ويضع فيها أسياخ الفضة ليكتمل علاجه، لكنه بقي يقوم بمهامه القتالية التي آمن بها واعتبرها طريقاً للخلاص، ولم تمنعه الإصابة عن أهدافه وأحلامه، وهو كان من جيل يساري مختلف، وابن زمن مختلف، يمتد من كوبا الى فيتنام.
لم أكن أعرف كمال شخصياً، كنت طفلاً منتسباً إلى الكشاف حين شاركت في جنازته المهيبة على وقع الرصاص والأرز والدموع، لكن لكثرة ما سمعت عن شخصيته ومسيرته من رفاقه ومعارفه وفي الجريدة الشيوعية، تكونت لديّ صورة أسطورية وملحمية عنه، سواء في جموحه واندفاعه إلى القتال والقيادة، أو مواقفه الصارمة في الدفاع عن المبادئ اليسارية والإنسانية التي اقتنع بها، أو عدد العمليات التي نفذها على مدى سنوات، أو حتى صوره ولحيته وكاريزماه، وصولاً إلى سيرة جده الذي كان يُعلّم القرآن في عرسال، وكل أولاده انضموا إلى الأحزاب الاشتراكية واليسارية.
لم تكن سيرة كمال الملحميّة منتشرة في بلدته فحسب، بل امتدت إلى مناطق أخرى في البقاع الغربي وبعلبك والشمال والعرقوب، خصوصاً أن الشهيدة لولا عبود كانت تنتمي أيضاً إلى مجموعته القتالية. وهناك مجموعة من الشبان اطلقوا اسم كمال على أبنائهم، وثمة أناس يحفظون الأمكنة التي مر فيها، أو الشجرة التي جلس تحتها، أو المغارة التي نام فيها ذات مرة وسميت باسمه. وميزة كمال ورغم أنه مقاتل والتحق بالقتال في وقت مبكر من حياته، لكن من يعرف تفاصيل يومياته، يجد أنه كان من نوع آخر من المقاتلين (اليساريين)، بدءاً من الاهتمام بقراءة الصحف والكتب واقتناء أنواع الأقلام ومتابعة أفلام السينما، وحتى اختيار أنواع الثياب والصداقات، كأن هؤلاء في زمانهم كانوا متقدمين على بيئتهم الاجتماعية.
صورة كمال المحلمية والمتخيّلة، رسخت في ذاكرتي منذ ثلاثين عاماً، وكان استشهاده وجنازته إلى جانب جنازات آخرين سبباً في اندفاعي إلى الأجواء اليسارية، ولاحقاً كان الاستشهاد نفسه سبباً أساسياً لابتعادي عن المناخ اليساري وثقافة الفداء والمثاليات والموت في سبيل الوطن والقسم بـ"دم الشهداء"، اذ لا أحتمل الجمع بين السياسة والدم، ولا احتمل لعبة التضحيات، فعند أول مفترق طرق كان اليسار الشيوعي يتخلى أخلاقياً ومادياً عمن قدموا دمهم، والتخلي ناتج عن مأزق مزج الدم بالسياسة، وتحويل الواقع إلى جنازات. فحين تمتزج السياسية بالدم تقع المعضلة، والأرجح أن أهم المعضلات اللبنانية الآن، هي أننا نعيش في وطن بات أشبه بمقبرة للشهداء من كل الأطراف، أي أننا في مستنقع دم، لا تنتهي مفاعيله في المدى المنظور، وربما تستأنف الأجيال المقبلة لعبة الدم.
في ذكرى كمال، ربما يكون أقصى ما يمكن قوله بالنسبة لي، أننا نعيش زمن الخسارات، فقد فقدنا نقطة التلاقي التي رأيتها في رفاق الأمس، تفجرت كل الأيديولوجيات وصار القتلى في الشرق العربي مجرد أرقام تذكرهم الشاشات، والأمر الآخر الأكثر تأثيراً هو الشعور بأننا خسرنا الكثير من الشبان والشابات من أجل لاشيء، والأرجح أننا كنا نعيش في واقع مخادع ونجهله، ولكنه في كل الأحوال ومع كل المساوئ، يبقى أفضل حالاً من زمن الملالي والدواعش والفواحش وجون كيري ولافروف.
كمال الحجيري لروحك السلام، كنت صورة مثالية لعرسال. - See more at: http://www.almodon.com/society/2016/2/4/%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D9%8A%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D9%84%D8%A7-%D8%A3%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%87#sthash.SDKV9siH.dpuf

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا