لورنس العرب.. أو الدفع باتجاه التاريخ

8:58:00 ص


رائد الرافعي   |   (المدن)


أثناء الحرب العالمية الأولى، تمكّن رجل إنكليزي، لبس الزي البدوي واختلط بالمقاتلين العرب، من إقناع قبائل شبه الجزيرة العربية بالإتحاد ضد القوات العثمانية والإنتصار عليها. قصة لورنس العرب تلك، على الأقل في الذاكرة الغربية الجماعية، خلّدها فيلم "لورنس أوف أريبيا" أو "لورنس العرب" في العام ١٩٦٢. ويعتبر الفيلم الطويل جداً (٢٢٧ دقيقة) للمخرج البريطاني دايفد لين من روائع السينما العالمية بسبب المناظر البانورامية الصحراوية الرائعة فيه، أداء ممثليه المتميّز، حواراته المبطّنة سياسياً وإنسانياً وموسيقى موريس جار التصويرية والتي تزيد من طابع الفيلم الأسطوري.
لورنس العرب سيتم عرضه ضمن المهرجان الأوروبي للسينما(الثلاثاء 2/ شباط) الذي يقام حالياً في بيروت وذلك تكريماً للمثل عمر الشريف، أحد الممثلين الأساسيين في الفيلم، والذي توفي العام الفائت. يركّز الفيلم على إظهار لورنس بصورة رومنسية على أنّه صديق للعرب يؤمن بشغف بثورتهم وبحلمهم بحكم أنفسهم وذلك بتناقض مع مواقف الضباط والسياسيين الإنكليز الذين يتآمرون لتقسيم المنطقة مع الفرنسيين وهم يستعملون قوات الشريف الحسين فقط لإضعاف الجيوش العثمانية المتحالفة مع عدوّهم الألماني. ففي أحد المشاهد، نرى لورنس وهو متجهّم الوجه ومحبط إثر معرفته بإتفاقية سايكس-بيكو الشهيرة، هو الذي أراد أن يساعد العرب ليتمكّنوا من تقرير مصيرهم بأنفسهم وإدارة أمورهم كان قد فهم حينها أنّ أهداف مهمّته لم تكن سوى تكتيكية ودبلوماسية بحتة. الملفت أنّ الفيلم يبدو وعلى الأقل لعصره مناصراً للعرب إذ يُظهر من جهة زيف ونفاق الجانب الإنكليزي بينما الشخصيات العربية تُظهر غالباً صفات الشجاعة والشغف. وفي وسط الإزدواجية بين صورة الغربي المنطقي والعربي العاطفي، يظهر لورنس كشخصية هجينة. ويلعب دوره ببراعة الممثل البريطاني بيتر أوتول والذي ينجح بإظهار الحالة النفسية المتأزّمة للورنس والتي تلامس حدّ الجنون بسبب اضطرابٍ في الهوية وسط مناخ صحراوي قاسٍ يدفع نحو الهلوسة. لورنس يكتشف قوّة داخلية غامضة تحرّك أفعاله عندما يدرك أنّ لديه متعة ساديّة في القتال من أجل القتال لا غير.


شخصية ت. إي. لورنس لطالما استحوذت على العقول بسبب غموضها. لورنس كان ملازماً في الجيش البريطاني استخدمه البريطانيون للتفاوض مع العرب بسبب معرفته الجيدة للّغة العربية وقدرته على تلاوة آياتٍ من القرآن حفظها عن ظهر قلب، وذلك رغم اعتقاد رؤسائه بأنه غير منضبط وغير كفوء. وما يبدأ كرحلة إستطلاعية لتقدير فرص نجاح الأمير فيصل في ثورته ضد الأتراك يتحوّل إلى رحلة لاكتشاف الذات في ظروف الصحراء القاسية حيث تتسنى للورنس رؤية الأمور من زوايا مختلفة جداً عن نظرته الغربية. الفيلم يقترح أنّ لورنس نفخ في القبائل العربية روح الوحدة (البعيدة عن الثقافة القبليّة حينها) بعدما وجدها مشتّتة ومحبطة. ففي إحدى الحوارات الشهيرة، يقول: "طالما يتقاتل العرب كقبائل فيما بينهم سيبقون شعوباً صغيرة، سخيفة، جشعة، بربرية ووحشية مثلك". كان لورنس يتوجه بالحديث للشريف علي وهو شخصية وهمية مركّبة من عدة شخصيات تاريخية ويؤدي دوره الممثل المصري، عمر الشريف. 
في كتابها عن الإمبريالية، تحدثت الفيلسوفة الألمانية خنة أرندت عن شخصية لورنس وافتتانه بثقافة "التجرّد" أو "التعرّي الكامل" أخلاقياً التي يقول أنّه وجدها عند العرب. لورنس كان يستهويه العمل في الإستخبارات هرباً من العالم "المحترم" والمنظّم، كما تقول. هو الذي لم يستطع التأقلم مع العالم الغربي الذي يأتي منه، حاول أنّ يفكّر مثل العرب ويكتسب شخصيتهم ولكنّ ما حصل هو أنّه فقد "الأنا الإنكليزية" دون أن يكتسب هويّة جديدة. وتقول أرندت أنّ لورنس كان مفتوناً باللّغز الذي تشكلّه عملية محو الذات هذه. فهو ليس كاللورد كرومر، حاكم مصر البريطاني، الذي كان يؤمن بفوقيته الحضارية وواجبه تجاه الشعوب المتخلّفة. لورنس عند دخوله لعبة الحرب الكبرى ترك نفسه لتعيد تأقلمها بشكل كلّي ليصبح تجسيداً لقوّة التيار العربي القومي. وتضيف أنّ لورنس بتماهيه مع قوى عظمى وغامضة فقد الغرور الإنساني الطبيعي ليصبح جزءاً من القوى المحرّكة للتاريخ.
وبعد انتهاء الحرب وعودة لورنس إلى دياره كان كل شيء قد انهار بالنسبة له. بحسب ارندت، لورنس أدرك أنّه لم يكن هو العظيم بل فقط الدور الذي استطاع لعبه وأنّ عظمته هي نتاج لـ"لعبة الحرب" نفسها التي سكنته كالشبح. في إحدى رسائله، كتب لورنس: "لقد دفعت عربتي باتجاه التيّار الأزلي، فهو يمضي بسرعة أعلى من التيارات المعاكسة والجانبية. في نهاية الأمر لم أكن أؤمن بالتيار العربي ولكنني كنت أعتقد بأنه أساسي في وقته وزمانه".
عند عودته إلى بريطانيا، كان لورنس، الذي كتب عن تجربته في كتاب "أعمدة الحكمة السبعة"، يرفض أي تكريم لشخصه ويبحث عن الغفليّة حتّى أنّه انخرط كجندي عادي في الجيش. وكان يجد خلاصه من أزماته الداخلية بقيادة دراجته النارية بسرعة قصوى (وقد لقي حتفه في حادث بسبب ذلك في العام ١٩٣٥). خلاصة ما استنتجه هو وجوب زوال غرور الإنسان الغربي الذي يتوهّم أنّه غاية بحدّ ذاتها، يصنع أعمالاً تكون له وبإسمه. بحسب لورنس، الإنسان وظيفة لا غير وفرصته الوحيدة هي "بالدفع في الإتجاه الصحيح" بتماشٍ مع قوى التاريخ الغامضة والخفيّة.
 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا