الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة

في مثل هذا اليوم، 9 شباط، ولكن منذ ثلاثين عاماً بالتمام، في 1986، اغتالت المخابرات السورية خليل عكاوي (أبو عربي) في مدينة طرابلس بلبنان. كان في الثانية والثلاثين، وهو ما لا يصدّقه من عرفه شخصياً أو واكب عن قرب تلك الفترة من حياة هذه المدينة المنكوبة: كل "هذا" بتلك السنوات القليلة من الحياة؟! لم يكن خليل "قبضاي" حارة أو حتى مدينة كما يحلو لبعض الوجهاء، من التقليديين واليساريين على حد سواء، قوله بازدراء يجهد عبثاً في إخفاء خوفه مما يمثل خليل وما يعنيه كمثال (وهما ليسا شيئاً واحداً، ومن يريد أن يعرف تفسير هذه الجملة البعيدة عن الجمالية اللفظية، عليه أن يتسلح بالصبر ويقرأ النص إلى آخره، ما تعودنا على نقيضه بفضل فيسبوك وتويتر والرغبة باللايك الكثير والسريع!). ولم يكن خليل واحدة من أدوات المقاومة الفلسطينية أو سواها في البلد، التي شاعت فيه كثيراً، كما يحلو أيضاً لهؤلاء الوجهاء قوله، طمأنة للنفس بأنهم يعرفون كل شيء ويسيطرون على تفسير كل الظواهر، ولا شيء يتخطى ما يألفونه ويتحكمون به.
كان خليل بالفعل ظاهرة تتجاوز كل ذلك، وتنتمي الى ومضات لا تكف مجتمعاتنا في طول المنطقة وعرضها عن إنتاجها، مقاوَمةً لليأس من حياة لا تطاق.
يجدر دراسة التجربة التي اسمها خليل عكاوي من كل مهتم بالظواهر الاجتماعية، وبالتغيير نفسه، ليس تكريماً للشاب (بالرغم من أنه يستحق)، بل لفهم القوانين العميقة الكامنة في قلب هذه المجتمعات، والتي لا يتيح لها الكم الهائل من السحق بواسطة ثالوث الإفقار والقمع والإذلال (ومتفرعاتها في كل مجالات الحياة) أن تتبلور، فتُعطّل وتُخْنَق في المهد، وتُحوَّر، في إستراتيجية (نعم، "مفتكرة"، ولا يهم فيها مقدار "الوعي" بها بمعناه المباشر) للتيئيس والتسفيه، لا يمكن للوضع البشع القائم ولا لقواه المهيمنة أن يستمرا من دونها.
كان خليل ابن باب التبانة، حي كبير يقع على بوابتها الشمالية تتجاور فيه الثروة والبؤس متعدد الأصول. نُعِت باب التبانة ب"باب الذهب" لأنه مكان تجارات الجملة ومستودعاتها، سواء تلك التي تتم مع سوريا القريبة حتى بعد الاستقلال: الحدود على بعد 35 كلمتراً، أقرب بكثير من بيروت، وقد كانت طرابلس تاريخياً ومراراً حتى ما قبل إنشاء لبنان الكبير في 1920، إمارة ومركز ولاية كبيرة تشمل بعض أجزاء سوريا تلك، وكانت لأسباب جغرافية الممر الإجباري لكل التبادل مع الداخل العربي وصولاً إلى أقاصيه. وكانت مكان "نزول" منتجات سهل عكار الممتد حتى سوريا، ومعها كل المنطقة الزراعية للريف المحيط بالمدينة، والتي تصل أول ما تصل الى باب التبانة. وقد نشأت فيه صناعات صغيرة كذلك.
وهكذا استقطب الحي الكبير العمال وكل النازحين من الأرياف (لا بد اليوم من الاشارة الى أنهم سنّة وعلويين، وهناك مسيحيين)، تكدسوا فيه، يعملون في أسواقه: سوق الخضرة وسوق القمح.. وفي الدكاكين، وفي الورشات القائمة فيه، وفي ما يتعدى جغرافيته من مصانع كبيرة كانت قائمة في المدينة نفسها وعلى طرفها الجنوبي: مصانع الحديد والخشب والنسيج.. والترابة في شكا، ومرفأ طرابلس الذي بقي حتى 1947 مزدهراً أكثر من مرفأ بيروت (العملاق اليوم)، وسوى ذلك مما فاتني حتماً (مصفاة النفط مثلا على مدخل المدينة الشمالي). عمال إذاً وفلاحون مفقَرون يَتركون قراهم تماما أو موسمياً، ونازحون من قرى سوريا القريبة بحثاً عن مدخول أعلى مما يتوفر لهم هناك، وحرفيون في مهن تخرج عن التنظيم التاريخي لها والذي ما زالت أحياء طرابلس القديمة تحمل أسماءه (كسوق النحاسين وخان الخياطين وخان الصابون والبازركان الخ)، وعمال في مهن خدمية هي الأدنى (عمال البلدية المكلفين بالزبالة مثالاً)، وعاطلين عن العمل جزئيا أو كلياً، يسرحون بأدواتهم البسيطة حين يتيسر لهم (مسح الأحذية، باعة جائلين الخ) أو يتضورون جوعاً. وطبعاً تلازم كل ذلك، وأنتج بدوره كل ما يرافق البؤس والاقتلاع، أي أشكال من تعاطي المخدرات وتوزيعها الصغير، ومن الدعارة، وسواهما. ويشيع في طرابلس نعت "ابن باب التبانة" للتعبير عن القاع الطبقي (رغم وجود أغنياء سرعان ما هجروا السكن في الحي، وبالطبع موظفين ومتعلمين، ولو هم قلة)، وعن "أخلاق" تخرج عن المتعارف عليه كأصول مقبولة في المظهر والكلام والسلوك (وأغلب هذا الأصول اللائقة نفاق بالطبع، يكترث بالحفاظ على المظاهر)، مما كان قائماً في فترات ما قبل الانهيار الجديد نحو القاع الذي يعصف بمنطقتنا منذ بضعة عقود. حالة باب التبانة تلك تعممت على أحياء أخرى وصارت تشمل الأغلبية مع التخلّع الشديد في أوضاع الطبقات الشعبية المستقرة، وتقلّص الطبقة الوسطى، وخصوصاً بعدما انهار "باب الذهب" (بفعل مزيج من العوامل، منها الحرب الأهلية اللبنانية المديدة، ومنها التغييرات في سوريا نفسها منذ مجيء البعث اليها، ومنها المعارك المذهبية السنية /العلوية المنظّمة بقرار من جهات شتى، وكثير غيرها..).
لم ينس خليل أن أباه جاء يافعاً من فلسطين (قبل النكبة). وهو استقر في هذا الحي النشيط والمكتظ والمتعدد في أصول أبنائه، وافتتح فيه فرناً. وبهذا المعنى كان مستقراً بل وحتى ميسوراً. وكان لخليل أخ أكبر منه، علي، بدأ في نهاية الستينات من القرن الماضي، متأثراً بمزيج من الأفكار اليسارية/ الناصرية، بتنظيم هؤلاء البؤساء سعياً لرفع الإهمال عن الحي الشعبي (والذي كان الاعتراض عليه يُواجَه بالقمع)، على منوال حركات المحرومين التي تكاثرت وقتها. وكان مثقفاً يمتلك إطلالة على العالم أوسع من أقرانه. وقد مات مسموماً في السجن اللبناني في منتصف السبعينات، قبيل الحرب الاهلية وفي ظروف غامضة.
كان خليل يمثِّل كل هذا. وقرر أن "هذا" يمكنه أن يُولّد حالة نضالية فعالة ومتماسكة، يمكنها أن تستعيد لهذه الشرائح من البشر، وهي الأغلبية الساحقة من مجتمعاتنا، كلمتها بشأن مصائرها. كان مهجوساً بسؤال الفعالية، مؤمناً بالإمكان، ساعيا إلى التحقيق. فانتقل إلى تبني الإسلام بعدما نشأ يسارياً. وكان في ذلك متطابقاً مع زمانه: الثورة الإسلامية في إيران حققت معجزة، والكتّاب والمنظّرين الإسلاميين /اليساريين (أو بالعكس) كثر. أنشأ "لجان المساجد والأحياء" متأثراً بفكر الإيراني علي شريعتي بالتأكيد، وهذا الأخير كان في صفوف فتح مقاتلا في جنوب لبنان.
ولكن ليس أي إسلام. بل تيار يجد أسسه في التاريخ الإسلامي نفسه، منذ الصحابي أبا ذر الغفاري، ومن خلال تجارب ثورية عديدة لم تتوقف يوماً، وكذلك في منحى "لاهوت التحرير" الذي انتشر في أمريكا اللاتينية في السبعينات، مقاتلا في آن الأنظمة الاستبدادية البوليسية والسطوة الامبريالية الأمريكية الشمالية، باسم مسيحية كاثوليكية منحازة للناس وهمومهم وليس للطبقات الحاكمة والاكليروس المتعفن. لم يكن خليل لا متعصباً للإسلام بشكل صنمي بل قاربه كعقيدة أغلبية الناس ووجدانهم، ولم يكن طائفيا ولا مذهبياً. بحث في كل الأمثلة والتجارب الممكنة، من الهند واندونيسيا وحتى بوليفيا.. كان، وهو الذي لم يتجاوز الصف الثاني المتوسط (إذ التحق بمعسكرات الفدائيين)، واسع القراءة وصاحب ذكاء قل نظيره، يستوعب أصعب الكتابات والنظريات وكأنها بديهيات.
والاهم من كل هذا (وهو ليس بقليل)، أن خليل عكاوي كان متطابقاً مع نفسه. لم يكن عنده تناقض بين ما يقول وما يفعل، ولا بين تلك الثنائية وبين ما هو عليه. حالة من الصفاء النوراني النادرة التي لا يقوى عليها إلا قلة من البشر يَظهرون بين حين وآخر. متواضع وصلب في آن، ساخر وصاحب نكتة وجدي معاً. صبور وحاسم. شجاع وعاقل. صادق. فأحبه ناسه حتى العبادة (اعتذر يا خليل، لم أجد تعبيراً سواه). وحين اغتيل، اشتعلت أحياء طرابلس الشعبية كلها غضباً، وقرر ناسه هؤلاء الخروج في تشييعه سارين في عرض المدينة من باب التبانة وحتى باب الرمل، حيث مدافن الشهداء، غصْباً عن القوات السورية المدججة بالسلاح والتي اسقط بيدها بينما كان عشرات ألوف الرجال والنساء (نعم!) يهتفون طوال المسيرة ضد نظام الأسد ومخابراته، ملوحين بقبضاتهم في الهواء غضباً بوجه تلك القوات التي واكبت التشييع.. وغصْباً عن "وجهاء" الحركة التي وافق على ضم جماعته اليها في آخر سنوات حياته ("حركة التوحيد الإسلامي"، المكونة بشكل مفبرك من عدة مجموعات، والتي لم يتوقف خليل عن معاكستها في كل ما كانت تفعل وتقول، وبالأخص في الاعتداء على من تبقى من اليساريين في المدينة، مختصاً بإنقاذ من يمكن إنقاذه فردياً، وبتشكيل حالة من التوازن المضاد معها). ويكفي لقياس هذا النفوذ المعنوي الهائل، أن الشيخ سعيد شعبان رئيس الحركة، اضطر للقول بداية، حين اعتلى منبر الجامع في التبانة ليخبر الناس بمقتل خليل، بعد بضع ساعات من الواقعة: "من كان يؤمن بمحمد فمحمد قد مات، ومن كان يؤمن بالله فالله حي لا يموت". يا للمقارنة!
وهكذا وفّر خليل ما نحتاجه اليوم فوق أي شيء ــ ما زلنا نحتاجه، بل ازدادت الحاجة إليه ــ مما لا يقوى عليه إلا من كان فعلا منسوجاً من نور: مثالٌ مرجعي في ضمير وذاكرة كل إنسان، رجلا وامرأة، الكبار في السن ممن عايشوه، وأبناؤهم وأحفادهم حتى اليوم. مثال يوضّح أن السياسي يمكن أن يكون نظيفاً.. حد التقشف المذهل والتعفف التام لدى خليل، والرفْض المطلق لأي "هدية" مهما صغرت أو كبرت، ولأي استغلال للنفوذ الخ..، حتى مات فقيرا تاركا أربعة أطفال وزوجة وأم، بلا أي نقود في البيت حتى لتغطية المصاريف حتى آخر الشهر. ولكن هبّ كرماء وطيبون ممن لو خلت منهم الدنيا لقُلبت، وقاموا بواجبهم مذاك.. (وهذا باب تُكتب فيه دراسة كاملة بسبب تفاهة السياسيين/المناضلين والمثقفين على السواء، وضعفهم أمام أي إغراء وتبريرهم له، وهو "الخيانة" بعينها: خيانة آمال الناس والمساهمة في إستراتيجية تيئيسهم التي تتبعها القوى المتسلِّطة عليهم).
لم ينس الناس خليل، رغم مرور ثلاثين عاما على رحيله. ما زال اسمه محاطاً بالاحترام الأقرب الى التقديس. وما زال، ولو غائباً، ولو نحن في إدقاع متواصل، يُبقي على ذرة من الأمل الذي يمكن التمسك به، ما يمنع الناس من الكفر بكل شيء، والضياع.
ولا شك عندي أن هناك من يشبهون خليل في المنطقة بطولها وعرضها، فعسى هذا النص يحفز من يعرفهم على الكتابة عنهم.



عن الفايسبوك
 

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top