الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة


الثلاثاء, شباط (فبراير) 16, 2016 - 17:32
بيلوا دافيني
ترجمة:
محمود حسني


يعد الرقص فعلاً غير قانوني في إيران -الدولة شرق الأوسطية، لكن هذا لم يمنع مُعلِمات الباليه وتلميذاتهن الساخطات على الوضع من إقامة فصول تعلّم الرقص في السر.
المرة الأولى التي قابلت فيها "أدا" كانت في سهرة بأمستردام. كنا قد اتجهنا لطاولة المقبِّلات، مترددتيّن في ترك مكاننا المتقدم بالقرب من الطاولة، والذي مكننا من مدّ أيدينا لتناول المقرمشات بينما نشاهد السياح الثملين وهم يرتمون في قناة "برينسينجراتشت" المائية. بدأنا بتبادل القصص. تعمل "أدا" مطوّرة مواقع على الإنترنت في إيران، وقد أخبرتني عن مراوغتها وهروبها من شرطة الأخلاق في طهران عندما كانت في سن المراهقة، حيث اندفعت مرة إلى داخل محل على أمل أن تفقد الشرطة أثرها، ومن ناحية أخرى لكي تتأكد إن كانت بالفعل تلاحقها.
تقول ضاحكة: "اعتادوا التحقق من أن طلاء أظافرنا غير لامع بدرجة لافتة أو يمكن أن يجذب الانتباه. جميع رجال الشرطة لديهم أفكار حول ما الذي بإمكانه جذب الرجال بشكل كبير بينما تصعب معرفة كيف يحدث هذا الأمر أو كيف يتفاعل معه الرجال. ولكنني كنت أعلم أنهم يكرهون اللون الأرجواني لطلاء الأظافر، لذا ركضت إلى داخل المحل. رآني صاحب المحل وفتح لي الباب الخلفي وركضت خارجة منه إلى الزقاق الخلفي بينما يخبر هو الشرطة أنه لم يرني".
"تبدو وكأنها إحدى قصص المقاومة الفرنسية".
"كان الأمر مقاومة بالفعل! عندما نكون خارج المنزل، يجب علينا دائمًا ارتداء قفازات لإخفاء أيدينا واستخدام حيل لارتداء ما نريد ولوضع أكبر قدر ممكن من "الميك أب". هذا ما تفعله الحكومة معنا. تجعلنا نشعر أن طلاء أظافرنا فعل تمردي. تجعلك تهتم بتلك الأشياء الصغيرة، ومن ثم لا تتبقى لديك الطاقة الكافية لتحارب من أجل المشاكل الكبيرة".
بعد تلك المحادثة بستة أشهر، أرسلت لي "أدا" إيميلًا من طهران، تخبرني فيه أنها بدأت توًا أول دروس تعلّم الباليه، وكان الأمر مُربِكًا. أخبرتني أنها تفحصت سرًا الجرائد المحلية، بالإضافة إلى مساحات الإعلانات الإلكترونية، اتصلت بأرقام غريبة، بحثت بين أصدقائها عن أشخاص مناسبين كمرجع لهذا الأمر، وفي النهاية، حصلت على ما تريد وانضمت لفصول سرية من أجل تعلّم الباليه.
يعد الرقص غير قانوني في إيران، فقبل الثورة الإيرانية الإسلامية عام 1979، كانت أموال طائلة تُنفق على الفنون، خاصة برامج الرقص التي تجمع بين عناصر الرقص الإيراني التقليدي وأنواع الرقص الغربي مثل الباليه. وبعد أن أُطيح بحكومة الشاه، أُعلِن الرقص كفعل آثم. حُلّت الشركة الوطنية الإيرانية للباليه عام 1979 بعد وقت قصير من هروب جميع راقصيها الأجانب من البلاد.
تُرِك نظراؤهم الإيرانيون أمام ثلاثة خيارات: إما ترك هذا العمل بلا رجعة والبحث عن طريقة أخرى تمكنهم من العيش؛ أو مغادرة إيران وإعادة إحياء الشركة في مكان آخر ("راقصات الباليه الفارسي" هي فرقة تُقيم عروضها الآن في ستوكهولهم)، أو البقاء في إيران والاستمرار في الرقص، عبر توليفة من الحيلة، والرشوة، والتحدي الصريح للمجتمع المحافط.
كانت "أدا" في العشرين من عمرها عندما حضرت أول دروس تعلّم الباليه، وهي الآن في الثامنة والعشرين من عمرها. "لست شخصًا مجازفًا، ولم أذهب من قبل إلى أي من الحفلات غير القانونية المقامة في الكلية، لكن ’دروس الرقص‘ بدت لي فكرة تستحق المجازفة". ليس الرقص فقط هو الممنوع في إيران، بل إن أي نوع من الموسيقى يمكن أن يجعل جسدك يتحرّك عفويًا يعد فعلًا آثمًا. توضح "أدا": "تسير الأمور بدون مشكلات طالما أن الشيء لا يجلب المتعة أو السعادة. في الوقت نفسه يجلب لك الرقص أو أي حركة على إيقاع موسيقي متعة ما، إذن هو خطيئة".
أن تكون آتيًا من مدينة إنجليزية، ومهووسًا لمدة ثلاث سنوات من عمرك بالتنورات الوردية المتمايلة لراقصات باليه "بحيرة البجع"، يجعل من الصعب عليك تصور الباليه نشاطًا غير مشروع أو به مجازفة خطرة. فبينما كنت أبكي أمام أمي لأنني أريد حذاء باليه أحمرًا وليس ورديًا، كان على "أدا" الحفاظ على إخفاء أمر دروس الباليه التي تتلقاها عن والديها لأنه كان من المتوقع أن يمنعاها عن الحضور. عادة ما توقف الشرطة تلك الفصول، خاصة لو لم تدفع مُعلِّماتها رشوة كبيرة بشكل كافٍ. والقبض على "أدا" كان يمكن أن يعني دخولها السجن وطردها من الجامعة.
تقام الدروس هذه الأيام في قاعات المستشفيات والمكاتب غير المأهولة، أو في منازل المعلّمات أنفسهن بصمت. في معظم الأحيان، تعوِّل المعلمات على إيقاع الراقصات أنفسهن، بدلًا من المغامرة وتشغيل موسيقى يمكنها جذب انتباه الجيران.
مُعلِّمة الباليه القديمة، وتدعى "آذار"، تحكي لـ "أدا" عن التهديد الدائم والخوف من تدخلات الشرطة: "في أي وقت، هناك احتمال أن تأتي الشرطة وتقبض علينا جميعًا، كثيرًا ما أقول لتلميذاتي إنني لا أستطيع ضمان سلامتهن. ومع ذلك، أحاول أن أكون حريصة جدًا. أقبل فقط التلميذات اللاتي تُوصّي بهن تلميذاتي الأخريات. لا أحاول ملء كل وقتي بالإعلان عن دروسي كما تفعل المعلّمات الأخريات اللاتي يوزع بعضهن (بيزنس كارد) على المارة في الشوارع".
يجب أن يكون الإعلان عن فصول الباليه متوازنًا ودقيقًا: "القليل جدًا من الدعاية يقود إلى فصول خاوية، بينما الكثير منها يمكن أن يجذب النوع الخاطئ من الانتباه. "ياسي" مُعلِّمة متدربة تتذكر التوازن الدقيق الذي كانت تقوم به مشرفة الرقص التي تدربت تحت إمرتها. "كانت حريصة جدًا، فكثيرًا ما كانت تتلقى مكالمات من أناس في الحكومة، أحيانًا حتى من مكاتب تحت الأمر المباشر لـ "علي الخميني" (المرشد الأعلى لإيران)، يدعونها إلى تقديم رقصات من الفلكلور الإيراني، سواءً خارج إيران في مناسبات دولية بعينها، أو في سفارات دول أخرى في إيران. كانوا يعرضون مكافآت سخية، ولكنها كانت ترفض". غادرت مشرفة "ياسي" إيران في النهاية وأخذت "ياسي" مكانها في فصولها، مؤكدة على عدم قبولها هي أيضًا أية دعوات مُغرية من السلطة للرقص في مناسبات عامة.
أنهت ثورة الخميني عام 1979 عمل الكثير من الراقصات، إلا أنها في الوقت نفسه خلقت فرصًا غير تقليدية لأناس مثل "نَسرين"، راقصة شابة أصبحت -بالصدفة غالبًا- واحدة من المزوِّدات القليلات بالأحذية المناسبة للباليه في طهران. قبل الثورة، كان يمكن للراقصات المحترفات أو غيرهن شراء أحذيتهن من أماكن متعددة وبأسعار مختلفة، بداية من الرخيص ذي المواصفات الأساسية إلى الأحذية عالية الجودة. بعد مرور 35 عامًا على ذلك، انتقلت صانعات تلك الأحذية من طهران إلى مدن أخرى أو قضين نحبهن، أو  يئسن من الوضع. تعلن "نَسرين" عن منتجاتها عبر حسابها على أنستجرام، ولها نظرة فلسفية إلى حد ما بخصوص مخاطر هذا الأمر كله: "أنا أصنع أحذية رقص. لا يمكنهم تحريم صناعة الأحذية".
"أضع صور الأحذية المخصصة للباليه على حسابي في أنستجرام، والمهتمون بهذا متابعون معروفون. أغلب الناس لا يعرفون ماهية تلك الأحذية. عندما يرى بعض أصدقائي هذه الصور لا يستطيعون تحديد ماهية استخدامها."
ما تقوم به "نَسرين" أدى لتطور ما في مشهد الرقص الحالي في طهران. عندما بدأت "أدا" دروسها، كان الكثيرون قلقين حيال احتمالية القبض عليها. الآن، تخبرني أنهن توصلن إلى ما يمكن أن يكون تسوية مع الشرطة. "هم (الحكومة) لا يزالون يقولون إن الرقص فعل آثم، لذا يجب ألا ترقص، إلا إن كنت ستدفع رشوة، وحينها يمكنك الرقص، ولكن فقط في السر... لأنه فعل آثم".
لا يزال على الراقصات الحفاظ على إبقاء دروسهن في الخفاء بعيدًا عن أسرهن، والمُعلمات مستمرات في الاعتماد على إيقاع الراقصات في غرف صامتة، وصانعات الأحذية قليلات وبعيدات عن بعضهن البعض. ومع ذلك، تزداد فرص الرقص في المناسبات العامة، مع أن رقص النساء أمام الرجال لا يزال أمرًا غير قانوني، والحضور المسموح به من النساء فقط.
تقول "ياسي" إن الأمور تغيّرت مع انتخاب الرئيس حسن روحاني عام 2013. "هناك الكثير من فرص تقديم عروض الأداء ولكنهم يطلبون الكثير من المال لقاء ذلك. علينا أن ندفع مبلغًا ضخمًا من المال لقاء كل عرض، ويكلّفنا الأمر تقريبا 6.630 دولاراً للعرض الواحد، وهذا مبلغ ضخم من المال".
تم التوصل إلى تسوية غير رسمية بعد عقود من الصراع بين الإسلاميين الأصوليين والمعارضة الإيرانية حول تصنيف الرقص كفعل آثم: ادفع لترقص. عندما عادت "أدا" مؤخرًا إلى طهران، ذكّرتني أن التقدم في هذا الشأن لا يزال بطيئًا للغاية.
"هذا الاتفاق الجديد (ادفع لترقص) يبدو تطورًا جيدًا بالنسبة للراقصات الإيرانيات، ولكن السلطة لا تزال مستفيدة من عدم وجود حدود واضحة بين ما هو قانوني وما هو غير قانوني. وهذا كله يجعل تحديهم أمرًا صعبًا. غير أن غالبية الناس تعيش حياة محدودة، محاولين البقاء بعيدًا عن الخطر. فالغموض والخوف هما الطرق الأسهل للسيطرة على الناس".
هناك شيء سخيف في حد ذاته فيما يخص فكرة أن غرفة لتعلّم الرقص عمرها سبع سنوات ظلّت تؤدي بإصرار باليه "La Bayadère" تُعد كيانًا آثمًا. ولكن حتى تعترف الحكومة الإيرانية بذلك، يجب على "أدا" وشريكاتها في الرقص الاستمرار في النظر إلى أن كل فرصة أداء في المساحات العامة هي انتصار في المعركة الأكبر: "الحفاظ على أن يظل الباليه على قيد الحياة في إيران".
ــــــــــــــــــــــــــــ
*الأسماء الواردة في الموضوع غير حقيقية.
*هذه الترجمة الكاملة لموضوع The Illegal, Underground Ballerians od Iran، المنشور في موقع Braodly

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top